2006/08/14
المئذنة والقصر: مسمار أخير في نعش سعودي متصدع
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 14-08-2006
كانت فتوي عميد الوهابية عبد الله ابن جبرين والتي حرمت مناصرة شيعة لبنان وحزب الله لانهم خارجون عن الاسلام حسب رأيه بمثابة المسمار الاخير الذي سيعتبر الحلف الشيطاني بين مئذنة السلفية السلطانية والقصر السعودي. هذه الفتوي هي صرخة الفريق الاخيرة قبل ان تجرفه امواج البحر العربي القادم والذي سيفتح مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة تسقط فيها فصول التشدد السعودي الوهابي وتبقي فصول المقاومة بعناوينــها الكبيرة.
اثبتت مئذنة بعض رجال الدين المعينين في المملكة مرة اخري ان مرجعيتها القصر الملكي وتصريحات مسؤولين سعوديين في واشنطن والذين تصدروا السياسة الخارجية السعودية خلال نصف قرن. فبينما يطعن هؤلاء بالوهابية المتزمتة من علي ثغور واشنطن يومياً ليظهروا مدي تطورهم وحكمتهم في كبح جماح المئذنة المتطرفة نري هذه المئذنة البدائية العمياء لا تزال تنبش مراجعها ودررها السنية علها تجد لها موقعاً من الاعراب في عالم عربي واسلامي قد تجاوزها هي وقصرها المغيب عن صنع الحدث.
لقد انتهي زمن مئذنة القصر منذ ان افتي رجالها بسطحية الارض وحرموا تعليم البنات وحللوا الاستعانة بالكفار والصلح مع اليهود. انتهت مئذنة القصر عندما استعبدها امامها المبجل لتحل له ما حرم الله وتحرم علي العباد ما أحله. وبعد ان انتهت مهمتها وروضت له شعب الجزيرة ها هو اليوم يطعن بها من الخلف كعادته لأنه يسير دوماً علي نهج ماكيافيلي. يسعد القصر اليوم بفتاوي مئذنة القصر والتي تبشر بسقوطها في لحظة يتمني هو ايضا ان تتصدع منارتها وتسقط كلمتها في الداخل السعودي. اعتبر النظام السعودي ان مهمة الوهابية الرسمية قد انتهت ولكنه لا يريدها ان تصمت كلياً علّه يحتاجها في المستقبل ولكنه يريدها هامشية مجمدة حتي اشعار آخر. ومنذ نهاية التسعينات نراه يربي خليفة للمئذنة السابقة. فبينما كنيسته القديمة تحتضر نجد ان هناك اخري تنتظر بفارغ الصبر لان يتم تتويجها مئذنة سلطانية جديدة عصرانية حضارية تخاطب العرب علي شاشات الفضائيات تحمل شعار الجهاد في كل مكان ما عدا بلاد حدثنا رسولنا ان بها يطلع قرن الشيطان. الكنيسة الجديدة مضطرة أن تحتفظ بأهم معالم الفكر الوهابي السياسي رغم ان عندها من الحرية مجالا اوسع من سابقتها المحتضرة حاليا. تحتفظ الكنيسة الجديدة بطاعة ولي الأمر والعلماء طاعة عمياء فهي لا تجادل في الأمور الجوهرية ولا تطالب ان تنتخب الامة ولي امرها. ربما تناصح قيادتها علنا ولكنها قد تتحفظ علي اي عمل جماعي كالمظاهرة والاعتصام خاصة ان احرج مثل هذا العمل ولي الأمر. ليس للكنيسة الجديدة موقف محدد علني من زلات ولي الامر خاصة حلفه الشيطاني مع الولايات المتحدة ومناصرته للحملات العسكرية الصهيونية وتبذيره للاموال علي صفقات اسلحة تعرف الكنيسة الجديدة انها لن تستعمل في الدفاع عن اي شبر من ارض الجزيرة بل هي مهمة فقط من أجل توزيع وتقاسم الثروة النفطية بين افراد العائلة الحاكمة السعودية ونظام بيع الاسلحة وشركاته الغربية. المحاصصة هذه هي الحجر الاساسي والركيزة المهمة في حلف القصر السعودي مع الغرب.
ورغم اننا نزف لكم هنا موت المئذنة القديمة وبداية المرحلة القادمة حيث تتوج كنيسة جديدة انطلقت من رحم السابقة الا اننا نعتقد ان للمئذنة السابقة قدرة خارقة علي اعادة صياغة نفسها فهي مستعدة لأن تتغير حسب الظروف لتحافظ علي استمرارية هيمنة فكرها واعلامها علي شعب لم يسمح له مطلقا ان يطلع علي تحولات الفكر الاسلامي فعزل هذا الشعب عن مخاضات فكرية وفقهية بالفكر الواحد خاصة في المدارس والمعاهد والجامعات. وان سمح له بالاطلاع علي التعددية الاسلامية مذهبية كانت او فكرية فيأتي هذا من باب التعرف علي الانحراف و البدعة و الضلالة حتي يتسني للجيل القادم ان يدحضها ويفندها. تحارب الكنيسة القديمة كل الاتجاهات الاسلامية الفكرية خاصة تلك التي تمكن من النهوض بالنفس والفكر والمجتمع ولكنها كانت حربا خاسرة خسرتها الوهابية لانها كانت تسبح ضد التيار وضد الفكر. اعتاشت هذه الوهابية المتمثلة بمئذنة السلطان علي الاقصاء وشيطنة الآخر المسلم السني اولا والشيعي ثانيا فبينما كانت في الماضي تلعن هؤلاء وانحرافاتهم اليوم ابناء الوهابية ذاتها يلعنونها. لن تسقط الوهابية علي يد القصر فقط ولن تسقط علي يد ما يحلو لها ان تسميه بالرافضة ولكنها ستسقط علي يد ابنائها الذين ربتهم وعلمتهم الرماية ولما اشتد ساعدهم رموها. لن تنتهي المئذنة السلطانية تماما ولكنها ستندحر في عقر دارها ولن تجد لها سوي صحاري الجزيرة ومناطقها النائية تماما كما حصل لفئات خرجت عن اجماع الامة في السابق ولجأت الي اطراف العالم الاسلامي. ستهاجر هي الي هذه الاطراف بعد ان يرحل القصر الي منتجعات الغرب متسلحا بحساباته ذات الارقام السرية في بنوك سويسرا. ستعترض المئذنة السلطانية لانها لا تقبل بالرحلات العلنية المكوكية الي بلاد الكفر فما بالك بهجرة دائمة لا عودة بعدها! ستنبش ملفاتها البالية ولكنها لن تجد نصا يحلل لها نوما هادئا بين ظهراني المشركين. سيسدل الستار عن حلف شيطاني بين مئذنة وقصر ولن يكون ذلك نتيجة دبابات امريكية تدك معاقلها لأن هذه الدبابات هي حليفة مخلصة للمئذنة والقصر معا.
تعتمد الولايات المتحدة علي مئذنة القصر والتي لم تتردد في الماضي عن اعلان الجهاد في سبيل امريكا في مناطق معروفة وها هي اليوم تحرم المناصرة بالمال والكلمة لمن يدفع دمه يوميا من أجل الدفاع عن ارضه.
دعوات ايمن الظواهري لانجاز مشروع حلف المستضعفين يجب ان تؤخذ علي محمل الجد من قبل حزب الله خط الدفاع اللبناني الاول. فكما اندست المئذنة السلطانية في صفوف المجاهدين في افغانستان وكانت ستارا للمتعاونين مع النظام السعودي من صحافيين ومقاتلين ورجال اغاثة سيحاول هؤلاء ان يجدوا لهم حظيرة صغيرة يبثون سمومهم ويشتتون جهد المقاومين في جدل طائفي عقيم خاصة في مرحلة حرجة كالتي يمر بها لبنان اليوم. بعد ان اندس مناصرو النظام السعودي في صفوف الجهاد الافغاني واطلقوا لحاهم اكتشف الجميع انهم الساعد الأيمن للمخابرات السعودية الامريكية تحت امرة زعيمهم في واشنطن والذي ورث هذا الدور مع أواصر القربي من جهة الام والاب معا.
لن يستطيع القصر السعودي سعودة المقاومة في لبنان مهما صدر من فائض نفطي سيجد طريقه الي جيوب كثيرة علي الساحة اللبنانية. كذلك لن تستطيع الكنائس القديمة او الجديدة السعودية ان تختطف هذه المقاومة مهما تبرقعت ببراقع مختلفة وان طولت لحاها او قصرتها. ليس فقط حزب الله من سيقف في وجهها بل هو طيف كبير من عرب ما بعد النكبة والنكسة. هذا العربي بدأ ينضج ويعتلي المنابر ستجده سياسيا محنكا وعالما وطبيبا وكاتبا. يرهب هذا المارد الجديد عدوه ليس بلحية مطلية بصباغ اسود وانما بايمانه بقضيته. يرهب عدوه ليس برقصة فولكلورية بل برقصة موت تسبقها زفات واهازيج تبدد ذلك الخط الفاصل بين الحياة والموت. سيجمع هذا المارد بين دروس يتعلمها من مذبحة الحسين ودروس اخري من محنة ابن حنبل وسيضيف عليها تقنية عالية وتكنولوجية غربية. لهذا المارد وجوه متعددة وملامح مختلفة ولكن له قضية واحدة. يرطن بلغات عدة ويهدد بلهجات مختلفة. له هويات كثيرة لكنه يختار واحدة فقط، هي هوية من يرفض السياسي والديني الذي يركع للصهيونية وحلفائها من العرب والغرب. المارد الجديد قد خرج من قمقمه ولن يعود قبل ان يحقق اهدافه. انه الانسان العربي الجديد انسان ما بعد الحداثة الذي خصخص الدين وفهمه وتجاوز ديناصورات المئذنة والقصر المنقرضة لانه تسلح بالقدرة علي التواصل مع المصدر دون وساطة المرجعيات البائدة. تجاوز ماردنا هذا العنعنة وقفز الي النص مباشرة. ستجدونه في كل مكان وعند كــــل طائفة وفي ثنايا كل مذهب. ستجدونه في حي التفاح وبئر العبد. وستجدونه في احياء الفقراء والاغنياء ستجدونه علي مقاعد الجامعات في الغرب والشرق. وسيكون رجل القرن الجديد رجلاً متعدد الهويات ولكنه صاحب قضية واحدة.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

