2006/06/30

قبلة علي خدي هدي وصفعة علي خد نظام

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 19-06-2006

علي ضفاف الخليج العربي وبالتحديد في المنطقة الشرقية وقفت صبية علي منصة النظام السعودي تسلحت بابتسامة الطفولة وأهازيج السياسة، فردت كفيها واطلقت لسانها لتردد منظومة الولاء وتطرب مسامع الامراء القادمين الي المنطقة بحثا عن تجديد السمع والطاعة في منطقة ساخنة. غنت طفلتنا لحن النظام وانشودة التبجيل والاحترام. تمايلت علي انغام اوبريت السياسة بجسدها الطاهر النقي وشعرها الاسود الكثيف.
غنت صبيتنا للنظام السعودي علي مسرح المنطقة الشرقية امام جمهور القيادة والبطانة فكانت نشوة للأذان ومحركا للأحاسيس والوجدان. لعبت هذه الصبية علي ابوة النظام اذ انها طفولة مؤنثة في عالم الرجال. وما ان انتهت من انشودتها قفزت من علي منصتها قفزات الطفلة اللعوب واتجهت صوب النظام سائرة علي خريطة طريق لتصل الي هدفها الجاثم علي عرس البلاد. ولما وصلت وقفت في مكانها والتقت العين بالعين. عند هذه اللحظة الحاسمة في تراجيدية الطفولة المنهوبة. طبعت صبيتنا قبلة علي خد النظام بشفتين رطبتين بلعاب نشيد الولاء مبلولتين بكلمات الاطراء. فبثت نفسا ساخنا علي وجنتي النظام ليدفء بيت السلطة ويبدد الصقيع بين الراعي والرعية. خرجت صبيتنا من مسرحية النظام ولم تعد. فللجسد تطوره الطبيعي والذي يحسم وجودها في عالم الرجال. هذا العالم قد اختارها الآن كقصيدة آنية ولكن ما ان تكبر وتنضج وتتفتح براعمها فستجد ان لها منصة اخري قد رتبتها واشرفت عليها قوي منظمة. رحلت صبيتنا بعد ان طبعت قبلة ساخنة علي خد النظام.
وفي نفس الوقت والزمان ولكن علي ضفاف البحر المتوسط سقطت هدي علي رمال غزة. صبية اخري وطفولة مسلوبة وجسد يتلوي ألما علي فقدان الأهل والخلان. احتضنت هدي اباها المقتول برصاص الاحتلال مدت كفين صغيرين الي الجسد الصامت وصرخت لوعة البنت المفجوعة بأول رجل في حياتها. سحبت جسدها علي خريطة طريق جديدة كانت اشارات المرور فيها اشلاء الاجساد المقطعة ودماء كثيفة لم تمتصها رمال شاطئ غزة. طفت دماء اهلها علي السطح وربما اختلطت بمياه المتوسط ولم يوقف تدفق هذه الدماء سوي حنجرتها التي يبست وخلت من كل لعاب سوي بصقة كبيرة لفظتها من شفتيها والصقتها علي خد نظام الذكور وليس الرجال. حركت هدي رأسها الصغير من اليمين الي اليسار تطايرت ضفائرها كحبال تخنق الرجال المصطفين علي كراسي النظام المستمتعين بنشيد نظيرتها في المنطقة الشرقية. ولولت ولولة المفجوع فرقصت اهازيج الجرح علي شفتيها لكنها لم تدفن رأسها في الرمال. ظلت منتصبة القامة في عالم الاقزام. ستبقي انفاسها المتقطعة والمرتجفة اعصارا سيجرف منصات النظام ورجالات العرب الاحياء الاموات. هدي تبكي.. ولكن من نبكي؟ هل نبكي البنت علي منصة النظام ام نبكي الرجال المرابطين علي موائد اللئام؟
هل ننوح علي رمال غزة أم نختبئ في مضارب بني عبس الكرام. هدي لا تبكي الأب المذبوح هي تبكي اختها التي ترقص رقصات النظام. هي لا تذرف الدمع علي نون النسوة بل علي سكون الرجال والحرف المجرور. هدي تنادي الطفلة الراقصة علي منصة الرجال من بحر المتوسط الي الخليج تصرخ في اذنها صرخة الصاحي في المخمور. لم تفقد هدي وعيها ولم تدخل في غيبوبة نظام. لم تكن بطلة مسرحية الولاء ولا ملكة في مملكة صمت وحياء. لم تكن سنية في كربلاء او شيعية في سامراء. كانت هدي تسير علي خطي فاطمة الزهراء. تناجي اختها في الاحساء تصرخ بحنجرتها اليابسة كفي هراء، حرقت هدي قصائد الاطراء ومزقت ستار المنصة الغراء.
قالت هدي لربيبتها في المنطقة الشرقية لا تكوني مطية لذلك الفحل المتستر بالجلباب. لا تقبلي بنكاح او متعة او مسيار. همست هدي عرسي وعرسك آت بعد ان تنجلي الغمامة وتستفيق الرجال. قالت هدي لصبية الشرقية زفي الشهيد علي منصة الشهداء وانشدي للأب المذبوح قصيدة انتقام. غطي وجوه النظام بشيلة سوداء وحلقي معي بطرحة عرس بيضاء.
بعد ان خرجت صبية الشرقية من مسرحية النظام لسعتها رياح الخماسين الآتية من فلسطين. ماذا تقول بنت الشرقية لاعصار هدي. تقول أتوا بي ودفنوني في الرمال كما فعل اجدادهم الابرار. لم يكن جبينهم يتصبب عرقا اذ ان لهم من الزيت ما يثلج الصدور وشحم الاجساد. كنت ارتجف بردا في قيظ الصحراء. كنت اقصد قصيدة رثاء لا اطراء كنت اصفي الزيت في المصفاة واقطف حنظل المنصة الجرداء. كنت ازرع الزعتر في مزهرية نظام وأعد حبات الزيتون في وجوه السادة الكرام.
قالت الشرقية لم اكن اقبل خدّ النظام بل كنت انهش بأسنان عظام. كنت ابث سموما في المكان علّ البطانة تستفيق من كابوس الزمان. كنت رجلا في جلسة نساء. لم اكن زنجيا يراقص طبلات النظام بل كنت بلالا ينادي للأذان.
فرحت هدي وانقطع العويل والبكاء ثم اجهشت الشرقية بالغناء. سقطت الحان النظام واحرقت اجساد الراقصين والراقصات. فتحت الشرقية باب الحسينية وخرج النائحون والنائحات في انتفاضة جديدة يندبون النظام.
بين مأتم غزة وعرس الشرقية وقفت هدي وصرخت لن يمر اولمرت من هنا. سنلم ونحرق اشارات المرور وسنوزع اشلاء الشهداء علي المرور سنرسم بدمائهم خريطة جديدة لبلاد لا يطلع فيها قرن الشيطان وسيغرق المارد في البركان. تعبث هدي من صمت قصائد المتوسط والخليج. كبر صداعها في رأس المتخاذل البليد. انتصب رأسها علي المخدة فصحت صحوة ليست كغفوة الصاحين. فتحت عينيها لتري سبات اهل الكهف النائمين. ايقظتهم هدي بعويل طفلة فقدت الأب والبنين. لم يبق لهدي سوي الذاكرة والحنين ورحمة رب العالمين. اليك يا هدي كل القصائد والقوافي واعلنيها براءة من العرب الخائنين. لا تجمعي اشلاء الجثث لأنها تبعثرت في كل مكان. ابحرت من المتوسط الي كل الخلجان. ستظل تراودهم مهما حاولوا النسيان. ستلحقهم مهما هربوا الي الصين والهند وكان. ستنام معهم علي وسادات الحرير وتقض مضاجعهم علي السرير.
طفلتي فقدت الرجل في عالم نسي الرجال. أنت الطفولة المؤنثة التي ستربي الاجيال. صبرا ابنتي علي غدر الزمان وتخاذل النظام الجبان. لك من كل امهات الشرق قبلة علي خدك الملآن.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية