2006/08/12

مأزق الإصلاح في السعودية، كتاب يكشف عورة بلد الحرمين

مقال نشر على موقع “الجريدة”

مأزق الإصلاح في السعودية..كتاب يكشف عورة بلد الحرمين الشريفين من أسرة الى قبيلة حاكمة والمعارضة مجرد بدعة!

مأزق الإصلاح في السعودية في القرن الحادي والعشرين للكاتبة مضاوي الرشيد مؤلف يجمع في محتوياته أصناف الأزمة والأمراض السياسية التي تخترق المملكة العربية السعودية.
ومن محتوياته، الموزعة على ستة أقسام، يظهر واضحا أن الكاتبة الرشيد قد أكدت العزم على إسقاط أوراق التوت عن نظام سياسي وصفته بالاستبداد والطغيان.
نظام لدولة ومجتمع لا يواكب التطورات الاقتصادية والسياسية والفكرية الحاصلة في المنطقة العربية وفي العالم برمته، بعد انهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة وبعد 11 سبتمبر الواقعة التي شكلت النقطة التي أفاضت الكأس وجعلت السعودية في مأزق في علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.
ويسجل الكتاب، الذي صدر عن دار الساقي، أن المملكة العربية السعودية دخلت القرن الحادي والعشرين وسط حالة غليان أمني وسياسي، ترافقت مع دعوات غربية، وأخرى داخلية ليبرالية وإسلامية، مطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي.
وفي وقت كانت السعودية تتعرض فيه لحملات تفجيرات انتحارية على أيدي حركات إسلامية متشددة، كان يلح السؤال يوما بعد يوم عن كيفية إدارة المملكة >حوارها< مع الحركات الإسلامية الداخلية، ومدى رغبتها وتجاوبها مع الدعوات الإصلاحية الداخلية والخارجية، وهل تملك فعلا مشروعا أو حتى تصورا للإصلاح؟ للإجابة عن هذا السؤال، يكشف الكتاب عن عجز النظام عن قبول فكرة إصلاح سياسي يخرجه من النفق والمأزق الذي دخلته البلاد بنعل دوامة العنف وهيمنة أسرة حاكمة على المجالات السياسية والاقتصادية والثروات. إنه كتاب جاء على صيغ طلقات رصاص على مظاهر الأزمة والتناقض والظلام داخل المؤسسات السياسية الحاكمة، وفي العلاقة القائمة بين الحاكمين والمحكومين أو "الراعي والرعية"، حسب الخصوصية المحلية للسعودية التي تتحول "الخصوصية" فيها الى فزاعة لكل معارض للنظام القائم. لقد أفرغ النظام القديم القبلي من محتوياته الإيجابية، ولم يبق منه سوى الجانب السلبي الذي يكرس استبداد السلطة ضد غالبية الشعب. وتوضح المؤلفة في هذا السياق أنه >ثمة قطاعات من المجتمع السعودي تنزع الى الالتصاق بقيم القبيلة، ولكنها لا تعكس الجانب السياسي للقبيلة.
فقد تم ترويض القبائل التي جرى تقسيمها واحتواؤها من قبل الدولة. والاعتقاد بأن القبائل السعودية تشكل وحدات منسجمة محكومة الى قيادة متقدمة ستنهض لمقاومة أو معارضة النظام، هو اعتقاد غير منطقي. وهناك أسطورة متداولة بكثرة هي الزعم أن الدولة تعكس تحالفات قبلية. والحقيقة أن >القبيلة الوحيدة التي تمارس اليوم القبيلة السياسية في السعودية هي آل سعود. فخلال القرن الماضي تحول آل سعود من كونهم عائلة الى قبيلة<.(ص28) وإن المطالبة بالإصلاح لدى بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تقود عمليات عنف داخل البلاد يأتي على خلفية محاربة المسيحيين واليهود وطردهم من بلاد الحرمين الشريفين والولاء والبراء، لكن لا يناقشون موضوعات تخص الدولة والحاكم العادل وانتخابه وفترة بقائه في الحكم ومحاسبته. ومن بين "المدارس" الفكرية الدينية، التي ما تزال تجد البيئة الجيدة للنمو والتربة الملائمة لاتجاه ديني منغلق يزعم كونه أقوى إيمانا والتصاقا بتعاليم محمد بن عبدالوهاب.
ن الى هذا الاتجاه، مأخوذون الى حد كبير بمسائل ذات صلة مثلا: بطول اللباس الإسلامي للرجال، واللحي، وحظر زيارة القبور، وتقديس الأولياء والأشجار، والتسليم التام لولي الأمر، والخوف من الفتنة. ومن الطبيعي جدا أن تظل هذه الفئة من "النخب" الفكرية والدينية في منآى عن الخوض في القضايا السياسية الجوهرية التي تخص شرعية ومشروعية الحكام على المحكومين، وقضايا حقوق الإنسان والحريات العامة وتأسيس الأحزاب البرلمان والجمعيات المدنية الحداثية وقضايا المرأة، تلك المنطقة السوداء المحرمة المسكوت عنها في تصورات الإصلاح وفي الخطاب السياسي الرسمي. إن دعوة هؤلاء الفقهاء للطاعة دعوة عمياء بلا قيد ولا شرط، لذلك تجد من بينهم من يواصل رواية الحديث النبوي الذي يدعو الى طاعة ولي الأمر >حتى لو جلد ظهرك وسرق مالك< وهو حديث يفسره علماء الدين المعاصرون بطريقة مختلفة ويقدمون شرحا صادقا لسياقه. >لا يمكن المراهنة على معارضة من داخل صفوف الجنرالات، لأنهم أشخاص مرتبطون بصورة حميمية بالحكومة، ومن غير المرجح دعوتهم الى أعمال تهدد مصيرهم ومصالحهم الطبقية. إنهم يتفادون مهاجمة القارب، لأنهم يدركون أنه في حال غرق هذا القارب فإنهم قد يغرقون معه<. (ص32) إن أهم سلاح في تدجين القبائل كان يجري استعماله من خلال عملية استقطاب شاملة للزعامات القبلية وفصلها عن قبائلها، بعدما حولت الدولة هذه الزعامات الى >موظفين< مهمتهم الأولى ضمان ولاء أبناء القبيلة للدولة. وفقدت بعد ذلك القبية استقلالها السياسي، بعد أن تم القضاء على اقتصادها المحلي، فأصبحت كتلة خاضعة للدولة من خلال وساطة زعاماتها التقليدية أو الجديدة التي أفرزتها السلطة من خلال علاقات واتصالات حميمية مع أفراد الأسرة الحاكمة. المجتمع يفقد قبيلته السياسية، وبالمقابل تحولت الأسرة السعودية الى قبيلة تحكم وتملك. لا يخفى على المتابعين للشؤون السعودية أن وجود معارضة أمر مرفوض وغير مقبول في بلد يسهر ويحمي الحرمين الشريفين، ولذلك من الطبيعي جدا ألا يندهش المتتبع لعلاقة النظام بالمعارضة السياسية، لوجود حملات قمعية شرسة ضد نشطاء سياسيين من شتى أصناف الطيف الإيديولوجي. وكأي معارضة سياسية في دولة لا تسمح بحرية الرأي والتجمع، وترفض مفهوم المعارضة وتعتمد على التفرد بالسلطة، وتحاكم كل من يختلف معها في الرأي، خضعت معارضة الستينيات لأساليب الإبعاد والمحاكمات المتعددة، فنفي أعلامها وسجن بعض رموزها. وقد ساعد الدولة على عملية التصفية هذه كون المعارضة مفتقدة لقاعدة شعبية عريضة في ذلك الوقت. وظلت هذه التيارات مقتصرة على نخب ارتبطت بتفكيرها وتوجهاتها بالعالم العربي من دون أن تستطيع، بسبب الاستبداد المحلي، أن تقيم أي نوع من الاتصال مع شرائح عريضة من الشعب. فالشعارات المنادية بوضع دساتير قائمة على علمانية وحرية ووحدة، ظلت غريبة عن تجربة شعب كان حينها ما يزال بعيدا عن تلك المفاهيم. ما يسمى اليوم التيار الليبرالي، هو تيار متعدد الاتجاهات من نخب مستعدة لأن تدخل في حوار مع السلطة وحتى الشراكة معها، إذا وافقت هذه الأخيرة على مطالبها. وقد تلقت المعارضة نكسة قوية عندما رفضت الدولة مبدأ الملكية الدستورية جملة وتفصيلا بناء على منطق عدم انسجام هذا الطرح مع >خصوصية< البلد.
أما النكسة الثانية، فقد جاءت عندما زج بعدد من دعاة الإصلاح في السجن خلال مارس 2004، ولجأت الدولة الى المقولة التي تربط الإصلاح ودعاته بـ>قوى خارجية< في حملة معروفة الهدف منها نزع مصداقية هذا التيار.(ص65) الأمير نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية صرح في قولة >لا ملكية دستورية في المملكة ونستطيع إجراء انتخابات وتزويرها<، وهو تصريح اعتبرته الكاتبة صفعة لمفهوم الملكية الدستورية المطالب به في الإصلاح، كما اعتبرته >خطابا يعكس عدم مبالاة بالرأي العام وبشعب له حقوقه وحتى بمجتمع دولي يسلط الأضواء على هذا البلد المهم اقتصاديا ودينيا وسياسيا على الصعيدين العربي والإسلامي والصعيد الدولي. كما أن هذا الخطاب يعكس نوعا من الغطرسة والكبرياء والاستهتار بأبناء البدو ونخبتهم< ومن علاقات الأزمة في الدولة والمجتمع السعوديين وجود حالة لاحتكار أفراد العائلة المالكة أعلى المراتب في الدولة. فمن داخلية وخارجية الى دفاع واقتصاد ومناطق وسلك دبلوماسي وصحافة وتراث ورياضة وفن وأدب وغيره من مرافق الحياة العامة، نجد أن الأمراء لهم نصيب وافر في شغر الوظائف. فأي ملكية دستورية ستقلص من هذا التشعب والتغلغل في كل مستويات الدولة ومراتبها.
وحين تبحث الباحثة في مسار المعارضة، تلاحظ أن الإصلاحيين، وخصوصا الإسلاميين، يلزم أن يرتبوا صفوفهم ويتواصلوا أكثر بمد الجسور والحوار بينهم، لأن التفرقة بينهم تصير عامل قوة للسلطة والدولة.
وتعتبر أن هذه أهم خطوة يجب أن تحصل في أقرب وقت حتى تفلت الفرصة من يد الدولة التي تستغل الانشقاق بين >الليبرالي< و>الإسلامي< و>العلماني< و>الديني< لتضرب الواحد بالآخر، وتقف موقف المتفرج الذي يحاول إقناع الجميع بأنه هو الوحيد القادر على لعب دور >الوسيط< أو >القاضي< بين أبناء الشعب وفئاته المختلفة.
فيجب على الإصلاحيين بكافة تياراتهم واتجاهاتهم أن يكونوا جبهة موحدة تتفق على الأهداف وإن اختلفت على التفاصيل الفرعية. فالتفرقة والتمييز اللذان تشجعهما الدولة يعطلان مسيرة التغيير ويشتتان القوى الفكرية.. فالرابح الوحيد من هذه الهوة هو الدولة والخاسر منها هو الشعب كما تؤكد الكاتبة في الصفحة (77).
وتعود المؤلفة لتوجيه ضربات أخرى لسياسة الدولة التي تفصلها أسلاك وجدران عن الديمقراطية وتكتب أن >حق التجمع مرفوض ولا سيما في المساجد، والنصيحة للحاكم مخالفة للنص الديني، خصوصا إذا تسربت الى الصحافة، والاعتصامات والمظاهرات فتنة للمسلمين والديمقراطية بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل داعية للإصلاح مرتد يقوض المصلحة العامة، وكل من تكلم بالشأن العام يطمح لمنصب ما
. وتضيف في الصفحة (81) أن >المطالب بالإصلاح متهم بأنه من أهل البدع الليبرالية، مستورد للأفكار الغربية، فهو علماني أو شيوعي سابق أو قومي يروج أفكار دول مجاورة لا تتلاءم مع خصوصية البلد ودينه. أما داعية الإصلاح من أهل الإسلام فهو مرتد يتطاول على أولي الأمر والعلماء ويخرج عن إجماع الأمة ويحرض على الفتنة.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية