2006/12/11
خيارات العراقي في بناء دولة المستقبل
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 11-12-2006
قد يبدو حلم العراقي ببناء دولة المستقبل التي تضمن العيش الكريم والسلام للجميع وتوزيع عادل لثروات كبيرة معطلا في ظل الاحتلال وتدخل دول الجوار وانبعاث الهويات الطائفية والاثنية ورنين المدافع ودخان القنابل ولكن لا يموت الأمل عند شعب يعلم كيف يحقق نهضة. فهذه ليست المرة الاولي التي تسقط بغداد في يد محتل وتتحول مياه دجلة والفرات الي خليط من الجثث والدماء. اليوم يقتلون العراقي مرتين الاولي عندما يلفظ انفاسه تحت التعذيب والرصاص ومرة ثانية عندما يتحول الي جثة مجهولة الهوية تجد طريقها الي لوائح الاموات دون اسم او مسمي سنيا كان ام شيعيا عربيا كان ام كرديا.
لن تنتهي ازدواجية الموت هذه الا بوقفة صريحة مع الذات ومع الآخر العراقي. ان كانت لهذه الوقفة فرصة نجاح فهذه الفرصة تعتمد علي امرين. اولا ايقاف الدعم الخارجي لمشاريع القتل الجماعي. لن ينفع الدعم الايراني شيعة العراق في الامد البعيد ولن ينفع الدعم العربي سنة العراق ففي نهاية المطاف سيبقي العراق بشقيه او بأطرافه الثلاثة اذا انضم الكردي الي الخليط العراقي وحده في الميدان بعد ان يرحل الضيوف ذوو الظل الثقيل. وثانيا علي العراقي ان ينظر الي الداخل وليس الخارج. طبعا هذا قد يبدو امرا مستحيلا في لحظة تجد كل فئة نفسها مهددة في غياب هذا الدعم الخارجي ولكن بدون هذا الموقف سيظل الوضع متأججا وستسقط الجثث المسماة مجهولة الهوية وسيزداد عددها كل يوم.
العراقي اليوم، السني والشيعي، يواجه معركة مع ذاته اولا واخيرا. معركته تبدأ من تخلصه من عقدة المزايدة في ذاكرته والتي تصوره وكأنه وطائفته الاكثر اضطهادا في العصر البائد. تبلورت هذه الذاكرة في ظل الدكتاتورية والاضطهاد الفردي والجماعي وحملات التهجير والتشرد والهجرة الي اصقاع الارض. حمل العراقي معه ذاكرة الموت والتعذيب والتي رصدناها خلال أبحاث مختلفة قمنا بها عند المجموعات العراقية المهاجرة حيث وجدنا طوائف تبني هويتها من خلال ذكري المعاناة والتشرد وكل فرقة تزايد علي الاخري وتستعرض معاناتها وكأنها هي وحدها التي عذبت وقهرت وهجرت. وجدنا خطاب المعاناة بشكل واضح عند الشيعة والاكراد والآشوريين ولكننا ايضا وجدناها عند سنة العراق والذين حسبوا زورا وكأنهم كمجموعة مسؤولين عن حملات التعذيب والتهجير. لم يكن النظام السابق يقتل باسمهم بل كان يفعل هذا باسم القوة والميغالومينيا والسلطة المطلقة. نعم كان هناك مهجرون سنة وهذا امر يغيب عن الذاكرة العراقية الجماعية تماما كما كان هناك مهجرون شيعة وآخرون اكراد وكان هناك مسيحيون. استعمال المعاناة الجماعية وذاكرتها المؤلمة لا ينفع في هذه اللحظة لحظة اشتعال العراق جماعيا وفرديا. لا أمل في عراق الغد الا اذا تخلص العراقي من عقدة المعاناة الجماعية ونظر الي ذاته كفرد عذب وسجن وهجر، ما يفعله اليوم هو نبش ذاكرة المعاناة الجماعية ليبني عراقا مفككا عنيفا يقتل فيه الفرد لانه منتم الي مجموعة وليس لذنب ارتكبه. علي الشيعي العراقي ان يتخلص من عقدة المعاناة الجماعية حتي يتمكن ان يري اخاه السني كفرد قد يتفق معه او يختلف ولكن لا يحمله مأساته الجماعية وموروثها القبيح. اما السني فليس له الا ان يتخلص هو ايضا من خطاب الهيمنة المضلل والذي استغل في العصر البائد لا لشيء الا ليغطي اعمالا سلطوية انتهكت حق الانسان في عيش كريم.
ليبدأ العراقي الانسان في التخلص من عقدة ثانية هي عقدة الانتقام والثأر وحلقة القتل والقتل المضاد.
وهنا تسقط كل الشعارات مهما كانت براقة فلا وحدة وطنية ولا مشاريع رص الصفوف تنجح ما دام الانسان رهينة غريزة الانتقام وفريسة الثارات القديمة. فلا فيدرالية ولا تقسيم ولا ديمقراطية تنجح في ظل الانتقام والثأر. علي العراقي اليوم ان يتجاوز محاكم تعد بالعقاب وتنتهي بحبل المشنقة. فالمشانق لا توعد بمستقبل باهر رغم انها قد تشفي غليل صاحب الثأر. ولنا هنا عبرة في محاكم جنوب افريقيا والتي اجتمع فيها الجلاد والضحية في سلسلة من المصارحات ونبش اللاوعي والذاكرة ذاكرة القتل والسجن والتعذيب. استطاعت جنوب افريقيا ان تنهض بنفسها بعد دكتاتورية البيض ليس لانها تبنت مبدأ الجريمة والعقاب بل لانها توحدت في مجالس ومحاكم قضائية لتندب جور الانسان علي الانسان وقتل البشر لبعضهم البعض واستعبادهم لمن هو اضعف منهم واكثر منهم عددا. يحتاج العراق الي عاشوراء جديدة يندب فيها الشيعي والسني ويلطم فيها الجلاد والضحية ليطهر نفسه من جرائم الماضي وعذاب الايام السابقة عله بذلك يخرج من حفر الموت التي يحفرها بيده ويساعده فيها متربصون في الخارج ليست لهم مصلحة الا في دماره واقتتاله الداخلي.
خيار العراقي اليوم في العراق ذاته وليس في دول الجوار. خياره في تنقية الذات وتجاوز الانتقام والثأر واستبدال هذه الغرائز بغرائز جديدة اهمها غريزة الحياة وليس الموت غريزة الاخاء وليس العداوة. من اجل ذلك علي العراقي السني والشيعي ان يتخلصا من نرجسية الاختلافات والفروقات البسيطة وهي نرجسية تضخم الفروقات لدرجة خيالية حتي يتم علي اساسها شيطنة الآخر لتبرير قتله فرديا او جماعيا تحت شعارات مختلفة. اليوم تبالغ الفئات العراقية في تضخيم اختلافها الديني والطائفي والعرقي والاثني في عملية واضحة وصريحة من اجل مكاسب سياسية وحصة ما ولكن ان لم تعط الحقوق للفرد وليس للمجموعات فلن تقوم للعراق قائمة. طالما ان العراقي يفكر جماعيا لن يتجاوز الحرب الاهلية والتي بطبيعتها تعتمد علي الفرق والطوائف والمجموعات وليس علي الفرد وطموحه وامله في حياة حرة وكريمة. وطالما ان نظام المحاصصة هو المفصل والقائم حاليا والذي علي اساسه تكتسب المجموعات حقوقها علي حساب حقوق الانسان لطالما ستظل الحرب مستعرة تغذيها الاحقاد القديمة وان خمدت الحرب لفترة الا انها ستعود ولو بعد حين وليس لنا عبرة الا في لبنان دولة المحاصصة رغم رفع شعار الديمقراطية. وحيث للمجموعات حقوق جماعية تبتلع حق الانسان وتطغي عليه فيموت الانسان وتحيا الطائفة. وها هو العراق اليوم يواجه طغيان المجموعة التي تقتل باسمه لا ليحيا هو بل لتحيا طائفة المغامرين السياسيين والانتهازيين والمقامرين بأرواح السني والشيعي من اجل الفوز بحصتهم هم من الغنيمة الكبيرة وتركة صدام. يبقي هؤلاء محصنين في مناطق خضراء ويبقي العراقي في منطقة حمراء يقتلون باسمه وهو القتيل ذو الجثة المجهولة الهوية.
وصل العراق تحت الاحتلال الي طريق وعر عسي ان لا يكون مسدودا. لا يحتاج العراقي الي مبادرات او مؤتمرات جديدة ولا الي دراسات تجتر الحلول المستقبلية. ما يحتاجه هو مراجعة الذات وليس زيتا جديدا يصب علي النار المشتعلة. القيادات العراقية التي تحرك هذا العراقي السني والشيعي لا تحتاج الي المزيد من الدعم الخارجي بل تحتاج الي قطع هذا الدعم ورفضه من اي جهة أتي. يجب عليها ان تنظر الي الداخل وليس الخارج حتي يقطــــع الطريق علي حرب داحس والغبراء والتي لن تنتهي الا الي جثث وركام.
ولن يحصل هذا الا اذا توحد السنة والشيعة في موقفهم من المعضلة الاولي والاخيرة وهي طرد المحتل الامريكي. فقط هذا الموقف سيوحد الصفوف وسيكون بادرة حسنة تقدمها الاكثرية الشيعية لتبرئ ذمتها وسمعتها كطائفة رحبت بالاحتلال في بدايته وفتحت الباب علي مصراعيه لاتهامات الخيانة والعمالة. لن يوحد العراق المنشق سوي الموقف الرافض للاحتلال. عندها فقط سنجد في القيادات السنية من يمد يده بعد توطد الثقة المتبادلة ليبني عراقا جديدا يتجاوز ثقافة ذاكرة المعاناة الجماعية وتحميل شريحة كبيرة سنية مسؤولية القهر السابق والاستبداد في مراحله الطويلة. عندها فقط سيكون لشعار الوحدة الوطنية معني يطبق علي الارض ويمارس في الشارع والمؤسسة العسكرية والادارية وكافة اجهزة الدولة. الوحدة التي ستخلقها مقاومة المحتل هي الوحدة الحقيقية التي ستبني عراق المستقبل وليس قتال السني للشيعي والعكس بالعكس. عندها فقط سيجد هؤلاء انفسهم في خندق واحد، حيث تتلاشي كل الفروقات وتندحر نرجسية الاختلاف وثقافة الانتقام وتنتهي مزايدات المعاناة. شهادة العراقي علي ارضه عندما يطرد المحتل هي وحدها الكفيلة بتغير وجه هذا الكيان الحالي المتشرذم والمتقاتل وهي وحدها التي ستعطل مشاريع الدول المجاورة لخلق كانتونات تستقطبها حسب مصلحتها هي وليس مصلحة العراق.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي