2006/11/06
السعودية وبريطانيا: السارق من السارق كالوارث من أبيه
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 06-11-2006
بعد اكثر من عقدين لا تزال صفقة الاسلحة المعروفة باليمامة بين السعودية وبريطانيا تثير الجدل. اخذت هذه القضية ابعادا جديدة بفضل الجهد الذي تقوم به مؤسسات مدنية بريطانية تعارض التسلح وبيعه بالشكل المنتشر حالياً بين الدول المنتجة والدول المستوردة. أدي ظهور بعض الوثائق البريطانية السرية الي العلن مؤخراً الي ان تأخذ القضية ابعادا جديدة ربما تتحول الي المجالس القضائية المختصة بالحسم في مسائل الرشوة والنصب والاحتيال.
صفقات أسلحة بين مملكتين الأولي تتسم بالسرية المطلقة وثقافة امتلاك البلاد بما في ذلك البشر والموارد والثروة اما الأخري فهي مملكة فضائح عندها من الصحف الجريئة ما يزيل النقاب عن أكثر الأسرار سرية ولها من المؤسسات القضائية والسياسية ما يعري أخطر القضايا واكثرها حساسية. ويقطنها شعب يتظاهر بالبرودة والتأني ولكنه في الخفاء يحيك من المؤامرات ما تمتلئ به رفوف الارشيفات في مراكز مختلفة. وان كانت علاقة حكوماته المتعاقبة من دول العالم تقوم علي اسس العلاقات الدولية ونظم المؤسسات الا ان علاقة المملكة المتحدة بالمملكة السعودية لها أطرها الخاصة واسرارها الخفية منذ قرن كامل. صفقة اليمامة جزء لا يتجزأ من علاقة المملكتين بعضهما ببعض.
تميزت هذه العلاقة بين المملكتين بتصارع اتجاهين. الاتجاه الاول مغرق في رومانسيته تجاه البدو والبداوة مغرم بالنياق والبعارين مفرط في تأليهه لشيخ العشيرة لا يرضي الا ان يمجده اذ انه يعتبر هذه الشخصية مفتاحه الي كنوز الارض والهيمنة السياسية، اما الاتجاه الثاني فكان دوما يحاول ان يبعد نفسه عن الفولكلور العربي في الجزيرة ويحافظ علي استقلالية قراره وموقفه من هذا الموروث الاجتماعي والموروث الثقافي. ولم يستطع اصحاب هذا الاتجاه حتي هذه اللحظة ان يفرضوا رأيهم علي السياسة البريطانية تجاه المملكة السعودية.
جاءت صفقة اليمامة القديمة هذه نصرا لاصحاب الاتجاه الاول، حيث دخل هؤلاء في عقود شرائية مع شيخ العشيرة المسؤول عن التسلح. تظهر الوثائق المتسربة مدي تمادي هذا في بعثرة المال العام والاستئثار بأكبر حصة من العمولات والتي اعترف اللورد غيلمور بأنها ضرورية لاتمام اي صفقة تجارية مع السعودية اذ قال بالحرف الواحد: تفوز بالعقد ان رشوت، وان لم ترش لن تفوز . عبارة صريحة تدين مملكتين وتفضح خطاب الشفافية والنزاهة الذي يجتر ويكرس مبدأ سلب المال العام وبعثرته من قبل رموز ربما قد اصبحت مرجعا تاريخيا وموسوعة حالية لأرشيف الصفقات السرية التي يعلن عنها من باب الحرص علي الأمن القومي ومراقبة الحدود ومواجهة العدوان من اين اتي.
النظرة البريطانية لتاجر السلاح السعودي لخصتها رسالة ويلي موريس السفير البريطاني في السعودية حينها عندما قال واصفاً تاجر السلاح انه يملك اهتماما فاسدا في كل العقود والصفقات حسب جريدة الغارديان البريطانية الصادرة يوم السبت 28 تشرين الاول (اكتوبر). وثيقة اخري حضرها طاقم مارغريت ثاتشر اكدت علي وصف دقيق لتاجر السلاح اذ قالت هذه الوثيقة انه ليس بالذكاء الخارق وعنده بعض التحيزات والعنصريات وغير مرن ويسوق لصفقة قوية. طبعا في المعاملات التجارية والعقود تتخلي بريطانيا عن ادبها المعلن وتنحدر الي ارضية لا تعرف الا الحقيقة، قد تغريم بريطانيا بصورة البدوي ولكنها تعرف ان مصالحها وتجارتها وصفقاتها تحتاج الي تطويع الجشع والطمع لصالحها طبعا. وهذا ما كان يزعجها في الماضي عندما كانت تتعامل مع طيف كبير من الكاريكاتورات العربية والتي لم تنقرض بعد. كانت بريطانيا تكره ان تدفع لهؤلاء الرشاوي لينفذوا سياستها وهي اليوم تكره ان يبتزها هؤلاء بكومسيونات خارقة الحجم.
وعندما تصل الرشاوي الي حد مذهل نجد ان الطاقم الاداري الحاكم في بريطانيا يتململ ويعربد ولكنه يبقي مضطردا لان يتمم صفقات الاسلحة والتي تجني لاقتصاده الملايين من الدخل والعقود المستمرة. تسرق بريطانيا اموال السعودية والتي هي اولا واخيرا مسروقة من الشعب وتكتمل المعادلة هنا اذ اننا بصدد حلقة من السارقين يصلح فيهم القول ان السارق من السارق كالوارث من ابيه. فكل طرف يعتبر السرقة حقا كحق الوراثة. عند ابرام هذه العقود تتقلص بريطانيا وتتحول الي منظومة بدائية لا تختلف كثيرا عن المتعاقد معه من حيث الرشوة والسرقة ونجد ان الطرفين ينغمسان في هذه البدائية والطمع بنفس القوة حيث تتلاشي الفروقات والاختلافات والحضارة والبعد التاريخي وتنصهر المؤسسة السياسية البريطانية مع نظيرتها السعودية وكأنهما في كورس موسيقي متلائم ومنسجم يعزف الحانه احتفالا بصفقات تفوح منها راحة كريهة عادة ما تتصل هذه الرائحة بعفن السرية.
لا نلوم بريطانيا علي نهبها للمال العام السعودي وبيعها لطائرات فاشلة بأسعار باهظة تعرف بريطانيا ان اكثر من ثلثها سيذهب الي جيوب منتفخة ولكنها تقبل بهذه المعادلة اذا كانت تريد ابرام اي صفقة تسلح مع بلد كالسعودية.
ولو ان هذه الطائرات النفاثة استطاعت ان تحمي السعودية لربما يقبل بها البعض ويرضي بالرشاوي المتعلقة بها ولكن اثبتت صفقة اليمامة انها متضخمة من حيث تكاليفها وفاشلة من حيث قدرتها علي ضمان الأمن. لم تكن هذه الصفقة الا وسيلة لاعادة توزيع الثروة السعودية بين شركاء في الخارج وفي الداخل. الشريك الداخلي يضمن حصة كبيرة تحت ذريعة صفقة السلاح وبدلا من السرقة المكشوفة والعلنية نجد الشريك هذا ينوع مصادر دخله ويتأرجح بين العلنية والسرية حسب الظروف. فبالاضافة الي المخصصات المعلنة وميزانية وزارات تمتلئ بها صفحات الكتب يجنح البعض الي الاسلوب الملتوي والمعوج حتي يضمن تعددية مصادر الدخل والتي تجعله يطفو دوما ويتصدر القرار. اي يحتكر وزير منصبا لمدة نصف قرن تقريبا وينتقل من وزارة الي اخري لا يمكن ان يحصل في اي بلد في العالم الا في دولة الاسلام المسماة المملكة العربية السعودية، وان يرتشي هذا الوزير وينهب المال العام ويفرض نسبة الرشوة علي بائعه والتي هي بالنتيجة تدفع من خزينة الشاري ثقافة محلية متأصلة تعود جذورها الي كبيرهم الذي علمهم السحر في بداية القرن العشرين. اعتمد هذا علي مبدأ التباكي عند بريطانيا اولا وفرض قيمة مالية عليها من أجل تنفيذ اوامرها في شرق البلاد وغربها وعندما استتب الأمر وظهر النفط علي السطح بحث عن مصدر آخر يحلب دوما مقابل الخدمات المتعددة. وعادت بريطانيا تطل علي الساحة من خلال عمليات التسليح والتي بدأت بشكل منظم منذ اول عقد ابرمته مع الحكومة السعودية من أجل تطوير التسلح والتدريب العسكري في نهاية الاربعينات من القرن المنصرم.
وحتي هذه اللحظة تبقي العلاقة حميمة تزيد من تأصلها الرشاوي المتبادلة علي اعلي المستويات.
التقاء المصالح بين الطاقم الحاكم السعودي وحكومات الغرب بما فيها بريطانيا لا يقوم علي احترام متبادل او مصالح مشتركة او رؤية مستقبلية بل يقوم علي ركيزة ثابتة اهمها سرية المؤامرة والتكاتف والتعاضد في سبيل تقاسم ثروة كل طرف يعتبرها حقا وراثيا تقليديا ربما لا يحتاج حتي الي صك شرعي. بريطانيا تعتقد ان المال السعودي مالها ولها حصة فيه منطلقة من الانغماس التاريخي في مستنقع المنطقة، وحكام السعودية يعتبرونه ايضا حقا تاريخيا ورثوه عن كبيرهم. وبدلا من التنافس قرر الفريقان منذ زمن بعيد نظام المحاصصة وتوزيع الإرث.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي
- مقابلة الدكتورة مضاوي مع موقع buzberry
- نحو منظومة أمنية جديدة للخليج العربي
- الكويت والسعودية: قهوة صباحية على ‘محماس’ سعودي