2006/10/30

النظام السعودي: أمرهم سرٌ بينهم

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 30-10-2006

مؤخرا اعلن الملك عبد الله بن عبد العزيز تعديلا للفقرات المتعلقة بحكم ال سعود والتي صدرت في اوائل التسعينات تحت مظلة النظام الاساسي للحكم.
شدد هذا النظام الاساسي علي هوية الدولة الاسلامية واحتكامها للشرع ولكنه اكد علي احتكار اسرة آل سعود للمناصب العليا في الدولة دون اي تحديد يفصل هذا الاحتكار. ومنذ يوم الجمعة 19 تشرين الاول (اكتوبر) اصبح من الممكن تحديد وتأطير هذا الاحتكار من خلال ما يسمي بهيئة البيعة.
هيئة البيعة هذه بيروقراطية جديدة ابتدعها مستشارو الملك الحالي كغطاء دستوري لما يعرف بمجلس الاسرة. الهيئة مشروع مستقبلي لا يفعل حاليا اذ ان الملك وولي عهده قد استثنيا من التطبيق فليس لهيئة البيعة صلاحية ولا دور في المرحلة الآنية ويبدأ عملها بعد رحيل هؤلاء حسب نص اصدار نظامها. تحتكر مجموعة ابناء عبد العزيز مقاعد الهيئة وكذلك ابناؤهم الذين يمثلون أبا عاجزا او متوفيا ويعتمد هذا التمثيل علي من يختاره الملك. كذلك يختار الملك وولي العهد احد ابنائه. كل هذا الاختيار والتعيين يعتمد علي الصلاح والكفاءة حسب معايير تغيب عن الجميع ما عدا الأب الذي يختار.
أهم ما في المرسوم الملكي الجديد ما يتعلق بكيفية اختيار ولي العهد. اذ ان الملك يقترح بعض الاسماء ومن ثم بعد التشاور يعرض الامر علي الهيئة وبعد التشاور والتوافق يتم تسمية ولي عهد البلاد. وان لم يتم التوصل الي نتيجة عندها يطلب الملك من الهيئة التصويت علي مرشح ولي العهد علي ان يتم تعينه خلال مدة ثلاثين يوماً.
يحضر نظام هيئة البيعة لمرحلة حرجة ستدخلها السعودية سببها كبر السن للجيل الاول من الامراء اذ انها تنظر لهيئات طبية ومكلفة باصدار تقارير صحية في مدة قصيرة عن حالة الملك وقدرته علي ممارسة الحكم وان اقرت اللجنة حالة مرضية دائمة يتم مبايعة ولي العهد ملكا علي البلاد. وان مرض الملك وولي العهد معا (وهو امر لا يمكن استبعاده) تقوم هيئة تسمي المجلس المؤقت للحكم بادارة مصالح البلاد والعباد.
وبعد سبعة ايام تقوم الهيئة باختيار الاصلح للحكم من ابناء الملك المؤسس وابناء الابناء.
تنطوي هذه المواد المعدلة من النظام الاساسي السعودي علي عدة مرافق تصب كلها في هدف واحد. الا وهو تجنب الصراع المخفي حاليا والذي لا بد له ان يظهر الي العلن يوما ما. تناقضات نظام التوريث السعودي بدأت تظهـــــر واضحة. مشكلة العائلة السعودية اليوم تنبثق من كون التوريث ينتقل من الاخ الي الاخ وليس من الأب الي الابن. وبتعددية الاخوان ومن ثم ابنائهم نجد ان الصراع علي السلطة حالــــة متزامنة مع نظام التوريث كان اول مشهد لها صراع سعــــود وفيصل في الستينات والذي ادي الي خلع الاول وابنائه جميعا من المناصب الحساسة وقدوم فيصل وتصدر ابنائه هو للمناصب المهمة.
اليوم تعيش الاسرة هذا الهاجس فكل أب قد ربي علي الاقل ثلاثة او اربعة من ابنائه علي مناصب يعتبرها هؤلاء حقا مقدسا. الهاجس الرئيسي ينطلق من خوف هذه الاسرة ان يعين احد ابناء عبد العزيز الحاليين ابنه في منصب ولي العهد وبذلك تتم النقلة من سلطة الاخوان المجتمعة الحالية الي احد الملوك ومن ثم تحصر الولاية في نسله هو وحده مستثنيا بذلك الاجنحة الاخري وتتحول هذه الاجنحة الي اجنحة هامشية في المستقبل تماما كما حصل لابناء الملك سعود بعد خلع والدهم.
وبالطبع تشدد الاوامر الملكية الجديدة علي مبدأ السرية اذ ان اجتماعات هيئة البيعة بحضور امينها المنسق والمعين من قبل الملك الحالي تبقي خلف الكواليس وهذا هو بيت القصيد. مرة اخري اثبت النظام السعودي ان حكم البلاد والعباد هو شأن داخلي سري لا يطلع عليه احد سوي الامين العام ومن يتولي ضبط المداولات والاجتماعات من التكنوقراط المقربين جدا في الجوقة الملكية.
هيئة البيعة بدعة جديدة ابتدعها النظام السعودي الذي يدعي انه يمثل الدولة السلفية تارة ودولة التوحيد تارة اخري. فبعد عقود من الترويج لما يسمي اهل الحل والعقد والتظاهر باستشارتهم من مبدأ امرهم شوري بينهم نجد هذا النظام بدلا من ان يتطور في مسيرة الشوري الحقيقية وليس شوري مجالس الامــــراء قد تراجع الي الوراء من خلال الاعلان عن هيئة سرية تسمي هيئة البيعة.
الدولة السلفية السرية هذه ربما هي اول نمط سلفي نتعرف عليه يحصر ادارة دفة الحكم بعائلة واحدة تصبح هي وحدها اهل الحل والعقد فلا فقيه ممثلا يرسل ابنا له ان ضرب في جسده مرض ولا وجهاء مجتمع ولا عالم دين بل ابناء المؤسس وابناؤهم فقط لا غير. تستثني هيئة البيعة هذه هيئة كبار العلماء والمفتي. الدولة السلفية الجديدة نعتمد في مرجعيتها علي السلف الصالح الوحيد المعترف به الا وهو جوقة ابناء عبد العزيز وأبنائهم.
نتمني ان تأتي الدولة السلفية بنصوصها لتطلع عليها اذ ان مصطلح السلفية يحدد المرجعية الاولي والاخيرة ويحصرها في النص وفي امثلة جيل قديم. ولكن يبدو ان السلف الصالح السعودي الممثل علي مقاعد هيئة البيعة هو المرجعية الحقيقية فلا قرآن مقدس ولا سيرة نبوية ولا حتي سيرة صحابة قدامي بل شركة محدودة مرجعيتها مجلس ادارة مغلق يحافظ علي لحمته شخص تكنوقراطي قريب ولكنه بعيد نتمني له اسعد الاوقات في ادارة دفة البدعة الجديدة السرية حيث ستتمخض الجلسات المستقبلية عن مفاجآت كبيرة.
لا نقيم النظام السعودي علي اساس معايير غريبة نستوردها من تجارب شعوب اخري وانما نقيمه حسب خطابه السياسي المعلن والمؤصل في انظمته الاساسية النظام هذا يدعي انه دولة اسلامية ولكن لم يبق من الادعاء هذا سوي المسمي فقط لا غير. تعديلات النظام الاساسي الاخيرة تبين بشكل واضح بعد هذا النظام عن اي نمط يمكن وصفه بانه اسلامي ناهيك عن كونه سلفياً كما يدعي بعض الامراء. اثبت النظام السعودي مرة اخري انه نظام وراثي عائلي سري يبتدع اجراءات ومراسيم شمولية وخفية تحت مظلة الشعار الديني وهو ابعد ما يكون عن النصوص التي يزعم تقيده بها. وان كان مؤسس المملكة قد اعطي لطلبة العلم بعض الأبهة الشكلية المزيفة الا ان ابناءه واحفاده اليوم يتجاهلون هؤلاء كليا خاصة بعد ان سلطوا عليهم من يطعن بهم وبعلمهم الشرعي والذين هم اولا واخيرا شركاء في صناعة الشركة السعودية المحدودة ومكلفين بحفظها وصيانتها خاصة في المجتمع وعند اطيافه الضعيفة.
ويبقي المجتمع مغيبا كليا فلا مجلس منتخب ولا هيئات مستقلة ولا فعاليات اجتماعية ولا مجالس استشارية تتدخل في حكم البلاد او اختيار ذوي الصلاحية الكفاءة وتبقي معايير هذه الكفاءة سرا محصنا فوق قدرة المجتمع علي الفهم والاستيعاب.
الطريق المسدود والذي تحاول هيئة البيعة فتحه يفسر حالة الشلل التامة التي رافقت شعارات الاصلاح التي طبل لها الكثير والتي اعتبرت وقفة مميزة ستنتشل البلاد من الركود الذي رافق السنوات الاخيرة للعصر البائد ولكن يبدو ان الركود وصمة سعودية مستمرة. النظام السعودي مشغول ليس بالاصلاح السياسي الحقيقي الذي يضمن نقلة نوعية من الاستبداد والشمولية الي الانفتاح والمشاركة السياسية بل هو مشغول بكيفية توزيع الارث والمحاصصة في شركة مغلقة وليس ملكية دستورية كما حلم البعض. نظام هيئة البيعة الجديد ليس الا سلفية تستند علي نصوص ربما منها أمرهم سر بينهم ومرجعيتها نظام الشركات الاسرية الخاصة والمحدودة.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية