2006/08/28
السعودية: ممنوعون من السفر حتي مع محرم
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 28-08-2006
لم يكترث أحد حتي هذه اللحظة بمأساة نخبة سعودية من المفكرين والمحامين والناشطين في مجال المحاماة وحقوق الانسان الممنوعين من السفر والمصادرة جوازات سفرهم. فبينما ينشغل البعض بقضية المرأة الممنوعة من السفر بدون محرم نجد ان هذه النخبة المذكرة ممنوعة من السفر حتي مع محرم. معظم هؤلاء من زوار السجون السعودية المنتشرة في عرض البلاد وطولها خرجوا من السجن في السنوات الاخيرة ليجدوا انفسهم في سجن اكبر حيث يحرم عليهم التنقل والسفر الي خارج البلاد حتي خلال عطلة صيفية يقضونها مع محارمهم. نذكر علي سبيل المثال محمد سعيد الطيب ومتروك الفالح وعلي الديميني واللاحم وكلهم قد منّ عليهم باقامة طويلة في سجون النظام السعودي لا لسبب الا لانهم تجاوزوا الحظر المفروض علي التعاطي مع ما يسمي الشأن العام. فالنظام السعودي يعتبرهم متطاولين علي القيادة خاصة عندما يحلم هؤلاء بمشروع اصلاحي ينتشل البلاد من حالة التخلف السياسي والفساد الاداري والمالي وانعدام العدالة الاجتماعية واستقلالية القضاء. فبعد ان حلمت هذه المجموعة وبلورت حلمها عن طريق الاعلان عن سلسلة من المطالب تم اعتقالهم وحكم عليهم بالسجن. وعندما نصب الملك الجديد في موقعه العام المنصرم خرج هؤلاء واصدقاؤهم من السجن الصغير بمكرمة ملكية وعفو من القيادة وكأنهم مجموعة مجرمة خرجت عن ثوابت العقيـــدة. ولكنهم اليوم يعيشون مأساة الحرية في الجزيرة العربية وسجنها الكبير.
عندما اندلعت الحرب الصهيونية علي لبنان نلاحظ ان ابناء المنطقة الشرقية ذات الأكثرية الشيعية نظمت مظاهرات لنصرة لبنان ومقاومته وبينما خرجت هذه المظاهرات دون اذن مسبق حسب مصادر محلية نجد ان بعض النخب السعودية توجهت الي القيادة في محاولة انتزاع موافقة بتنظيم مسيرة من أجل الاحتجاج علي العدوان الصهيوني. قوبلت هذه المطالب بنفس النمط المعهود اي بنوع من الغطرسة والتعالي ولم يسمح لها بتنظيم اي عمل احتجاجي في مرحلة عصيبة فصمتت كما صمتت الاكثرية الساحقة من ابناء الجزيرة. وقوبلت بالرد الذي عود النظام شعبه عليه ملخصه ان الشأن العام ليس من اختصاص احد سوي تلك المجموعة من الامراء وهم ادري بالمصلحة العامة وطلب من المتقدمين لطلب الاحتجاج صرف اهتمامهم بالشأن الخاص فقط. يختزل النظام السعودي شعبه بل هو يفعّل فقط الجانب الحيواني في الانسان. هو لا يريد فكرا او ثقافة سوي تلك التي تكرس هيمنته وتمجد انجازاته علي مرّ العصور. يريد النظام انسانا يأكل ويشرب وينام وينكح فقط لا غير. لا يريد تعاطفا مع اي زعامة خارجة عن جوقة الامراء او فكر ينهض بالمجتمع. لا يريد اعلاميا يحلل ويفكر بل يريد من يردد المنظومة الرسمية وكأنه ببغاء ينفش ريشه بين الحين والحين. لا يريد صقورا تحلق بثقافة جديدة قد تعري خطابه المبتذل ومواقفه المخزية.
لقد غيب النظام السعودي محاولات تجديد الخطاب السياسي والديني معا بينما فسح المجال لروايات المراهقة وخاصة تلك التي اصدرها كتاب النظام والتي تنبش المخزون الجنسي لشباب وبنات الجزيرة نجد انه يحارب دوماً اي محاولة لانتشـــال البلاد من ركودها الفكري ومشكلتها الأمنية التي ما تزال المدن السعودية مسرحا لها وآخرها احداث المصادمة مع مسلحين في مدينة جدة هذا الشهر.
كتاب النظام وقصاصوه يشرحون من خلال الروايات نظرتهم او بالاصح نظرة النظام وتحليله لاسباب العنف فيروجون منظومة الكبت الجنسي كسبب جوهري خلف هذا العنف وقد اثبت هؤلاء القصاصون انهم اكثر هوسا بحور العين من الجهاديين انفسهم. وبينما تتداول وسائل الاعلام السعودية مثل هذه القصص علي صفحات الجرائد المحلية والفضائيات العربية نجد ان الفكر الذي يحلل بواقعية ويطرح حلولا معقولة قد غيب كليا عن الساحة الاعلامية. اصحاب هذا الفكر يمنعون من الظهور علي شاشات الفضائيات ليشرحوا رؤيتهم لمستقبل البلاد ونظرتهم لمأساتها الحالية وحلولهم المستقبلية. فلماذا لا يستضيف الاعلام السعودي امثال عبد الله الحامد مثلا ليشرح لنا معني العدالة في الاسلام وتبعيات فقه السلاطين ومعني المجتمع المدني ومغزي الشوري في الاسلام، وكلها موضوعات قد كتب عنها هذا المفكر ولماذا لا يقدم لنا التلفزيون السعودي في دبي مثلا اطروحات متروك الحامد بخصوص التنمية المبتورة والتي لم تصل الي منطقته الشمالية؟ لماذا لا يستضاف هذا المفكر؟ ليحدثنا عن تبعيات هذه التنمية ومخاطرها القادمة كما فعل علي صفحات كتب لم تنشر الا خارج الوطن ولماذا لا نتمتع بأمسية شعرية تستضيف الشاعر علي الدميني ليطرب مسامعنا بكلمات خرجت من وراء القضبان وقوافي امتزجت بالعزة في زمن الانبطاح؟ يغيب كل هؤلاء لأن عندهم الفكر الذي يعري الخطاب الرسمي امام ملايين المشاهدين العرب ولا يبقي لهم سوي الفضاء الالكتروني ومعظمه يتم حجبه عن طريق المجهود الجبار الذي تقوم به مدنية الحجب في عصر العولمة والانفتاح، مدنية الملك عبد العزيز للتكنولوجيا. لماذا يبقي هؤلاء محرومين من مخاطبة المشاهدين للتلفزيونات العربية بينما يتصدر المجلس من هو غير قادر الا علي المديح والاطراء والتبجيل والتقديس.. لماذا يسمح لشعراء الغزل والحكواتية السفر الي خارج البلاد ويبقي هؤلاء محاصرين في بلادهم دون جوازات سفر؟
لا يوجد اي سبب لمنع هؤلاء من السفر فهم ليسوا مجرمين ولا مختلسين للاموال العامة او الخاصة وليسوا هم مفسدين في الارض. جريمتهم الوحيدة انهم نطقوا وحلموا احلاما ربما تتحول في المستقبل الي كوابيس تقلق النظام. وبينما يسمـــح للشباب الصايع السفر الي الخارج ينشرون غسيلا سعوديا قذرا في شوارع العواصم العربية حتي المجاورة والعواصم العالمية البعيدة نجد ان النخب الفكرية الجريئة مصادرة حقوقها في التنقل والكلام. بعضهم يهرب فكره الي الخارج من أجل نشره في دور نشر لم تخضع بعد لسلطة النظام السعودي وكأنهم يهربون مـــادة ممنوعة.
لا يمكن تصور مدي الضغط النفسي الذي يعيشه كل من في عقله ذرة فكر وفي وجدانه نخوة وفي عاطفته صدق مع قضايا العرب والمسلمين. هناك مأساة حقيقية يعيشها هؤلاء بعيدا عن الاضواء وخلف الكواليس. والاسماء التي نذكرها هنا ليست الا لمجموعة صغيرة محيدة حاليا ولكن هناك العشرات بل المئات يعانون من نفس المشكلة والجور. ليس لهؤلاء ملجأ كجهاز قضائي مستقل يحسم امرهم ويطلق سراحهم. قضاياهم تبقي عالقة ومعلقة علي اهواء الامراء. وما دامت الجزيرة العربية فاقدة لقيادة واحدة تحسم الصراعات الداخلية ستظل قضايا المجتمع ونخبة معلقة بين اهواء هذا الأمير او ذاك.
تبعات هذا الضغط النفسي الذي تعاني منه النخب متعددة منها الشعور بالغربة في الوطن، هذا الوطن الذي تحول الي ولاية مهمشة عربيا واقليميا وعالميا. خذ من هذا الوطن نفطه ولن تجد عندها اي اهتمام عالمي به. سيظل المسلمون يحجون اليه ويحنون الي عزته التي فقدت بسبب تسلط النظام السعودي علي موارده ومصادرة ابنائه والترويج لخطاب سياسي اقرب لخطاب اعداء العرب وليس اصدقاءهم.
ليس لهذه النخب الاّ الحلم خاصة وان النظام السعودي ما زال مصادرا من الخارج. هذا الخارج يعتقد ان اطلاق الحريات في الداخل السعودي قد يؤثر علي مصالحه وعلي تصدير الطاقة. وهو اليوم يصمت علي التعديات علي حقوق الانسان وعلي حرمانه من الكثير من حقوقه التي ضمنتها الشرائع السماوية والقوانين العالمية. ولم تكن هذه النخب الممنوعة من السفر تعول علي الضغط الخارجي لانها واقعية وتعلم علم اليقين مدي اهمية المصالح المتبادلة بين القيادة السعودية ونظيرتها في العواصم العالمية التي تدعي مناصرة حقوق الانسان ولكنها علي ارض الواقع تتبع مبدأ النفعية وتضحي بمفاهيمها وقناعاتها مقابل صفقة اسلحة او برميل نفط. تظل هذه النخب صامتة ممنوعة حتي من الاحتجاج او التضامن مع اخوة لهم في لبنان قد يطول صمتهم وحرمانهم من التنقل والسفر خارج البلاد لكن عندما توجد الارادة ستسقط كل الحواجز وتنهار كل الصروح وربما معاناتهم الحالية تجعلهم يعيدون النظر في طروحاتهم السابقة والتي طرحوها علي استحياء وكلما طال سجنهم كلما اقتنع هؤلاء بانعدام الرؤية الاصلاحية علي مستوي القيادة سوي حكم القبيلة وغطرستها. ربما يعيد هؤلاء النظر بالاصلاح الحذر ودور القيادة في تدشينه وما علي هذه النخب سوي حسم خيارها الآن قبل فوات الأوان.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي
- مقابلة الدكتورة مضاوي مع موقع buzberry
- نحو منظومة أمنية جديدة للخليج العربي
- الكويت والسعودية: قهوة صباحية على ‘محماس’ سعودي