2006/07/31
الشارع السعودي: شكوي العبيد للعبيد
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 31-07-2006
من المضحك المبكي ان نتابع ما يمكن تسميته بالشارع السعودي المغيب وردود فعله علي الهجمة الاسرائيلية علي لبنان وغزة. الكل يعرف موقف الصحافة السعودية الرسمية والتي رددت ببغائية معتادة الموقف الرسمي الذي لم يعلن عن شخصه الكريم او ما اطل علينا بوجهه المعروف. الصحافة تعيد اجترار الموقف الرسمي وكأنها ترتل آيات مقدسة وتبتهل الي خالقها بدعاء وهي تركع خاشعة في حلقة ذكر افقدتها وعيها من كثرة الورع والحرص علي اعادة صياغة الموقف المسمي بالعقلاني للقيادة الحكيمة والتي تجاوزت فصاحة حسان وحكـمة لقمان.
لا يتوقع المراقب لمثل هذه الصحافة اي شطحات او زلات او حتي تلميحات الي رأي آخر وتحليل يتجاوز الآيات المقدسة التي نطقت بها القيادة الحكيمة وليتها لم تنطق. لذلك يجب تجاوز هذه الصحافة كليا في تحليلنا للشارع السعودي وموقفه من المجازر الصهيونية علي شعبين عربيين.
رغم ان الجميع في السعودية قد اطلع علي موقف الحكومة الواضح والصريح من الازمة. نلاحظ ان الشارع الالكتروني اتسم بتعددية خلت منها الصحافة الرسمية المكتوبة والمرئية. لا يهمنا هنا الشارع السعودي الالكتروني المعارض اذ ان موقفه صريح وواضح من حيث ادانته للموقف المخزي لحكومة خادم الحرمين الشريفين. وقد ظهر هذا الموقف دون مواربة او غطاء بل عكس بكل شفافية مشاعر شريحة كبيرة من المجتمع السعودي وعكس حالة الخيبة التي يشعر بها شباب هذا البلد والاحباطات المهيمنة علي اكثريته حيث يحرم هذا الشباب من تلك اللذة التي يشعر بها الشاب من خلال الانخراط بالعمل الجماعي في سبيل خدمة قضية ما وما اكبر من قضيتنا اليوم؟
خلال اسبوع كامل كانت الرسائل الالكترونية والتلفونية التي وصلتنا تعكس حالة الاحباط هذه. شباب ممنوع من ان ينطق بينما نظامه يحتكر النطق بما تشمئز منه الاكثرية الصامتة. اتجه هؤلاء ليس الي شوارع الرياض وجدة العريضة بل خرجوا يجاهدون علي ثغور الكي بورد يصبون جام غضبهم في شارع الكتروني عريض تختلط فيه الوجوه والاسماء ولا تبقي الا كلمات قاسية جارحة تسكب كالرصاص علي شاشات الاجهزة الآلية وتنزع الهيبة والشرعية عن نظام سقط في مخططات الغير للمنطقة. يريد هذا النظام حلا عربيا للبنان وهو نفسه يلجأ الي كل الحلول ما عدا العربية عندما يقع في مأزق.
اقلية قليلة تخوض معركة فكرية مع من ينقر علي الحاسوب نقرات تبث سموم الفكر الرسمي في فضاء الكتروني فسيح. الفكر الرسمي يرتل ويرد علي المشككين في حكمة لقمان الجديدة.
شريحة كبيرة من المدافعين عن هذه العقلانية في موسوعة الفكر العربي الحديث لم يجدوا سوي تبرير الموقف السعودي واعادة صياغته من اجل اقناع الخصوم بأبجديات المؤامرة المسماة اليوم منطق وعقلانية. الملفت للانتباه انه حتي المدافعون بدأوا يصيغون عباراتهم بحذر وحيطة مما يعكس عدم اقتناعهم بالحكمة السعودية. كثير من هؤلاء الحقوا ثناءهم علي ولي الامر بتذكير القراء والمتابعين بالخمسين مليون دولار التي سيدفعها النظام السعودي للبنان ككفارة عن الموقف العقلاني الذي تم الاعلان عنه بعد ساعات من الهجمة الاسرائيلية علي مدن لبنان وقراه. يتناسي هؤلاء ان من يدفع ثمن التآمر بدقة ليس كمن يكفر عن ذنوبه بأموال النفط.
الكل يعرف ان اناء ولي الامر اناء فارغ لذلك تكثر قرقعته التي لا يسمعها الا حزب الولاة ويقوم الولاة اليوم بحملة مناصرة عالمية لولي الامر من علي شاشات الجزيرة .
مؤخرا استعمل هؤلاء اسلوب التسول ـ وهو اسلوب تعودوا عليه ـ اذ انهم يطالبون ولي امرهم بشيء من التضامن ولو الشكلي مع المصاب العربي والجرح الذي ينزف في لبنان وغزة. ومنهم من يشكي اسرائيل واجرامها المفضوح الي ولي الامر ويستعرض مجازرها طبعا بعد ان يمطروه ليس بمطر صيفي يأتي من طائرات اسرائيلية بل بعبارات التبجيل والثناء والخنوع فينطق عليهم حالة شكوي العبيد للعبيد. عبوديتهم لنظام العقلانية الجديدة قد يشبهها البعض بفكر الحداثة الذي تفجر عالميا منذ اكثر من اربعة قرون. وها هي القيادة السعودية قد قررت ان تنخرط في مشروعه ولو بعد وقت طويل. عقلانية النظام السعودي هي مرآة لعقلانية الغرب. هذه العقلانية هي وحدها مسؤولة اولا واخيرا عن نشوء الفكر الفاشي الذي كان يقتل بعقلانية متسلحة بتكنولوجيا عالية علي يد النازية الالمانية التي سخرت كل طاقتها العقلانية في تجسيد فكر الابادة الجماعية والتي ورثتها اسرائيل من الفكر الأم وطبقتها حرفيا دون اي تعديل او تغيير. عقلانية الغرب ايضا هي التي انتجت الاستعمار الذي عرفته المنطقة العربية بالاضافة الي الفكر الشمولي وفكر الانظمة الستالينية. هذه العقلانية التي يتشدق بها النظام السعودي دون ان يعلم ابعادها السياسية والاجتماعية هي ذاتها المسؤولة عن تبلور الفكر العنصري الذي جعل من الرجل الابيض رسولا يحمل الارث العقلاني الي المستوطنات والمستعمرات حيث صُنف البشر الي شرائح وقبائل ومجموعات حسب حجم جماجمها ولون بشرتها وطول اطرافها ووزن ادمغتها. ومن ثم تمت ابادتها بتقنية عالية. لهذه العقلانية مرآة اخري اسمها ديمقراطية الاقلية التي تهيمن علي الاكثرية بحكم كونها اقلية ثرية. باسم هذه العقلانية تباع اسلحة الدمار والقتل لانظمة عربية تقمع شعوبها مستعينة بالتقنية العقلانية الغربية. فويل لشعب الجزيرة من مخاطر تعلم النظام السعودي ابجدية العقلانية والمنطق الغربي. انتظروا اذا ابادة جماعية لكل من خرج عن هذه العقلانية تماما كما حدث للهنود الحمر في امريكا والابوريجني في استراليا وغيرهم كالماو ماو في كينيا ومناطق اخري من افريقيا.
ستبقي ردود فعل الشارع السعودي الكترونية ولن تخرج من حيز الشبكة العالمية. من يحلم بثورة الشارع السعودي علي النظام العقلاني الجديد انما يعلل النفس بالآمال. نقول هذا من موقع استقراء طبيعة المجتمع في هذه المنطقة العربية والذي حوله النظام الي حزب ولاة كبير معطل فكريا ومشلول حركيا لا يجد سوي التخفي خلف اسماء مستعارة لينفس عن احتقانه بينما نجد الاكثرية تنخرط بحالة هروب جماعي من واقعها توفره لها اطنان من المخدرات والمسكرات والممارسات الخارجة عن كل عرف وقانون وتقليد. وكذلك حالة هروب جماعية موسمية الي خارج البلاد من اجل استنشاق نسمة حرية بعيدا عن عيون النظام وآذانه. حالات الهروب الجماعية هذه مستشرية في السعودية حتي اصبحت الآلية الوحيدة للتعاطي مع واقع هذا المجتمع المشلول الذي فقد الثقة المتبادلة بين افراده. مشكلة الشباب اليوم وخاصة تلك الفئة الناشطة في الكتابة الالكترونية تتلخص بعدم قدرتهم علي تأسيس ارضية للعمل المشترك السياسي والاجتماعي خاصة اذا كان هذا العمل لا ينطلق من منطلق العقلانية السعودية الجديدة.
شبابنا يشكون من انعدام الثقة بين اعضائه كذلك هو فاقد للمؤسسات المستقلة التي تمكنه من العمل الجماعي العلني. عطل النظام السعودي المؤسسات القديمة كمنابر المساجد وحولها الي آلة اعلامية اخري لدروس التبجيل والدعاء لولي الامر. كذلك حول التركيبة القبلية لهذا المجتمع الي قطيع من المتسولين الذين يستلمون مخصصات شهرية لجهودهم الجبارة في سبيل الاضحاك والتهريج والتسلية في مجالس هذا الامير او ذاك. اصبحت قبائل الجزيرة حاشية متنقلة تصطحب الي رحلات القنص بأنواعها المختلفة من صحاري افغانستـــــان سابقا مرورا بالمغرب والجزائر وانتهاء بالقنص بالبشري علـــي مرتفعات سويسرا وماربيا. هذه حال القبيلة في جزيرة العرب اليوم.
اما الاسلام وهو الثقافة الدينية الطاغية والأهم في هذا المجتمع فقد حوله النظام السعودي الي آلية مهمتها اسلمة الاستبداد عن طريق تفسيرات مرجعيتها ولي الامر وليس الكتاب والسنة مهمتها اتهام المجتمع في عقيدته وادانة ممارساته وتبرئة النظام وتزكية رموزه وتؤمن بالمسك والمسواك اكثر من ايمانها بالدفاع عن الامة. عندما يتهمنا مثقفو العرب بالتخاذل الذي يعزونه دوما الي ما يسمي باسلامنا السعودي المتخلف وقبليتنا المستشرية وثقافة الغنيمة المهيمنة علي عقولنا وقلوبنا ونفطنا الذي يعتقدون ان جيوبنا فاضت به هم لا يقرأون التحولات الجذرية التي طرأت والتشويه المستمر و العقلاني المنظم الذي تقوم به آلة النظام السعودي السياسية والدينية والاعلامية والاقتصادية كلها تنتج مجتمعا ممسوخا ليس له من حيلة اليوم الا خيارات ثلاثة: ان يفجر نفسه كما تفعل خلايا القاعدة او يفجر شهواته او يعيش حالة كبت فكرية لا تجد وسيلة للتنفيس سوي الكي بورد خاصة تلك الاقلية التي انتشلت نفسها من آلة المسخ المستمر منذ اكثر من نصف قرن. لا تتوقعوا اذا انتفاضات قادمة لشباب الجزيرة الا اذا تعرض لهزة فكرية تعيد توازنه ورشده حتي يري نفسه من منظور آخر لا يعتمد علي منظومة شكوي العبيد للعبيد.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

