2006/06/30
عودة العنف الي السعودية
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 26-06-2006
مرة اخري تحولت شوارع العاصمة الرياض لساحة حرب بين عدد ضئيل من المسلحين وعدد اكبر من رجال الامن، حسب التصريحات الرسمية كانت المواجهة ناجحة اذ انها احبطت عملية ارهابية كبيرة كانت قد خططت لها هذه الخلية. وليس من المستغرب ان تنجح اجهزة النظام الامنية في القضاء علي خمسة او ستة مسلحين وتقتلهم، خاصة ان هذه الاجهزة تستفيد من خبرات عالية وتقنية عالية ترصد الوضع الامني علي مدار الساعة. من الطبيعي ان يخرج النظام بمروية النصر بعد كل مواجهة عنيفة فهو يوظف هذه المواجهات في حرب اعلامية لا يوجد علي ساحتها الا صوته هو. فنقل الحدث وتفاصيل المواجهات لا يزال حكرا علي وسائل الاعلام الرسمية والقنوات الفضائية السعودية اذ لا توجد اي جهة مستقلة تستطيع ان تلقي ضوءا آخر علي مراحل المواجهة وابطالها وضحاياها. هذا الاحتكار الرسمي يشكك في مصداقية الخبر وطريقة تفسيره.
واذا تجاوزنا معارك الشوارع هذه الي ما هو ابعد منها والمقصود هنا ظاهرة العنف ذاتها وتفشيها خلال السنوات الماضية رغم انتصارات النظام وقتله لرموز التيار الجهادي بدءا بالعيري وانتهاء بالمقرن والعوفي نجد ان الظاهرة تستمر رغم انعدام القيادة المعروفة او التي يتم الاعلان عنها من قبل تنظيم القاعدة او النظام السعودي.
دخلت السعودية مرحلة العنف العشوائي والذي يعتمد علي عدد قليل من حملة السلاح المنظمين في خلايا صغيرة ربما. هذه المرحلة هي نتاج طبيعي للمواجهة العنيفة المكشوفة بين النظام بآلته العسكرية والخلايا المرتبطة بالقاعدة ولو اسميا.
تجدد العنف بهذا الشكل يدل علي تعثر سياسة النظام السعودي علي عدة جبهات.
اولا: فشل الحل الامني والذي بطبيعته يستأصل ظاهرة العنف دون ان يقضي علي البيئة الحاضنة والمفرخة لها. النظام نفسه هو الحاضن الاول بحكم كونه نظاما شموليا يمارس العنف ضد الاشخاص لمجرد التعبير عن آرائهم. النظام السعودي لا يقمع التيار الذي يحمل السلاح فقط بل هو مستعد لان يقمع الاشخاص لمجرد التعبير عن وجهة نظرهم علي قناة الجزيرة مثلا كما حصل مؤخرا لاحد ابناء الشيخ ابن زعير عندما اعلن عن رأيه تجاه مقتل الزرقاوي.
هذا القمع المستمر هو جزء لا يتجزأ من مشكلة العنف وان وجدت معارضة عنيفة في نظام ما فهي مرآة للعنف المنظم والمستمر من قبل اجهزة استخباراتية وامنية مدربة علي استئصال كل من يبدي وجهة نظر اخري. هذه الاجهزة هي جزء من مشكلة العنف الحاصل علي الساحة السعودية اليوم. ناهيك عن انسداد اي قناة مشروعة للتعبير عن الغضب او التذمر او حتي التململ من سياسات النظام الداخلية والخارجية، يحرم النظام السعودي علي شعبه ان يغضب لاي امر كان او ان يعبر عن هذا الغضب بأي طريقة سلمية كالاعتصام او المظاهرة او حتي المقاطعة السلبية. لا تزال وسائل واساليب القرون الوسطي للتعبير عن الرأي هي المتبعة كأن يرسل احدهم برسالة او بيان لولي الامر، ومؤخرا حتي هذا الاسلوب اصبح من الممنوعات. بعد انسداد كل القنوات السلمية يلجأ الانسان الي العنف لان هذا الخيار يصبح الخيار الوحيد امامه.
ثانيا: فشل محاولات الحوار ومبادرات العفو والمكارم الملكية يعكس عدم ثقة المطلوبين بالنظام والقضاء التابع له. لا تزال المحاكمات في السعودية سرية ولا يزال القضاء معدوم الشفافية مما يؤدي الي تجاهل محاولات الحوار ومبادرات العفو من قبل الذين يقومون بأعمال العنف. انعدام الثقة بل الوصول الي القطيعة اصبح امرا واضحا يعرقل محاولات احتواء العنف المسلح من قبل النظام السعودي. ومما يلفت النظر ان النظام السعودي وتيار العنف يخوضان معركة مصير لذلك تحولت ردود الفعل الي مواجهات مقيتة. النظام هنا يحارب من اجل البقاء وبقاء سمعته الداخلية والعالمية كحام للحرمين والوجود الاجنبي الاقتصادي فهو لا يطيق اي عمل يخل بمرويته الرسمية. فاي نظام لا يستطيع ان يحتكر العمل المسلح واستعمال العنف هو نظام مفضوح داخليا وخارجيا لذلك تكون ردة فعل النظام بعد كل مواجهة مسلحة مع التيار الجهادي موضع افتخار وانجاز عظيم تستغله الآلة الاعلامية لتثبيت شرعية النظام المهزوزة تحت ضغط العنف المسلح.
ثالثا: تجدد العنف بشكله القبيح الحالي يدل علي فشل التوبة المتلفزة لرموز التيار الجهادي والتي ادت بدورها الي المزيد من العنف وليس القضاء عليه.. الاستغلال الاعلامي مرة اخري لمثل هذه التوبات لم يؤد الي تخاذل مريدي شيوخ الجهاد بل يبدو لي انه زاد من عنفهم وحقدهم علي رموز النظام السعودي ومدبري جلسات التوبة علي شاشات التلفزيون السعودي، وخاصة شيوخ الصحوة الذين تصدروا حلقات المدارسة والمناصحة العلني منها والمستور.
هذه النقطة الاخيرة تجعلنا نطرح معضلة خلو الساحة السياسية السعودية الداخلية من اي تيار علني باستطاعته احتضان عناصر العنف بطريقة سلمية. من الصعب علي النظام السعودي ان يكون الحاضن لهذه العناصر ولا بد لها ان تجد ملاذا ووعاء تنضوي داخله يحتويها ويرشدها ويبعدها عن العنف المسلح.
لم تجد التيارات المسلحة في اي من الحركات الاسلامية المسماة بالصحوية القدرة علي استيعابها خاصة بعد التحول الجوهري الذي حصل علي موقفها من النظام بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). لقد حصل استقطاب واضح لهذه التيارات المسيسة فتحولت من خطابها السابق الاصلاحي الشامل الي حروب جانبية مع شرائح اجتماعية اخري. فانصرف رموزها الي جبهات داخلية كقيادة المرأة للسيارة وتوظيف المرأة في محلات الملابس الداخلية وانتقاد هذا الوزير او ذاك وكلها قضايا هامشية قد تجاوزها الزمن. ترك هؤلاء القضايا المصيرية كالنفط والسياسة الداخلية والخارجية وموضوع الاصلاح السياسي الجوهري وليس السطحي المروج له من قبل النظام واعتبروه من اختصاص ولي الامر كما سبقهم من رموز السلفية التقليدية. تنشغل التيارات الاسلامية في الداخل السعودي بتخلف المجتمع وفساده الاخلاقي وقبليته وانحلاله الي ما هنالك من آفات يعتقد هؤلاء انها تتفشي في المجتمع. ومرة اخري يلزم هؤلاء انفسهم ان يتركوا السياسة للساسة ويصرفوا انتباههم الي المجتمع واصلاحه. ويبدو ان هؤلاء فقدوا كونهم منبرا يمكنه ترشيد العمل السياسي وتحولوا الي مصلحين اجتماعيين لم ينجحوا حتي في هذه المهمة. فالمتتبع لاحصاءات الجريمة وتفشي المخدرات وغيرهما من التصرفات الاجتماعية غير المقبولة لا بد له ان يستنتج ان جهودهم الاجتماعية هذه ربما ادت الي نتيجة عكسية. غياب المنبر السياسي وانعدام العمل الجماعي السياسي وتغييب الحركات الاسلامية لنفسها من خلال التواطؤ مع النظام او مهادنته أمور افرغت الساحة السعودية من الحيز الذي يمكن الشباب من التعبير عن غضبه وتململه بطرق سلمية. استطاع النظام السعودي بقوته الشرائية ان يستقطب جميع التيارات السياسية في الداخل حيث ما زالت هذه التيارات تعتبر ان ولي الامر معصوم خارج عن سياق المحاسبة والتاريخ وحتي الشريعة. تحولت الساحة السعودية الي ساحة مفرغة يعشش فيها الفراغ السياسي من جهة والعنف المسلح من جهة اخري. يدفع ثمن هذا الفراغ رجال الامن والمواطن العادي وهؤلاء الشباب الذين يقتلون علي ارضهم وعلي ايدي اخوانهم واقاربهم بينما يبقي النظام محصنا خلف اسوار قلاعه واجهزة تنصته وتكنولوجية الامن المتطورة. في هذه البيئة تحول العنف الي خيار وحيد لشرائح ترفض النظام وسياسته الداخلية والخارجية. لن يوقف النزيف السعودي الا امران:
اولا: علي النظام السعودي الاعتراف بفشله الذريع في استيعاب العنف المسلح والقبول بفتح قنوات مستقلة لجميع التيارات السياسية علي الساحة السعودية لتناقش مصير هذه البلاد وتطرح رؤيتها علي جمهورها بعيدا عن اروقة حواره العقيمة. المشكلة التي تواجهها السعودية هي مشكلة سياسية بالدرجة الاولي تتلخص هذه المشكلة بكون النظام ما يزال يرفض ان يتناقش ابناء هذه البلاد بموضوع مصيرهم السياسي واي نوع من انواع الحكم يصبون اليه. يطرح النظام نفسه وكأنه يمسك بزمام الأمور وجميع المبادرات والحلول ولكنه علي ارض الواقع لا يملك سوي ثروة نفطية يسخرها لحل مشاكله وشراء الولاء. وفي حربه علي الارهاب هو يعتمد اعتمادا كليا علي المؤسسات الدينية والصحوية وطيف كبير وعريض من الكتاب الذين يروجون لكل زلة من زلاته وكأنها نصر مبين وفتح عظيم.
ثانيا: علي الفعاليات السياسية المتواجدة علي الساحة السعودية وخاصة التيارات الاسلامية ان تحسم خيارها وتحدد موقفها من النظام السعودي دون مراوغة بل بصراحة واضحة لانها بذلك ستقف وقفة تاريخية ربما تنتشل البلاد والعباد من مزالق الارهاب والعنف.
يجب عليها ان تشخص المشكلة دون ان تجرم المجتمع وتحمله مسؤولية العنف لانها تعلم علم اليقين من هو المسؤول الاول والاخير عن تفشي هذه الظاهرة. مصداقية الحركات الاسلامية لا تنبع فقط من الغوغائية والهجوم علي الولايات المتحدة. ما أسهل ان يتهجم احدهم علي الولايات المتحدة اليوم فحتي الامريكي يستطيع ان يفعل ذلك. الحركات التي سجلت نفسها في ارشيف التاريخ هي تلك الحركات التي حسمت خيارها وانتشلت مجتمعاتها من مزالق السلطة المطلقة وافرازاتها القبيحة وليس فقط من تصدر المنابر ليشجب الاعتداء علي الامة من قبل المستعمر ومن ادان مجتمعه واعتبره ناقصا في اخلاقه وعقيدته ومساراته الشخصية والجماعية. الاصلاح الاجتماعي هو عملية تراكمية تنتج بطريقة تلقائية. اما الاصلاح السياسي الحقيقي هو قطيعة مع من يفرض نفسه وكأنه الحل بينما هو قلب المشكلة والسبب الاول والاخير في تبلورها. علي الحركات الاسلامية ان تحسم الخيار فهل هي مع المجتمع ام مع النظام؟
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي
- مقابلة الدكتورة مضاوي مع موقع buzberry
- نحو منظومة أمنية جديدة للخليج العربي
- الكويت والسعودية: قهوة صباحية على ‘محماس’ سعودي