2006/08/23
السعودية: عملية انتقال صعبة للجيل الثاني في الحكم
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 21-08-2006
تختلف الاسرة الحاكمة المالكة السعودية عن نظيرتها في دول الخليج الاخري حيث انها مع الزمن تطورت من كونها اسرة صغيرة الي مرحلة تبلورها كقبيلة متشعبة مترامية الاطراف تتقاسم الهيمنة علي الجزيرة العربية عن طريق توزيع المناصب والموارد الاقتصادية حسب معادلة بسيطة، تقتضي المعادلة تنصيب الاقرب من حيث رابطة القربي الي نسل الملك عبد العزيز حيث يستأثر ابناؤه بحصة الاسد سياسيا واقتصاديا من التركة وكلما ابتعدنا عن هذا الخط من النسل كلما قلت الصلاحيات والحصة من الارث ونلاحظ ان الحصة تكاد تنعدم او تتلاشي عندما نصل الي مجموعة من الامراء والذين يمكن تصنيفهم بأنهم يشكلون مجموعة من المغضوب عليهم اما بسبب حزازات عائلية سابقة واما بسبب انحدارهم من سليلة قد حيدت في السابق. تكتفي هذه الشريحة الكبيرة من المغضوب عليهم بمعاشات شهرية وبعض الفتات من التركة الكبيرة والغنيمة الوفيرة ويسمح لها ببعض الصلاحيات والمشاريع الاقتصادية التي لا تجعلها مهمشة كليا من الناحية الاقتصادية وتمنعها من الغرق النهائي في القبيلة الكبيرة ومحورها الرئيسي وتضمن لها المستوي الاجتماعي الذي يخولها لان تحمل القاب السمو والمعالي.
ومنذ ان دخل الجيل الاول من نسل المؤسس عصر الشيخوخة نجد ان القبيلة تبحث جادة عن وسيلة تمكنها من انتقال السلطة واحتكارها من الابناء الي الاحفاد. جاء تسريب خبر اللقاء بين طلال بن عبد العزيز ـ العم ـ بالاحفاد الي الصحافة من باب اطلاع العالم الخارجي والداخل السعودي علي ان القبيلة تحرص علي تطوير ذاتها وتسهيل الانتقال من الجيل الاول الي الثاني رغم ان الحيز الاعلامي اكد علي ان الوقت لا يزال مبكرا لتولي الاحفاد مقاليد الحكم. الكل يعلم ان هذه القبيلة تجتمع في الافراح والاتراح وخلف الكواليس من اجل صياغة المحاصصة وتوزيع الارث ولكن لا تحظي هذه الاجتماعات بالاهتمام اذ انها روتينية ومنسقة. اذن لماذا وجد هذا الخبر الفريد طريقه الي العلن؟ وما مغزي اجتماع العم بأبناء اخوته وهم الذين قد ورثوا مناصب ابائهم العجزة منذ فترة؟ الكل يعرف ان ابن الملك عبد الله قد تم تتويجه في منصب كان والده قد احتكره في الحرس الوطني والكل يعرف ان ابن وزير الداخلية قد ورث الهيمنة علي قرارات وزارة الداخلية من امن وقمع داخلي وارهاب منظم ليس فقط ضد من حمل السلاح في المملكة بل من نطق بالاصلاح والكل يعي ان المهام الدفاعية قد انتقلت من وزير الدفاع الي ابنه فارس الصحراء وان الخارجية وادارتها تنتقل اليوم بين ابناء الملك فيصل الراحل. اما ابناء طلال نفسه فقد فسح المجال لهم لبناء امبراطورية اقتصادية عالمية تنتفع وتعتاش علي اللبرلة الاقتصادية والعولمة وامير الامبراطورية الاعلامية السعودية قد هيأ اولاده للهيمنة علي ما يدعي السياحة الدينية والترفيهية اما البقية الباقية من الاحفاد فتم نشرهم كأمراء مناطق يعيثون في الارض فسادا ويتعاملون مع ابناء هذه المناطق بغطرسة اشبه ما تكون بغطرسة الولاة المنفيين علي اطراف الدولة لا من وازع ولا من رقيب يصولون ويجولون وكأنهم مقاطعات نائية او دويلات فيدرالية مستقلة. يبقي المجتمع معزولا عن خفايا توزيع الارث العام للقبيلة وليس له الا ان يعلل النفس بأن يشرك في فتات الحصص الكبيرة عسي ولعل يكون له نصيب ولو بخس في عملية التوزيع القائمة علي قدم وساق طيلة قرن كامل.
جاء لقاء العم بالاحفاد ليعطي صورة حضارية عن عملية تطوير القبيلة تخرجها من صورة شيخ العشيرة الهرم ومنظومة الاب العجوز الي مرحلة تكون اكثر انسجاما مع القرن الحالي ومعطيات العصر. ربما يحاول هذا اللقاء نزع صورة الشيخ في مجلسه ببيت الشعر حيث يلتقي بأبنائه ويستعرض مؤهلاتهم وانجازاتهم علي الساحة ويتشاور مع امير الحرب وامير القمع وامير الحج وامير العلاقات العامة وامير العلاقات الخارجية. الكل يستعرض فرسه وفروسيته عله يتوج في منصب جديد او يجمع بين منصبين في وقت واحد بمعزل عن الفرسان الباقين.
وبينما كان النمط القبلي السابق يتصف بشيء من الديمقراطية خاصة النمط الذي عرفته قبائل الجزيرة الا ان النمط السعودي القبلي الحالي تطور نحو الاسوأ حيث ان المدنية والتكنولوجيا الحديثة وخاصة الاستخباراتية والعسكرية قد افقدته بعض صفاته السابقة وحولته الي ديكتاتورية اشبه ما تكون بديكتاتورية البوليت بيرو الشيوعية حيث هناك مجلس مغلق معزول عن قاعدته الشعبية يستأثر بالقرار والعباد والموارد. مركزية القبيلة السعودية الحاكمة ظاهرة جديدة في تاريخ القبيلة كما عرفتها الجزيرة العربية. اليوم مجلس القبيلة السعودية هو البوليت بيرو المركزي الذي يصنع القرار. وان وجدت اختلافات داخلية بين اعضائه الا ان القرار الاخير يبقي في يد المحاور المركزية التي تضمن بقاء المجلس طافيا علي السطح وهذا يرجح كفة الاعضاء المسيطرين علي القاعدة العسكرية والامنية والاستخباراتية التي تضمن التعاطي مع الاختلاف بالحسم العسكري او التلويح بمثل هذا الحل ان بدرت ظواهر تنذر بالانقسام.
يروج لقاء العم بالاحفاد للمؤهلات المكتسبة للجيل الثاني فيستعرض شهاداتهم من الكليات العسكرية والمدنية الاجنبية وشهاداتهم المتنوعة وكأننا في جلسة سرية خاصة لشركة محدودة او بالاصح قبيلة عصرية من حملة الدبلومات العالية التي يتم تحضيرها للقيادة المستقبلية. يستثني هذا اللقاء الرعية المغلوبة علي امرها والتي سيفرض عليها المجلس القادم بأعضائه الجدد رغم انفها كما فرض عليها الرعيل الاول بالسيف وهو المصطلح المفضل الذي يلوح به دوما في وجه كل من علا صوته ولو باستفسار بسيط عن خفايا قيادة المرحلة القادمة. لقد جاء هذا اللقاء متأخرا اذ ان توريث المناصب من الأب الي الابن في القبيلة قد تم بالفعل كما ذكرنا سابقا فلماذا اذن هذا الاستعراض الاعلامي الفاشل. هل يا تري هناك خلاف علي توزيع المناصب دون التعرض لصلاحية المبدأ العام؟ ام ان هناك تنافسا حادا بين حملة الشهادات الجدد؟ ولماذا جري الاعلان عن هذا اللقاء في موقع اعلامي محجوب في المملكة وليس علي شاشات التلفاز الداخلية والصحافة المحلية. هل لأن الرعية ما زالت جاهلة لا تحمل الا شهادات من معاهد صغيرة لا تهيئها لفهم اسرار القبيلة الحاكمة؟
لا تزال هذه الرعية مهمشة ومحيدة لا تمتلك المؤسسات التي تمكنها من لعب دورها في سياق التقاسم والمحاصصة بين حملة الشهادات الجدد. ولا تزال تعيش تحت هيمنة الطوطم المقدس والذي لا يقبل الطعن في قدسيته مهما تغطرس وانفرد في صنع الحدث والقرار تعلل النفس بظهور الامام الغائب الذي سينتشلها من تسلط القبيلة بكافة أفرادها او يحد من غطرستها. تعلق الآمال اليوم كما علقت الامة الاسلامية سابقا املها علي عمر بن عبد العزيز ولكننا نذكرها ان هذا العمر لم يوقف الانحدار والتشرذم اللذين ضربا دولة الخلافة. لتتعلم هذه الرعية من تجارب الاقلية والتي نفضت عنها غبار السلبية عندما أنهت انتظارها وأصلت لفكر ينتشلها من الغيبوبة. وها هي اليوم تعلم العالم الاسلامي بأجمعه دروسا في الحراك والمقاومة والتجديد الفكري. تجاوز الشيعة عصر الانتظار في عصر الغيبة بينما الرعية الكبيرة ما زالت تنتظر في عصر الغيبوبة. تعلم الرعية علم اليقين خاصة تلك النخبة الفكرية الجديدة انها لا تعيش في دولة النبوة او الخلافة بل هي تعيش في خلطة ما بعد الحداثة تحت حكم قبيلة كبيرة تجمع اسوأ ما في الحكم القبلي والعصرانية خاصة آلتها القمعية وتتستر بعباءة دينية هشة تشكك هذه النخبة نفسها بصلاحيتها وقدرتها علي تطوير فكرها لتنتشل الاكثرية من مستقبل باهت تشوبه علامات استفهام كبيرة ومخططات لم تتضح معالمها بعد بشكل عريض. تتحمل هذه النخبة مسؤولية الانهيار ان هي صمتت ولم تهييء الارضية الفكرية للبديل الذي يحكم بالمؤسسة وليس بالفرد. لا نتوقع ان تستمد هذه النخبة الهامها من تجارب غربية بل ندعوها ان تنظر حولها وفي محيطها الخليجي لتتعلم دروسا في كيفية تحقيق دولة المؤسسات التي تحسم صراع الافراد من جيل اول او ثاني او من جيل الكتاتيب او من حملة الشهادات العالية. يجب علي هذه النخبة ان تعيد النظر في سلبيتها تجاه امور جوهرية كنظام التوريث القبلي الحالي ونظام السرية ومسؤوليتها عن الشأن العام خاصة بعد ان فقدت قدرتها علي التدخل فيه وتحديد مساره وقيل لها بالخط العريض ان هذا الشأن من اختصاص اعضاء القبيلة المالكة والحاكمة. ان بقيت هذه النخبة تكتب بأقلام مهداة من افراد القبيلة ستكتشف ان حبرها سيجف وسيكون مصيرها مرتبطا بمصير القبيلة ذاتها وكم قبيلة انقرضت في السابق ولم تستطع ان تتعاطي مع المعطيات الجديدة علي الساحة. تعلل النفس بالاصلاح الحذر المزعوم ولكنها اكتشفت ان الحذر لا يطبق الا في مجالات هامشية بينما تبقي الكعكة متماسكة في حالة واحدة فقط هي السيطرة علي مسار التوريث الحالي والذي يقوي افراد القبيلة ويضعف المجتمع فقط لا غير ويستنزف الموارد الاقتصادية والسمعة العالمية وفي المحيط العربي والاسلامي. خير دليل علي هذا التصور هو ما وصلت اليه الحال بعد الحرب علي لبنان هذه الحرب كشفت القناع عن مسار القبيلة الحاكمة الجديد والذي تخلي عن الزيف السابق وخرج الي العلن. مسار الخطوط الجديدة في السياسة السعودية الخارجية هو منظار يدلنا علي التعفن الداخلي.
وهذه ليست المرة الاولي التي تظهر السعودية بمظهر الدولة الخارجة عن اجماع شعبها والعالم العربي بل هنـــاك امثلــــة كثيرة لا مجال لذكرها. المشكلة تقبع في كون القرار السياسي الداخلي والخارجي هو من صنيعة زمرة قليلة تدار من قبــــل جهات خارجية معروفة ولم يبق لهذه الزمرة سوي الاستجابة واعلان السمع والطاعة حتي تتمكن من تحقيق حلم الاباء فــي توريث الابناء.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

