2006/11/13
المضحك والمبكي في تراجيديا العرب والغرب
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 13-11-2006
يبدو ان الغرب محتار في كيفية التعامل مع الحيز السياسي العربي، كذلك هو محتار في اختيار الشريحة السياسية التي يريد ان يتعامل معها في المستقبل. اذ ان الغرب قد وصل الي نتيجة جديدة مؤخرا الا وهي ان الطاقم الحاكم العربي قد تجاوز عمره وفقد مصداقيته ونخر العجز جسده، لذلك هو يوميا من خلال اجتماعاته في مراكز الابحاث ومقابلاته مع رموز الحيز السياسي ومناوراته اليومية وتمويله للمؤتمرات والاجتماعات الدورية يبحث جاهدا عن بديل مهيأ لان يتصدر القرار العربي في كل قطر عله بذلك يجدد علاقاته مع اطياف يعول عليها الأمل ان تنتشل المنطقة من ركودها السياسي واحتقانها الشعبي.
من خلال تتبعنا لهذه المؤتمرات نلاحظ رغبة ظاهرة في ايجاد البديل للنظام العربي القائم علي اقدام واهية، لا يجد وسيلة للبقاء سوي الاغواء بالتنمية والرفاهية في بلاد عندها من السيولة المادية ما يمكنها من بناء شرعية آنية علي خلفية الانجاز الاقتصادي او عن طريق القمع المباشر والاعتقالات التعسفية الجائرة. يتعامل اليوم الغرب مع ثلاث شرائح مختلفة يعتقد ان احدها او بعضها سيمكنه من تفعيل حالة سلمية يتم بنتيجتها نقل السلطة الي مرحلة جديدة. كل يوم وكل اسبوع نسمع ونتطلع الي فصل جديد في مسرحية اقرب ما تكون الي تراجيديا غربية ـ عربية فيها من التناقضات ما يضحك وما يبكي في نفس الوقت.
ينمي الغرب علاقات ودية مع شريحة المثقفين والناشطين العرب، ويعتبرهم كحزب جديد. يأتي هذا الحزب الي عواصم الغرب وربما بعضهم يقيم في هذه العواصم ويستقبل في اروقة فاخرة ومؤتمرات يصرف عليها الكثير. حزب المثقفين مستوعب لمصطلحات الغرب ويحمل معه قاموسا سياسيا يمتلئ بمصطلحات معروفة فينظر اعضاء هذا الحزب الي ضرورة تقوية المجتمع المدني ومؤسساته ويطالب بحقوق الانسان واحترامها ويحمل شعار التعددية والقبول بالآخر وتشجيع المواطنة. أي باختصار يبدو هذا الحزب وكأنه البديل المرجو والمرتقب دون اي عملية استشرافية لقاعدته ودوره وشعبيته في بلده الأصل.
اما الحزب الآخر فيأتي بصفته جزءا من الفلكلور العربي القديم اذ ان له من الخلفية التاريخية ما يجعله يستقبل في عواصم غربية، يأتي هذا الحزب بلباسه الوطني ولا ينسي بعض الملابس المحلية التي تضفي عليه نوعا من الشرعية التقليدية القديمة كالغترة والعقال والثوب والبشت يحمل هذا حقيبته الكاملة ويأتي الي العواصم الغربية ولكن استقباله يكون بعيدا عن الاضواء وخلف الكواليس وعلي عكس الحزب الاول الذي تعلم دروسا في ديمقراطية الفنادق من كثرة تردده عليها وعلي مؤتمراتها نجده يحمل كنزا تقليديا يطمح الغرب ان يفعله وقت الضرورة. اذ ان الفلكلور العربي يعدهم بتفعيل دور جيش قبلي يعتقد انه يأمره وينهاه ويخضع لارادته الشخصية ويعد الغرب ايضا ان يقوم بدور الوسيط بين الخارج الغربي والمجتمع القبلي المفرط في قبليته. ولا يعلم شيخنا هذا ان قبيلته التي يدعي انه شيخها قد تفككت ونسيته منذ زمن وهي اليوم لا تأتمر بأوامره ولا تهتم لقراراته. يعتبر الغرب شيخ العشيرة ملاذه الاخير اذ انه سيؤمن له مرور انابيب الغاز والنفط ويضمن سلامة المهندسين والعاملين في القطاعات الاقتصادية وان اختطفهم احد ما سيحاول جهده وسيبذل جميع طاقته في سبيل الافراج عن اي مخطوف غربي يشرد عن القطيع ومركزه.
كذلك يعرض الحزب خدماته في التفاوض مع مسلحين قد يقوضون الامن ويقتلون دون هوادة. الحزب الفلكلوري هذا ينفخ نفسه في المؤتمرات الخاصة ويعامل بأبهة رفيعة وكأنه من بقايا الارستقراطية الروسية البيضاء في عصرها الذهبي من قبل المستقبلين والداعين للاجتماعات السرية.
اما الشريحة الثالثة فتضم طيفا متنوعا من الاسلاميين والذين لم ترتق وثبتهم بعد لدرجة استقبالهم علنا في مراكز البحوث ورسم السياسة، حيث يجتمع السياسي والاداري الغربي مع الضيوف العرب يخصص لهؤلاء حيزا صغيرا في مراكز ابحاث غير مرموقة ولكنها تهيئ الفرصة للقاء وجس النبض ولو عن بعد ونعتقد ان هؤلاء ستتم ترقيتهم في المستقبل الي درجة اعلي مما هي عليه الآن اذ ان التشاور والتفاوض بشأنهم قائم علي قدم وساق وترتبه جهات غير رسمية. لقد ولي عصر الاقتراب من الاسلاميين عن طريق الباحثين والصحافيين الذين يرسلون اليهم ليدرسوهم ويطلعوا علي خبايا فكرهم وخفاياه. اليوم يغازلهم الغرب من بعيد علي الاقل علنا والله اعلم ما يدور في الخفاء فرجال المخابرات الغربية لهم شبكتهم الخاصة والتي لا يطلع عليها احد حتي هذه اللحظة.
في هذه الاجتماعات الهامشية مع الاسلاميين يستنطق الغرب هؤلاء ويرصد مصطلحاتهم ويواجههم بلائحة طويلة من المصطلحات أولها الجهاد ثم الخلافة و الشريعة و الأقليات غير المسلمة واخيرا المرأة ولا يغيب عن هذه اللقاءات كابوس اسرائيل فيستنطق الاسلامي عن موقفه من الكيان الصهيوني ومدي قابليته للاعتراف بهذا الكيان. ومن ثم تنفض الجلسات بعد تبادل التحيات وكلمات تمجد الحوار وتبادل الآراء.
تنعقد هذه المؤتمرات في جميع العواصم الغربية بشكل منتظم ودوري من باب التعرف علي القوي الفاعلة في المجتمعات العربية وخاصة الذي يعتقد الغرب ان لها ثقلها في الوصول الي ديمقراطية يعرفها الغرب ويحدد اطرها مسبقا. يتنقل الغرب بين ديمقراطية الفنادق ذات الخمس نجوم الي حوارات ضيقة مع شيخ العشيرة مرورا بالمؤتمرات المتعلقة بالاسلاميين والتي فيها الكثير من الغزل علي استحياء. ومن اجل ان يكتمل النصاب في مثل هذه اللقاءات فلا بد ان يأتي وجه انثوي والذي تستثنيه فقط اللقاءات الغربية ـ القبلية اذ ان شيخ العشيرة لا يأتي بحريم القبيلة معه الي عواصم الغرب بينما نجد ان حزبي المثقفين والاسلاميين قد تجاوزا هذه العقدة وقد تطعم حلقاتهما مع الغرب بعنصر نسائي.
تختلف تشخيصات الاحزاب الثلاثة لتراجيدية العرب في القرن الواحد والعشرين. حزب المثقفين يلقي اللوم علي حزب القبيلة وتخلفه بالاضافة الي حزب الاسلاميين اذ يعتقد الحزب المثقف انهما المسؤولان عن التخلف واعاقة الديمقراطية اما الحزب القبلي فهو يتهم غوغائية المثقف الذي لا يفقه خبايا المجتمعات العربية المتمسكة بارثها الفولكلوري وهويتها القبلية الضيقة. اما الحزب الاسلامي فاتهامه موجه للانظمة التي تعتقل اعضاءه وتنتهك حرمة بيته وتقتل كوادره دون محاكمة علنية او احترام الانسانية.
امور كثيرة تغيب عن تراجيدية العرب والغرب بفصولها الثلاثة السابقة الذكر. المجتمعات العربية اليوم مشطورة الي قسمين بطريقة لم تشهدها المنطقة من قبل. شطر اغتني بطريقة خيالية جراء مشاريع اللبرلة الاقتصادية والانفتاح الذي بدأ يطبق في معظم الدول العربية منذ اكثر من عقدين. هذا الانفتاح ادي الي تبلور طبقة ثرية انتفعت من هذا الانفتاح بسبب قربها من مواقع السلطة واستأثرت بعقود وصفقات جديدة فسح لها المجال بعد الانفتاح الاقتصادي. مقابل هذه الشريحة توجد اطياف كبيرة من المحرومين العرب الذين بقوا علي هامش مشاريع التنمية والتعليم والانفتاح الاقتصادي. هؤلاء المحرومون هم قنابل المستقبل التي تقبع اليوم في مؤخرة الهرم الاجتماعي المشغولة بتوفير لقمة العيش لاطفال يسرحون ويمرحون في ازقة المدن العشوائية واحياء تفتقد للمياه والمدارس والخدمات الصحية والاجتماعية. ليست لهذه الشريحة قبيلة تحتضنها ولا مثقف يبرز معاناتها ولا حزب اسلامي يدافع عن مصالحها الاقتصادية واحلامها التربوية. وليس لها مجلس عائلة يعطيها قرضا لتدبير امورها. تعتاش علي صدقات ربما لا تصلها معظم الاحيان.
يبدو ان الحديث عن الديمقراطية هو تنظير يفتقد لاهم وطيدة اساسية الا وهي القاعدة الاقتصادية التي تفرض تحرر الفرد من عبودية العوز حتي يبدأ التفكير في مصيره السياسي. لم تنتج ديمقراطيات الغرب عن مؤتمرات في فنادق ولا حوارات في مراكز ابحاث او لقاءات مع قبائل هنا وهناك، بل نتجت عن واقع اقتصادي معين تميز بوجود شريحة كبيرة متوسطة الدخل بدأت تفكر بتمثيلها السياسي حتي تستطيع ان تضمن مصالحها الاقتصادية اولا ومن ثم حقوقها السياسية ثانيا. العالم العربي اليوم بانشطاره الحالي لم يفرز هذه الشريحة وان وجدت في بعض المجتمعات فهي تظل اما مرتبطة بالانظمة التي توفر لها العمل بشكل كبير ومنتشر في المرافق الحكومية والقطاع العام او متقوقعة خلف وظائف بسيطة ليس لها الثقل الاقتصادي المطلوب من اجل تفعيل دورها كشريحة ضاغطة تطالب بالتمثيل السياسي. بين الاثرياء الجدد وجيش المحرومين تبقي المجتمعات العربية معلقة في مسيرتها نحو الديمقراطية. تشبعت هذه المجتمعات بشعارات تأتي بألوان مختلفة من مطالب بالحفاظ علي خصوصيتها الثقافية الي آخر يتشدق بتخلفها وثالث يتغني بأصالتها. يفوت كل هؤلاء ان جيش المحرومين يظل حبيس العوز المهيمن علي العاطلين والانهاك البادي علي وجوه نسائه والانبهار في عيون اطفاله وهم يتسكعون في اسواق المدينة التي يرون خيراتها ويشترونها في خيالهم فقط. لن يحلم هؤلاء بديمقراطية الفنادق والمؤتمرات بل سيحلمون باقتناء آخر صرعات السوق التي يستعرضونها علي الشاشات في برامج الدعاية والابتزاز العاطفي.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي