2007/01/22

الهوية بين المكتسب والأزلي

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 22-01-2007

سبق الاسلام علماء الاجتماع والسياسة في طرح موضوع الهويات واكتسابها من قبل الافراد والمجموعات حينما بلغ الرسول مستمعيه ان الانسان يولد علي الفطرة واكتساب الهوية يأتي نتيجة عملية تربوية يقوم بها الوالدان اولاً والمجتمع ثانياً. هذه الفطرة هي أشبه ما تكون بالخلاء الذي تملأه التربية بموروث ثقافي ولغوي وديني واثني حتي تتكون للفرد شخصية وهوية يقوم هو علي أساسها بصياغة خطاب يؤصل لها. مع الأسف ضاعت هذه الرسالة في غياهب الغوغائية والعنف والهمجية التي تشهدها الساحة العربية وقد ساعد في ضياعها هجمات خارجية واضحة وصريحة وهدفها تثبيت هويات أزلية تتصادم وتقتل تحت شعارات فارغة هدفها تأجيج وحشية وعنف يجرفان الجميع في المنطقة الي هاوية الاقتتال الذي يرفع شعار الدفاع عن طوائف واعراق واثنيات تعرف وكأنها مسلمات أزلية هبطت علي اصحابها والتصقت بهم حتي اصبحت جزءا من موروثهم الجسدي وعيناتهم الجينية. حديثا توصل علماء الغرب في المجالات الانسانية والدراسات الاجتماعية الي نفس ما بدأت به رسالة الاسلام ولكن جاء وصولهم متأخراً فاعترفوا ان الهويات مبنية ومكتسبة وليست ازلية موروثة تلتصق بالفرد والمجموعة كما يلتصق به لون بشرته. تحرر الغرب عندها من الهويات ومفهومها البيولوجي المتوارث الي نظرة تعتبر هذه الهويات مبنية ومركبة تبرز نتيجة ظروف متعددة تاريخية اهمها علاقة الفرد والمجموعة بالآخر.
وركزت نظريات الهوية علي هذا الموضوع اذ اصبحت الهوية لا معني لها الا بوجود الآخر الذي تحدد العلاقة معه مفهوم شخصية الفرد والمجموعة.
وكما فقد العرب نظرة الاسلام الأولي للهوية كشخصية مكتسبة وليست موروثة لم يستفد هؤلاء من الطرح الحديث لمفهوم الهوية والذي هو ايضا ركز علي اكتسابها. واكثر من ذلك تناسي هؤلاء كيف ان الموروث الاجتماعي نفسه قد فتح المجال في السابق لاكتساب الهوية من قبل اشخاص قد ينضمون الي المجموعة وهم ليسوا ممن ولدوا فيها. خذ مثلا بعض العادات والتقاليد القبلية والتي سمحت في الماضي بانضمام الافراد الي قبيلة ما دون ان يكونوا مرتبطين بها او متصلين بشجرتها ولكنهم حملوا اسمها ونجد في بعض الحالات ان هؤلاء الاشخاص قد تزعموا القبيلة بعد ان اصبحوا جزءا منها بالاخاء وعلاقات الاحلاف.
اندثر هذا الموروث الاجتماعي كما اندثرت فكرة الهوية المكتسبة والتي ارتبطت بالاسلام تحت ضغوط عدة في العصر الحديث.
تسييس الهوية لمصالح سياسية واضحة تأتي اما من المحتل او من الساسة الذين يريدون بناء عروش جديدة علي انقاض عروش مندثرة. يعتمد هؤلاء علي مفهوم خاص للهوية والذي يصورها وكأنها من مسلمات المجتمع وكيانها وليس كمنظومة مكتسبة مبنية علي عملية طويلة من التربية والتلقين. في عصرنا هذا فقدنا القدرة علي تجاوز مفهوم الهوية الأزلية التي لا تقبل النقاش بل هي ملازمة للفرد والمجموعة تلتصق بهما كما تلتصق الثياب بلابسها. هذا التحول في مفهوم الهوية يؤدي الي تداعيات خطيرة تشهدها الساحة العربية حيث ان الصراع اليوم يصاغ باسلوب وطريقة يكرسان المفهوم الجديد علي حساب مفاهيم قديمة استفادت منها الشعوب السابقة حيث انها فهمت مدي قدرة الهوية المكتسبة المطاطية علي استيعاب الآخرين ودمجهم في مجتمعات لم يكونوا جزءا منها. وفي عصر التوسع والازدهار الاسلامي نجد ان مفهوم الهوية المكتسبة انتشر وتعمم حتي يساعد الفتوحات السابقة علي استيعاب عناصر جديدة وضمها الي المجتمع الأصل. اما اليوم في عصر التشرذم والاقتتال يفعل مفهوم الهويات الأزلية الضيقة الانتقال من مفهوم الهوية المكتسبة المستوعبة لعناصر جديدة الي مفهوم الهوية الموروثة الضيقة حصل نتيجة عوامل طارئة من اهمها: اولا تدخل السلطة السياسية المستبدة الفاقدة لقاعدة شعبية في اما محو الهويات المحلية واما خلق هويات جديدة تصاغ وكأنها منزلة من السماء. تعتقد هذه السلطة ان بامكانها التلاعب بالهويات من أجل مشروع سياسي بحت لذلك نجد ان في عالمنا العربي تتوج بعض السلطات مفهوما خاطئا للهوية وتعتقد ان بامكانها الغاء الهويات مجرد محو بعض الاسماء التي تلتصق باصحابها والكنيات التي تعودوا علي الصاقها باسمائهم الثلاثية او الرباعية في محاولة فاشلة لالغاء الهوية القبلية مثلا او الدينية او الطائفية او المناطقية وان تغيرت المعادلة تضطر هذه السلطة الي اعادة السماح لمواطنيها بتسجيل كنياتهم حسب مخطط مدروس للتباهي بالأصل والخصوصية والاصالة العرقية. تعتمد مثل هذه الممارسات السلطوية علي مفهوم للهوية ينأي بها عن كونها مبنية ومركبة وخاضعة للصياغة واعادة الصياغة حسب ما تقتضيه المرحلة ومعطياتها.
ثانيا: التدخل الخارجي في المنطقة العربية اعتمد منذ بدايته علي رسم خارطة لشعوب المنطقة تحتل فيها مفاهيم الهوية الأزلية الدرجة الاولي في تحديد التصنيف للمجموعات القاطنة لهذه المنطقة. فالعراق مكون من اقليات اثنية وعرقية وطائفية وكذلك سورية ولبنان وحتي مصر بالاضافة الي السعودية ودول المغرب العربي. ترسم خرائط المستعمر لوحات فنية للشعوب المستعمرة حسب معايير يتم الاتفاق عليها مسبقا ويستعمل محور القبيلة والطائفة والمنطقة والإثنية لتحديد مجموعات بشرية تعتبر مغلقة ومسورة بسوار حديدي يفرض عليها مسبقا من قبل الصائغ الغربي. ويغيب عن هؤلاء ان لكل حلقة منافذ وتشعبات وحدود يصعب رسمها بصورة متكاملة تستوعب الانتماءات المتشابكة والمتشعبة التي عرفتها المنطقة علي الارض وبين المجموعات البشرية التي تتحاور وتتعاقد وتكمل بعضها البعض. يصور سوار الهوية وكأنه طوق فولاذي يتخندق فيه الجميع ولا يستطيع احد ان يخترقه ويخرج من قيده. هذا السوار يطمح لأن يسجن الافراد والمجموعات في سجن أزلي لا يمكن الفرار من قبضته. ويفسر اي تصرف اجتماعي او سياسي او حتي سلوكي شخصي وكأنه تعبير عن الهوية الأولية وانعكاس لقبضتها علي وجدان وسلوك المجموعة المنتمية اليها.
ثالثا: انعكس تأثير العاملين السابقين علي سلوك الافراد والذين هم بدورهم بدأوا يتفاعلون مع مفهوم الهوية الأزلية بتبني مقوماتها والتصرف حسب معطياتها. عندها يصبح السلوك الفردي للاشخاص انعكاسا لمعطيات الهوية وما تتطلبه من خصوصية واسلوبا في التعامل مع الآخرين. يفوت هؤلاء ان الهوية للهوية الا بوجود الآخر هذا. يأتي التصرف السلوكي النمطي ليكرس ما تريده السلطة وما يريده الخارج المهيمن والذي يطمح لتخندق المجموعات البشرية في حلقات واضحة وصريحة كل منها يسعي لأن يكرس وجوده علي خارطة الهويات المفروضة عليه. ويتصرف المجتمع عندها بوعيه او من غير وعيه علي اساس ما هو مفروض عليه وليس علي اساس ما اختاره هو. ويسهل هذا السلوك مهمة السلطة والمهيمن الخارجي في ارضاخ هذه الهويات الأزلية لمنظورة الهيمنة والتخطيط ويفقد المرء قدرته علي الوقوف خارج ذاته ليتفقد هويته المكتسبة والتي تعلمها ولم يلد بها.
يتأجج الصراع في العالم العربي اليوم ليس علي مكاسب اقتصادية او محاور تطرح موضوع الحريات والحقوق العامة والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم بل تتمحور الصراعات علي اساس تفعيل الهويات ينطلق منها السياسي والمثقف والناشط والعالم من أجل الحصول علي مكاسب للمجموعات علي اساس انها هويات تحتاج الي النصرة والتفعيل. يبقي المثقف بين هؤلاء في موقف يجب ان يتخذه الا وهو عدم الانجرار الي الفرار من نار السلطة المستبدة والمستعمر المهيمن الي نار الهويات الازلية وصراعاتها الاكثر عنفا ربما مما سبقه من ممارسات جاءت تحت شعارات مختلفة قديمة وجديدة.
ربما لا يكون هذا الخيار سهلا ولكنه الخيار الذي يجب ان تتبناه النخب المثقفة حتي لا تنخرط هي ايضا في مشروع الصراع القائم حاليا علي قدم وساق. مهمتها تتلخص في فضح المشروعات المطروحة ومنها التخندق خلف مفاهيم للهوية تعتمد علي ازليتها وديمومتها واقصائيتها وليس علي مطاطية الهويات وقدرتها علي الاستيعاب وليس الاقصاء.
لن يصمد الكثير امام ضغط المرحلة الحالية والتي تتطلب مثل هذا التخندق ولكن ستبقي هناك اقلية من المثقفين الذين يرفضون هذا التخندق لانهم يعلمون ان من ينجرف وراء المشروع لن يترك اثرا فكريا تفتخر به الاجيال القادمة وسيساهم بطريقة سلبية في تدهور الوضع القائم من السيئ الي الاسوأ. وظيفة المثقف اليوم تكمن في رفض اعطاء المصداقية للخطاب السياسي السلطوي او الخارجي تحت غطاء اكاديمي خاطئ. وربما يعود المثقفون الي مفهوم قديم للهوية الذي يصور الانسان وهو مولود علي الفطرة ـ مساحة فارغة يتم ملأها وحشوها من قبل الآخرين في صراعهم مع الآخر. ويتذكر ان الهوية قد تستخدم للهدم وليس للبناء. ليتذكر الجميع ان الهوية علاقة وليس شيئا نحمله كما نحمل حقائب السفر. هذه العلاقة هي وليدة الظرف التاريخي والعوامل الاخري الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكما تتغير هذه العوامل تتغير الهويات. وقد حان الوقت لمفهوم الهويات الأزلية التي يفرضها علينا الغير من سياسي متملق ومتسلق لدرج السلطة ومستعمر يعتبرنا خارطة لها حدود أزلية ان يندثر ولن يندثر الا بوعي نخبة صادقة مع ذاتها اولا ومع الآخرين ثانيا.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية