2006/11/21

السعودية: المبطن في انتقاد البطانة

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 21-11-2006

بين الحين والحين تتعالي بعض الاصوات السعودية وتنتقد المسؤولين في وزارات ومواقع ادارية مختلفة خاصة في لحظة الكوارث والأزمات والتي تصنف وكأنها حالات استثنائية طارئة علي عصر الوئام والكمال. عندما وصلت سوق الاسهم السعودية الي مرحلة حرجة بداية عام 2006 لاحظنا تعالي مثل هذه الاصوات والتي انتقدت الهيئة الاقتصادية المكلفة بالاشراف علي سوق الاسهم. حددت هذه الاصوات كبش الفداء وتمت التضحية بشخصية ادارية واقالتها وتعيين خليفة لها يبدو انه هو ايضا سيتحول الي قربان جديد ويسقط كما سقط غيره. وعندما صنفت الجامعات السعودية في المرتبة ما قبل الاخيرة علي سلم الجامعات ارتفعت الاصوات المنتقدة للمسؤولين المشرفين علي ادارة الجامعات وعندما احترقت مدرسة للبنات وأودت بحياة عشرات من الطالبات توجهت اصوات النقد لما يسمي بالبطانة السعودية التي يعتقد انها تطوق صاحب القرار الاول بل تتحرك من تحت عباءته تماما كما تتحرك بطانة الفستان والتنورة. هذه البطانة تلتصق بالجسد وتلفه وتمنع عنه هبوب الرياح مهما اشتدت سرعتها واقتربت من الجسد.
يعتبر انتقاد البطانة وتحميلها فشل مشاريع التنمية والتعليم والتطور الاقتصادي وامتصاص البطالة وفساد المؤسسات وتدهور القضاء خطوات جريئة تفتح الباب امام الجمهور لمحاسبة المسؤولين والاطاحة بهم عند تبيان الخلل في سياستهم الادارية وقصر نظرهم المستقبلي في بيئة تنعدم فيها المؤسسات الشفافة والقوانين المعلنة والمحاسبة الحقيقية حتي اصبح من ينتقد البطانة ويتجرأ علي تلك الشريحة الملتصقة بجسد الحكم بطلا اسطوريا وذخرا للامة ولسانا حادا يسلطه كسوط جريء يتجرأ علي انتقاد المسؤولين القريبين من السلطة. يختار منتقدو البطانة عادة تلك البطانة المناسبة للنقد دون الدخول في حرج مع صاحب القرار الاول والاخير ورغم ان طعنهم بالبطانة يمر عادة دون اي تعليق او عمل مفيد او ردة فعل من صاحب القرار الا ان البعض قد يجد نفسه خلف القضبان لفترة قصيرة من اجل ما يسمي بالاستجواب ويخرج بعدها منتقد البطانة ليصمت الي الأبد خاصة ان تعهد ان لا تطال كلماته في المستقبل ذوي الشأن في جوقة البطانة.
اصبحت كلمة البطانة مصطلحا يستدعي عند الحاجة والرغبة في تفريغ الغيظ والتململ من حالات كارثية ليست بالآنية بل هي جزء لا يتجزأ من المنظومة السياسية والادارية والاقتصادية في السعودية. كثير من المنتقدين للنظام السعودي يفرغون ما في جعبتهم من مآخذ علي الوضع السياسي الحالي بانتقاد البطانة واستدعاء هذا المصطلح بين الحين والآخر. يتهرب منتقدو البطانة من مواجهة واقعهم المرير والمزري كشعب مغيب عن القرار غير ممثل في مؤسسات مستقلة وغير قادر علي رفع سقف الحرية ليتمكن من صياغة رأيه ليس فقط بالبطانة بل بالجسد الملتفة حوله تلك البطانة.
انتقاد البطانة يذكرنا بقصص ملوك اوروبا في العصور الوسطي حيث كان لكل واحد منهم بطانة تنشق وتتفتق حسب الحالة الجسدية لصاحب القرار وقدراته الفكرية والادارية فكلما ضعف جسد صاحب القرار ماديا ومعنويا نلاحظ ان البطانة الانتهازية تقف امام خيارين اما ان تقوي ويشتد ساعدها لتهيمن هي علي القرار وتتحول الي الجسد المدبر والعقل الفاعل بدلا من عقل صاحب القرار المغيب او ان تنحدر البطانة بانحدار من عينها في موقع المسؤولية. وتلعب هذه البطانة عدة ادوار منها المشاركة في السلطة دون تعيين واضح وصريح ومنها دور الحاجب الذي يقف كحاجز بين صاحب القرار ورعيته وكأنها من حرس جهنم فتكون لها الكلمة الفصل في الدخول والخروج من قصر صاحب القرار او ان تنحدر البطانة وتشارك في انحدار صاحب القرار نفسه اذ ان ملازمتها لجسده قد تؤدي الي تفشي حالة الاتكالية والتخاذل فتفقد البطانة حيويتها مع من عينها في بادئ الامر وتتدحرج الي الحضيض معه وهو امر عادة ما يتكرر في امثلة تاريخية. وتدخل امثال هذه البطانة الي ارشيف التاريخ من بابه العريض كشريحة مهترئة اهترت باهتراء الجسد الذي لبسها ولبسته. ويسدل عادة الستار علي مثل هذه الحالات وتصبح طي النسيان عندما يسدل الستار علي العصر البائد.
اليوم تمر السعودية بمرحلة اكثر تشابها مع حالات سابقة عرفها التاريخ. وهناك الكثير من المبطن في انتقاد البطانة الذي يتردد علي صفحات الجرائد والانترنيت وفي المجالس الخاصة. ثلاثة اسئلة تطرح نفسها عندما نسمع بانتقادات البطانة والتي عادة تحملها الاصوات المنتقدة مسؤولية الفشل والفساد الاداري والمالي والركود الحاصل في مؤسسات الدولة والفوضي والمحسوبية الي ما هنالك من آفات مستشرية.
السؤال الاول: هل يا تري تستطيع البطانة الحالية انتشال البلاد من حالة التخبط والفشل في كثير من المرافق الحيوية من تأمين لفرص العمل ولتحسين المستوي العلمي وايقاف تدحرج السوق المالية وغيره؟
السؤال الثاني: ما مدي قدرة البطانة علي عمل جريء واتخاذ قرارات مصيرية خاصة وانها الملتصقة بجسد ضعيف لا يملك الرؤية بل هو يتمزق من الداخل تحت ضغط المنافسة والعجز والمستقبل المجهول. وثالثا هل ستتدحرج البطانة مع جسدها هذا ساعة الحسم.
اذا اجبنا بنعم علي السؤال الاول فنحن نعلل النفس ببطانة اسطورية ذات قدرة خارقة علي انتشال مؤسسات الدولة من عجزها وقصر نظرها وتخبط سياستها. هذه البطانة يجب ان تكون فولاذية وليست حريرية كما هي البطانة عادة. ورغم ذلك ستجد البطانة الفولاذية انها مشلولة خاصة عندما تصل رؤيتها المستقبلية الي الجسد الذي تحميه وترعاه وتصونه من السنة المنتقدين. اما السؤال الثاني فكل المؤشرات تدل علي ان البطانة السعودية قد طال التصاقها بالجسد لدرجة انها اتخذت شكله، هو باعوجاجه وتضخمه في اجزاء معينة وترهله في اجزاء اخري التصاق البطانة بجسد صاحب القرار جعلها نسخة مستنسخة من هذا الجسد ولن تستطيع في المستقبل ان تتجاوزه وتنتشله من عجزه وتصلح اعوجاجه.
اما تدحرج البطانة مع جسدها فهو الارجح اذ ان الثوب البالي يرمي في سلة المهملات مع بطانته ولا نعرف احدا يحتفظ ببطانة بعد زوال الثوب الا طبعا المغرمين ببقايا الاشياء التقليدية الثمينة وبما ان لا ثمن للمهترئ لا يمكن ان تكون للبطانة فائدة بعد زوال الاصل.
انتقاد البطانة في المنظومة السعودية مضيعة للوقت وهروب من مواجهة الواقع الأليم وليس حرية صحافة وانفتاحا كما يزعم البعض. عندما تسقط رؤوس البطانة كما يحصل بين الحين والحين بقرارات ملكية يكون هذا نتيجة حسابات داخلية وتسديد لكمات خفية لاجنحة معروفة داخل الجسد وليس استجابة لصوت حر غيور علي مصلحة الشعب يأتي من مواطن موهوب بفن الكتابة وحدة اللسان وجرأة الشخصية. من المعروف ان لكل بطانة حياة محدودة ونضارة آنية ولكنها بسرعة غريبة تستبدل بطاقم جديد مستعد للالتصاق بالجسد عله بذلك يجني من المكاسب الآنية ما يمكنه من الاستغناء عن التفكير في عمل جاد يكسب منه رزقا دائما. اعتماد البطانة علي مزاج الجسد وحراكه ضد اجساد اخري وتقلباته الفكرية والسياسية تجاه منافسيه يجعل البطانة في عجلة من أمرها اذ هي تعرف جيدا انها لو لم تثر ذاتها بسرعة بهلوانية قد تفوتها الفرصة التاريخية لذلك عندما تسرق البطانة هي تسرق بنهم وشهية لا تشبعها الفرص مرتين، وان فسدت البطانة ففسادها وانحدارها سريع وقوي لانها ربيت علي اقتناص الفرص وكأنها في رحلة صيد تهرب منها الحباري كما قد يهرب الطير والشاهين.
معضلة البطانة السعودية ليست في السرقة او الفساد او سوء الادارة بل هي في هيكلية الدولة ذاتها وآنية قراراتها. النظام السعودي هو نظام ردة الفعل وليس الفعل. تعود هذا النظام علي الركود وعدم الحراك وان تحرك فانما هو يتحرك كردة فعل علي ما قد يعكر صفوه. لا يطرح هذا النظام سوي الحلول الناقصة في كل المجالات من تعليم الي سوق اسهم مرورا بمجالس شوري معينة وانتخابات بلدية مبتورة الي ما هنالك من اصلاحات مزعومة. تبقي الامور الجوهرية والمصيرية معلقة بين الجسد وبطانته ويبقي الشعب بمن فيهم منتقدو البطانة مغيبا كليا وتبقي مؤسسات الصحافة مستودعات لاستنساخ البشر والخطاب السياسي. وبينما امم اخري تطورت في مجال استنساخ النعاج يبقي النظام السعودي مشغولا باستنساخ شرائح بشرية يقوم علي اعدادها طاقم التدريس والوعظ والارشاد ورؤساء تحرير ومسؤولون اداريون همهم الاول الحفاظ علي مناصب في عصر التعيين والعزل حسب الاهواء وليس حسب معايير الانجاز في مجال العمل. تعرف البطانة ان بقاءها في المنصب غير مرتبط بانجازها وانما هو مرتبط بأهواء الجسد الملتصقة به وموقعه من الاعراب في جمل طويلة وتركيبات معقدة لا يعرف خفاياها الا المنجم والعرافة.
انتقاد البطانة هو مرحلة آنية تمر بها السعودية وستتطور في المستقبل رغم كل القيود المفروضة حاليا. سيتحول الناقد الي تشخيص دقيق هو يعرفه الآن ولكنه لا يجرؤ علي التصريح العلني والنقد المباشر للمسؤول الاول والأخير ليس فقط عن وضع بطانة فاسدة في مواقع السلطة وتدبير الامور وادارة الجهاز الاداري للدولة. محاسبة البطانة خطوة ان تطورت وتبلورت ستؤدي بلا شك الي قناعة راسخة ان البطانة ما هي الا انعكاس واقعي لحالة الجسد الحاكم بل هي افراز من افرازاته السيئة. وما سلوكها الاداري والتنظيمي الا مرآة صريحة للوضع السياسي العام المتسم بالسرية والاستئثار بالقرار دون المشاركة الحقيقية والمحاسبة المرتبطة بمؤسسات مستقلة.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية