2006/07/17

السعودية وبئر النفط الفارغة

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 17-07-2006

العدوان الاسرائيلي المزدوج علي غزة ولبنان يفتح ملف النفط العربي وآباره المليئة ببراميل جاهزة للتصدير والمفرغة من المعني. اذ ان هذا النفط قد تحول الي نقمة بيد شرذمة حاكمة تشتري به الولاء والصمت المطبق من مجتمعات انبهرت بتقنية العصر ورفاهية التكنولوجيا التي استطاعت ان تحصل عليها دون جهد كبير بل بقوة شرائية مرتفعة وفرتها براميل نفط بسعر تجاوز السبعين دولارا.
اكثر من أي وقت مضي يبدو النظام السعودي مشلولا فاقدا لارادته تحت ظل مجموعة هرمة تجاوزها الزمن. في الماضي استهلك النظام السعودي منظومة الدفاع عن الاسلام والمسلمين بحكم كونه النظام المحتل للأراضي المقدسة، واليوم يعرض نفسه علي انه صقر العروبة المدنسة في غزة ولبنان علي خلفية الشعار الفارغ نجده مكبل اليدين يجلس علي آبار نفطه ساهيا عن المتغيرات التي طرأت علي الساحة العربية او متناسيا للخطوط العريضة التي بدأت معالمها تتضح علي خارطة المنطقة.
عندما يحزن النظام السعودي علي لبنان وشعبه ويطل علينا بمبادرات تصور وكأنها حلول سحرية فهو يحزن علي نفوذه وتسلطه علي بلد لم يملك يوما ما القدرة علي الدفاع عن نفسه علي مستوي النظام وانما استطاع ان يصمد ويقاوم الاحتلال والعدوان بقدرة القوي الوطنية التي ظلت المحور الرئيسي لصد العدوان علي ارضه وتحريرها من اسرائيل وهجماتها الشرسة علي قراه ومرافقه الحيوية. لم تعتمد هذه القوي علي نفط النظام السعودي يوما ما بل كانت دوما تضرب من قبل اصحاب هذا النفط وأزلامهم علي الساحة اللبنانية. هؤلاء كانوا يفضلون ان يبايعوا المليك السعودي علي مبايعة من تصدي للعدوان الاسرائيلي علي الشعب اللبناني بكافة فئاته وطوائفه وتياراته السياسية. النفط السعودي استغل أحسن استغلال علي الساحة اللبنانية ليس لمقاومة العدوان وانما لضرب الثقافة العربية والاسلامية. حول نفط السعودية لبنان الي مرتع للملذات التي يصعب علي السعودي ان يروي عطشها في بلاد الاسلام علنا لذلك هي تهاجر الي لبنان عند كل موسم لتفجر طاقاتها المكبوتة وشذوذها المحرم داخليا. اسرائيل اليوم تفرض حصارا علي لبنان وعلي الهجرة الموسمية الصيفية التي بدأت تحط رحالها في البلد. الجميع يأسف لضرب الموسم السياحي اللبناني الذي يأتي بزير النفط المفرغ من كل مضمون الي شواطئ المتوسط هربا من التقييد علي الحريات في الحيز العام فقط رغم ان الجميع يعرف تماما كيف ان هذه الحريات تتفجر في الخفاء في الداخل السعودي.
وبينما اسرائيل تقوم بعدوانها الحالي علي لبنان متسلحة بأكثر ادوات القتل فتكا نراها ايضا تتسلح باجماع عام من قبل شعبها والذي لا يشكك حتي هذه اللحظة بمشروع التدمير الحالي والذي تقوم به الآلة العسكرية الاسرائيلية. يقف الاسرائيليون صفا واحدا خلف حكومتهم وجنرالاتها بينما الاصوات المتخاذلة علي الساحة اللبنانية ومن خلفها من آبار نفط فارغة تفضل ان تحمل حزب الله مسؤولية العدوان الاسرائيلي وتضع اللوم عليه وعلي صواريخه التي سقضي علي الموسم السياحي الحالي وستدمر مرافئ بيروت ومخارجها وبنيتها التحتية. سيهرب السعودي من بيروت وبحمدون وعاليه وبرمانا وربما سينتقل الي باريس ولندن سيحمل دولاراته التي حتي هذه اللحظة لم تشتر له سوي السمعة السيئة وينتقل الي منتجع سياحي آخر. سيلعن اسرائيل التي قوضت اجازته الصيفية ولكنه سيدين الضحية بدلا من الجلاد.
أما في غزة فالوضع يختلف تماما لم تكن غزة يوما ما منتجعا سياحيا ولا مزارا يحج اليه النفط السعودي في رحلات موسمية. حولت اسرائيل غزة الي مخيم كبير وبؤرة تفشي فيها الفقر ولكنها ظلت صامدة.
تتصدر السعودية اليوم ليس خدمة الاسلام والعرب كما عودتنا الدعاية السعودية خلال نصف قرن بل هي تتصدر النظام العربي المهزوم من محيطه الي خليجه.
افرغت القيادة السعودية النفط من كونه قوة اقتصادية باستطاعتها ان تتحول الي قوة سياسية. فرغم مدخول النفط المرتفع السنوي والتراكمي لم تنتقل القيادة بهذا النفط من كونه سلعة وثروة وطنية الي كونه سلاحا فعّالا لفرض الارادة الشعبية. مع الأسف خلال نصف قرن خدم النفط المصالح الضيقة للزمرة الحاكمة ومشاريعها الشخصية ومؤامراتها الكثيرة ولم يوفر أي بنية تحتية للاستقلال الاقتصادي والسياسي. بل علي العكس تحول البئر النفطي الي جسر يمد القوات الغازية بامدادات وفيرة تضمد مصالحه هو علي حساب الآخرين وحساب المصلحة العامة والتي من المفروض ان تتحقق خاصة بعد ان رفع النظام السعودي شعار الدفاع عن الاسلام والعرب.
فشل النفط السعودي فشلا ذريعا حتي في تأمين الأمن القومي الداخلي والخارجي. وما زال النظام السعودي دوما يبحث عن شاويش تارة يجده في باكستان وتارة يجده في اجهزة المخابرات الفرنسية والبريطانية والامريكية وتارة يبحث عنه في محيطه العربي. استطاع النفط ان يشتري للنظام السعودي طائرات فخمة مدنية وعسكرية تسخر الاولي في نقل الامراء خلال رحلاتهم الصيفية من عاصمة الي اخري اما الثانية أي العسكرية فهي للاستعراض العسكري فقط لا غير. يشتري النظام السعودي هذه الطائرات العسكرية بنهم قد يتساءل البعض عن جدواه في نظام يعرف الجميع مدي تخلفه في الميدان العسكري والذي ثبت منذ التسعينات وبالأخص خلال حرب الخليج. يشتري النظام السعودي السلاح من اجل اعادة توزيع دولارات النفط علي فئة صغيرة من الامراء. الصفقات التي تعقد في العواصم الاوروبية مع شركات الاسلحة وسيلة فعالة لتوزيع الدخل القومي بين زمرة من الامراء الذين يتهافتون علي هذه العقود. اليوم لا يعرف الشعب هل مسؤولية شراء هذه الاسلحة تقع علي اكتاف وزير الدفاع ولي العهد أم الملك أم حلقة اكبر من الامراء الصغار والكبار والذين يجدون فيها وسيلة عصرية مبتكرة للاستئثار بحصة من دولارات النفط. وصل الجميع الي نتيجة ثابتة ألا وهي ان هذه الصفقات هي من اكثر الوسائل فعالية لاعادة التوازن الي امراء العائلة الحاكمة خاصة بعد ان كثر فيهم التصدع والتشرذم تحت ضغط توزيع الكعكة الكبيرة والكل يعلم ان لا أمل في طائرات النظام ان توقف طلعات جوية لسلاح الجو الاسرائيلي علي مكة ذاتها فما بالكم بلبنان وغزة. عند أي خطر يتعرض له النظام سيلجأ هذا الاخير الي شاويش جديد يفرض نفسه علي الساحة تستطيع السعودية ان تجنده لحروبها القادمة دفاعا عن النظام واعلامه وليس دفاعا عن أي ارض عربية تستباح او فتاة تغتصب او أب يقتل.
يتقوقع النظام السعودي داخل بئر نفط فارغ ومهما ارتفعت الاسعار وازداد الطلب تحت ضغط الجبهات العربية المشتعلة في غزة ولبنان والعراق لن يحلم المواطن في الداخل السعودي ان يفتخر يوما بانجاز تاريخي ينتشل هذه المنطقة من هيمنة طائرات القتل الامريكية والاسرائيلية ولن يستطيع ان يسطر في ارشيفه كيف تم نقل بئر النفط من كونه قوة اقتصادية الي سلاح سياسي يحول الجزيرة العربية من موقعها الحالي كمنطقة تحت الهيمنة الخارجية الواضحة والصريحة الي منطقة مستقلة تفرض نفسها علي الخريطة العربية والعالمية. وبينما ايران ستظل تعتمد علي نفطها وتقنيتها وطاقتها الداخلية لفرض نفسها كمحور اقتصادي سياسي مستقل في منطقة الخليج سيظل النفط السعودي مشلولا تحت هيمنة الجيرونطقراطية السعودية الهرمة فلا يسخر هذا النفط إلاّ لشراء السلع الاستهلاكية والولاء وحبك المؤامرات ضد كل من يعترض علي مسيرة التطور الحضاري المزعوم وان علق احدهم الأمل علي جيل قادم من الزعامات السعودية الشابة الجديدة في انتشال البلد من حالة التقوقع في بئر النفط الفارغة فهو يعلل النفس بأحلام اليقظة اذ ان الجيل الجديـــد اثبت ان مهمته في الحياة هي افراغ البئر قبل فوات الاوان وبسرعة بهلوانية قبل فتح الفصل الجديد في الكتاب السعودي القادم والذي ربما ستكتب فصوله بحبر يختلف اختلافا تماما عمــا سبقه.
الصمت السعودي تجاه القضايا الساخنة التي تتفجر يوميا في غزة والعراق ولبنان ان دلّ علي شيء فهو يدل علي الوضع المزري التي وصلته القيادة السعودية والتي لم يبق لها سوي شعارات الاسلام والعروبة ومؤخرا مؤشر الأسهم والذي هو ايضا في طريقه الي التلاشي تحت ضغط الفساد المالي والاداري المستشري في طول البلاد وعرضها.
بعد هذا العرض يتضح لنا ان قيادات المقاومة الفلسطينية والوطنية في كل من لبنان وفلسطين تهدر وقتها عندما تسخر الوقت المتاح لها علي الفضائيات العربية لنداء النظام العربي المهزوم تحت ضغط شعب الله المختار . الانظمة والتي باستطاعتها ان تسخر قدراتها الاقتصادية في خدمة القضايا العربية وتصد العدوان قررت منذ زمن طويل ان تهاجر وتتقوقع في بئر نفط فارغة افرغته هي من قدرته علي انتشال المنطقة من الهيمنة الخارجية والاستباحة المستمرة لشعبها وبناتها وشيوخها وطاقتها. لن تخرج المنطقة من الجحيم الاسرائيلي إلا عندما تمتلئ البئر ليس بالنفط بل بالارادة ويفرغ من العمالة.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية