2006/12/18
السعودية تتخبط بين حاكم وعالم
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 18-12-2006
فتح الملف العراقي الملتهب واكثر الملفات حساسية من الناحية السياسية والدينية حيث يبقي مشروع نصرة سنة العراق معلقا بين طامح ومتردد وانتهازي في السعودية. يبقي الحاكم متذبذبا في تصريحاته يحذر يوما من الخطر الايراني الشيعي ومن ثم لا يطرح بوضوح رؤيته من اجل التصدي لهذا الخطر يبشر احدهم بنصرة سنة العراق ليعود رئيسه وينفي هذا الموقف. لا يقتصر هذا التذبذب علي رجال الحكم ولكنه ايضا تفشي في الاوساط الدينية حيث تعددت البيانات المطالبة بنصرة سنة العراق وقوبلت هذه البيانات ببيانات مضادة تنزع صفة التمثيل لعلماء السعودية الرسميين عن المجموعة المطالبة بمثل هذه النصرة.
اذن علي صعيد الحكم والفعاليات الدينية نجد ان السعودية دخلت حالة التخبط هذه والتي لا يمكن ان تطرح وكأنها تعددية في الرأي بل هي انعكاس واضح وصريح للازمة السعودية الداخلية، وليس فقط السياسة الخارجية والاقليمية. نتج هذا التخبط عن عملية تراكمية وتطورات محلية سعودية لها علاقة بتداعيات احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) علي السعودية وتبني السعودية تحت الضغط الامريكي لعدد من الخطوات التصحيحية في المجال الداخلي الديني. تبنت السعودية سياسة انفتاحية سطحية وغضت البصر عن بعض الحراك السياسي فسمحت لمناقشة ضيقة ومحصورة لبعض القضايا الحساسة وشجع هذا الانفتاح المزيف بعض الاطياف لتتجاوز الخطوط الحمراء المتمثلة في نقد المؤسسات الدينية الرسمية والصحوية وموقف هذه المؤسسات من موضوع الاقليات الشيعية في البلاد. من هذه المواقف ما نشره شيعة السعودية في بيان حددوا فيه شراكتهم في الوطن وطالبوا بحقوق مهضومة وتمثيل في المؤسسات الرسمية. تزامن هذا البيان الشيعي مع حراك واضح وصريح وبروز اعلامي في الفضائيات السعودية لبعض الشخصيات الشيعية المعروفة. بدأ هذا الحراك يفسر ويحلل من قبل الاكثرية خاصة وانه تزامن مع الغزو الامريكي للعراق عام 2003 وكأنه نوع من فرض الوجود علي الساحة السعودية بمباركة النظام والذي يخشي مزيدا من التمرد الشيعي والذي له تاريخ طويل خاصة في المنطقة الشرقية السعودية.
من ابرز ردود الفعل علي الحراك الشيعي السعودي كان مقال الشيخ سفر الحوالي احد الموقعين علي بيان نصرة سنة العراق مؤخرا في مقال تحت عنوان عندما تحكم الاقلية الاكثرية طرح الشيخ موقفه الواضح من مسألة الحراك الشيعي السعودي. استغرب الشيخ من مطالبات الشيعة حيث قال ان الشيعي السعودي يولد شيعيا ويمارس طقوسه ويموت شيعيا دون ان يطلب منه احد تغيير معتقداته. وهذه هي الحرية بالنسبة للشيخ. وذكر ان هناك اقليات اخري في السعودية غير ممثلة بوزير او سياسي واتهم الشيخ سفر الحوالي شيعة المملكة انهم يتبنون خطابا ثأريا وليس حواريا، واعتقد ان الشيعة ينقسمون بين من يطالب بدولة شيعية تفرض تشيع الاقلية علي الاكثرية وآخر يطالب بدولة علمانية يتحارب فيها الكل حسب دينه تحت شعار الحرية. حذر الشيخ من حرب اهلية سعودية واعترض علي التلميح الشيعي بالاستعانة بقوة خارجية ان لم تستجب الحكومة لمطالبهم وكرر قصص العلقمي كالعادة ليذكر بتاريخ قد يعتبره البعض متكررا بحتمية وحلقات معروفة. ورغم اننا لم نفاجأ بموقف هذا الشيخ من المسألة الشيعية السعودية اذ انه موقف معروف وصريح له سوابق تاريخية متعددة الا اننا توقفنا عند بعض النقاط المهمة في مقالته حيث وجه الكلمة الي النظام السعودي والذي اتهم مسابقا بأنه يراعي حساسيات الشيعة في مرحلة عصيبة تمر بها المنطقة العربية. من اهم ما قاله الشيخ امران:
اولا: التذكير بالتنمية المبتورة والتي استثنت مناطق اخري في السعودية لا يتم ذكرها في الخطاب السياسي والاجتماعي السعودي. ذكر الشيخ مستمعيه بأن المناطق الشيعية في المنطقة الشرقية كانت احسن حظاً من مناطق اخري وذكر الشيخ معاناة اهل تهامة بين جدة واليمن وهي منطقة الحوالي نفسه واعتبرها مناطق منسية لا تحظي بأهمية وما تزال المناطق الشيعية حسب رأيه افضل بكثير من منطقته وان انحدرت مستويات المعيشة وفرصة العمل في مناطق الشيعة فهذا نتيجة استئثار علماء الشيعة في المنطقة بالخمس لمصالحهم الشخصية.
طرح معاناة منطقة الشيخ من باب المقارنة لم يكن الا محاولة لتذكير النظام السعودي ببؤر متفجرة آثر هذا النظام ان يخفيها تحت الطاولة.
اما النقطة الثانية المهمة في خطاب الحوالي فكانت موجهة للنظام بشكل مباشر حيث اعتبر ان اي امتيازات قد يحصل عليها الشيعة ستؤدي بشكل واضح ومباشر الي فتح الباب علي مصراعيه امام مطالب اخري تأتي هذه المرة حسب اعتقاده من الحجاز. وهنا تطرق الشيخ الي اكثر الموضوعات حساسية عندما اشار الي ان في الحجاز فرقا صوفية تقيم تحالفات مع بعض العوائل العربية في العالم العربي من اجل تدويل الحجاز تحت قيادة الاشراف حكام هذه المنطقة التقليديين. يدق الشيخ هنا ناقوس الخطر علي النظام السعودي حينما يلمح الي وجود نصوص دينية قد يرجع لها البعض في سبيل دعم عودة حكم قريش الي المنطقة.
يبدو الشيخ هنا ليس كعالم دين وانما كمحلل سياسي والكل يعرف ما هي تداعيات انهيار الدكتاتوريات في العالم. وخير مثال علي ذلك ما حصل في الاتحاد السوفييتي عندما تبني سياسة الانفتاح والتي ادت الي تفتت الكيان الشامل وتقلص الاتحاد السوفييتي وحدوده. من الطبيعي ان يحصل هذا التفتت وحالة العراق اليوم هي مثال ثان لعواقب انهيار الحكم المركزي الشمولي حيث يبقي خطر التقسيم والتفكك حالة ملازمة ومرافقة لانهيار الحكم. هذا لا يعني ان نستنتج ان بقاء مثل هذه الانظمة هو الحل الوحيد والسياج المنيع الذي يحمي المجتمعات من الاقتتال الداخلي. فكثير من الوحدات السابقة المزيفة كانت تقام علي خلفية قمعية تماما كما حصل في الاتحاد السوفييتي والاقتتال والتفكك الذي يحصل بعد انهيار مثل هذه الانظمة هو نتيجة حتمية لسياسة العنف المركزي السابق.
ما يهمنا في هذا الموضوع هو التلويح بعودة حكم الاشراف في منطقة الحجاز وكأن الشيخ هنا يلعب علي الوتر الحساس الذي يقلق النظام السعودي بالاضافة الي موضوع تدويل الاماكن المقدسة والذي ان حصل سينزع عن القيادة السعودية صفة حماة الحرمين ويسقط اي شرعية دينية متبقية لها. تبدو المعادلة بسيطة وواضحة في ذهن الشيخ الحوالي: اي امتيازات للشيعة ستقابلها مطالبة بامتيازات اخري في الجهة المعاكسة قد تؤدي هذه الاخيرة الي عودة منظومة التدويل وحكم قريش بعد ان سلب هذا الحكم بنو حنيفة.
امام هذه المعادلات الصعبة والمعقدة التي يطرحها الشيخ الحوالي تقف الحكومة السعودية امام خيارات صعبة في مواجهة الوضع المعقد والمتشابك في العراق. بيان العلماء السعوديين الداعي لنصرة السنة في هذا البلد والذي طرح وكأنه بيان صادر من جهة لا تمثل وجهة نظر العلماء الرسميين يجب ان يقرأ علي الخلفية السعودية المحلية وليس من باب الدور السعودي الجديد في المنطقة والذي هو دوما يعكس ما يدور في واشنطن. نستطيع ان نستنتج من مقال الشيخ الحوالي والذي صدر منذ اكثر من ثلاثة اعوام علي انه يمثل موقف شريحة كبيرة في السعودية والتي تربط ولاءها للنظام السعودي بمبدأ مناصرة الدين والسنة بالذات وان تخلف النظام عن هذا المشروع فانه مهدد بسحب الثقة من قبل رعيته والتي تعاهده وتبايعه شرط ان يقوم بالدور الذي تم علي اساسه العهد. هذا المبدأ مطلق ولا يخضع لمفهوم المناورة السياسية او المواقف الاستراتيجية والتي قد تتطلب في لحظة تاريخية ما موقفا مغايرا لجوهر العهد القديم.
ورغم ان الشيخ الحوالي وبقية الموقعين علي البيان المستقل لم يدع الي اعلان الجهاد علي الشيعة الا انه يعكس بصراحة المأزق السعودي الداخلي وورطته الحالية. هذا المأزق يختلف اختلافا كليا عن مآزق سابقة وخاصة الوضع الافغاني في الثمانينات عندما اقيمت المهرجانات الجهادية علي ارض السعودية لنصرة افغانستان تحت الاحتلال الشيوعي وعندما لم يتطور الجدل الي مرحلة التشكيك في مشروع نصرة افغانستان لان العدو كان واضحا وغير مختلف عليه بينما الوضع العراقي اليوم يبدو اصعب بكثير من هذه السابقة التاريخية علي الاقل في ذهن من روج لهذا الجهاد حينها. التخبط السعودي علي مستوي الحاكم يقابله تعددية في الرأي علي مستوي العالم الديني. ورغم ان هناك فتاوي متعددة تطرح بشأن جهاد المحتل الامريكي الا ان مثل هذه الفتاوي لا تجد طريقها الي الحيز العام السعودي لسبب بسيط هو تورط النظام مع واشنطن ولكن ان تغير موقف الولايات المتحدة لن نستبعد ان تبرز هذه الفتاوي بشكل واضح في المستقبل. وربما تتعاطف القيادة السعودية مع الفتاوي الداعية لنصرة السنة ولو بشكل غير مباشر من اجل اسكات هذه الشريحة السعودية المتململة والتي تربط ولاءها وبيعتها للحاكم برفع راية الاسلام وتؤجل صراعها مع نظامها الي اجل غير مسمي ان هو استجاب لمطالبها. ومن المؤسف ان يبقي مصير السنة في العراق وهم الذين يتعرضون للذبح المنظم اليومي رهينة مناورات الحاكم والعالم السعوديين. ومن المؤسف ايضا ان يستغل هذا الذبح ليصبح وسيلة لحل الازمات الداخلية التي تعيشها الانظمة العربية المحسوبة زورا وبهتانا علي اهل السنة والجماعة ومن ضمنها النظام السعودي.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي