2006/06/30

السعودية: بيت الحرية وإرث الإمام

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 05-06-2006

صدر مؤخرا آخر تقرير عن البرامج التعليمية الدينية في السعودية قام علي اعداده بيت الحرية بمساعدة المعهد السعودي في واشنطن. جاء العنوان ليعبر عن مضمون التقرير الذي اشار الي كون هذه المناهج ما زالت تعبر عن الكراهية والتحريض ضد الآخر المسلم وغيره رغم ادعاءات النظام السعودي التي تصر علي الاستجابة لرغبات الادارة الامريكية في تغيير المناهج الدينية منذ اكثر من سنتين. قامت هذه الدراسة الجديدة علي ترجمة وعرض شريحة منتقاة من دروس الدين والتوحيد بشكل خاص، بالاضافة الي شرح الحديث وغيره من العلوم الدينية.
واستنتجت ان المناهج ما زالت تردد التفسيرات السابقة والتي تم الاعتراض عليها هذا بالاضافة الي اعطاء امثلة علي مدي استطراد المناهج في شيطنة ليس فقط اليهود والنصاري بل حتي المسلمين الذين لا يشاطرون ائمة الدعوة النجدية تفسيراتهم. من المآخذ علي هذه المناهج كونها تتهجم علي الصهيونية والماسونية وتنمي فكرة المؤامرة اذ ان الكثير من مشاكل العالم ومآسيه يتم تفسيرها من حيث كونها مؤامرة صهيونية عالمية علي الاسلام والمسلمين بمساعدة القوي الصليبية.
من الواضح ان هدف التقرير وغيره من التقارير السابقة الصادرة عن مراكز الابحاث هو اسقاط إرث الإمام والذي تم علي اساسه انشاء دولة. التقرير هذا يهدف بشكل واضح الي الغاء الارث الوهابي والذي كان وما زال الارث المسؤول عن نشأة دولة تحمل اسم السعودية. الكل يعلم ان النظام السعودي لم يكن لينشأ ويتطور وينتشر لولا هذا الارث. ففضل دعوة الامام محمد بن عبد الوهاب علي العائلة السعودية والتي لم تكن تعرف في الجزيرة العربية مطلقا سوي انها تتكون من أمير حكم منطقة تسمي الدرعية كغيره من الأفراد الذين استوطنوا الواحات في وادي حنيفة لا يمكن ان يتجاهله أي مؤرخ، هذا الفضل والدين التاريخي هما المسؤولان عن نشوء الدولة والتي اخذت طابعا خاصا نتيجة الحلف التاريخي والزواج الكاثوليكي بين العلماء والامراء. فبالاضافة الي عدة زيجات بين بيت الامام وبيت الأمير كان هناك حلف مقدس تم علي اساسه تقسيم الدولة ومهامها بين الطائفتين. طائفة العلماء كان لها احتكار تفسير الدين والسيطرة علي الحيز الاجتماعي بشكل مطلق. مقابل هذه السيطرة علي الفكر والثقافة والممارسة الدينية والاجتماعية من قبل العلماء يأتي دور الامراء والذين هم ايضا لهم من الاحتكار نصيب. يتفرد هؤلاء بالشأن السياسي والاقتصادي والعسكري والعلاقات الخارجية، حلت هذه التركيبة الغريبة عن التاريخ والنسق المعروف في الاسلام محل نشوء دولة التوحيد المرجوة وان كان الهدف المعلن هو نشوء مثل هذه الدولة. ظلت المحاصصة بين الامراء والعلماء هي النهج المتبع فتصدر الامراء القرار السياسي واطلق لهم العنان في التصرف بالشؤون الاقتصادية والمال العام دون رقيب او محاسب. كذلك ترك العلماء لهم معضلة التعامل مع من اسموهم كفارا من بريطانيا مرورا بالولايات المتحدة دون اي احتجاج او تعليق. كذلك ترك العلماء لاولي الأمر امورا تتعلق بالولاء والبراء والجهاد والدفاع عن المقدسات والأرض كذلك لم يتدخل هؤلاء بشكل واضح في اي معاملات اقتصادية وبنوك ربوية. احترمت الاغلبية الساحقة من العلماء نظام المحاصصة الا اقلية لم تقبل بتحديد الادوار وكانت هناك بعض الحقبات التاريخية العصيبة التي اطل هؤلاء برأسهم ليذكروا القيادة انهم موجودون ويجب الأخذ بآرائهم ولكن في اكثر الأوقات اقتنع هؤلاء ان مهمتهم الرئيسية في الدولة الجديدة هي تأديب المسلمين تحت مظلة الدفاع عن التوحيد وحرب الشركيات. ومن اجل هذا الهدف فتح لهم المجال في السيطرة علي التربية الدينية والتي يعتقدون انها تمثل بمناهجها السابقة والحالية نهج أهل السنة والجماعة. ودون الاشارة الي موقف علماء السنة في القاهرة ودمشق وبغداد وغيرها من عواصم المسلمين لا يمكن لاحد ان يجزم ان ما تحتويه المناهج السعودية هو المنهج الاسلامي السني بل نستطيع ان نقول وبكل موضوعية ان هذه المناهج انما تمثل طيفا معينا من التفسيرات المرتبطة بتاريخ المنطقة التي نشأت فيها دعوة الامام والتي هي بدورها استمدت نصوصها من سلسلة من علماء السلف والذين لا يمثلون التعددية التي انطوت عليها واحتضنتها الحضارة الاسلامية خلال اربعة عشــــر قرنا.
مقابل الهيمنة علي المناهج التعليمية والفكر الديني قرر العلماء ان يبايعوا عائلة وذريتها متجاوزين بذلك مواقف اسلامية اخري. فاستتبت بذلك هيمنة الامراء علي السياسة وهيمنة العلماء علي المجتمع. فان تساءل احدهم عن موضوع حصار المرأة ومنعها من قيادة السيارة فسيجد ان الجواب يكمن في كون ان هذا الامر من اختصاص العلماء حسب قانون المحاصصة المتبع. فقيادة الامراء لا تجرؤ علي تجاوز العلماء خاصة اليوم لان هذا التجاوز سيفتح المجال لتجاوزات في الاتجاه الآخر. اي من قبل العلماء والذين قد يتشجع بعضهم ويتخطي الخط الأحمر خط السياسة والذي هو من حصة الامراء. هذه القاعدة هي المتبعة طيلة العقود الماضية فرغم محاولات النظام اصلاح التعليم وخاصة المنهج الديني الا ان الامراء بذلك يتجاوزون بدورهم الخط الاحمر المرسوم والمتفق عليه. لذلك جاءت الاصلاحات المزعومة للمناهج الدينية ليس بالشكل الذي يتوقعه بيت الحرية او حتي بعض الامراء وخاصة ذلك الطيف الذي يروج لنفسه وكأنه أب للاصلاح والتغيير. تخبط النظام السعودي في الكثير من قراراته التي تعني بالشأن الاجتماعي يعكس مدي تخوف النظام من التجاوز علي صلاحيات العلماء فرغم ان الكثير من البنوك في السعودية تتعامل بالربي والذي يجب ان يحرم في دولة تزعم التوحيد مثلا نجد ان النظام لا يجرؤ علي تخطي الحدود الاجتماعية لان بذلك التخطي محاولة سافرة للتعدي علي حصة الشريك الآخر.
تعرضت شراكة العلماء والامراء والتي قامت عليها الدولة السعودية لعدة هزات في الماضي وحصلت بعض التجاوزات من كلا الطرفين لكن منذ احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) نجد ان المعادلة قد تغيرت خاصة عندما دخلت عناصر خارجية واقحمت نفسها في مسألة المحاصصة هذه. وما انتقادات الادارة الامريكية للمناهج الدينية المبنية علي ابحاث كبحث بيت الحرية هذا الا التمثيل الحقيقي لمدي تغير المعادلة. استطاع النظام السعودي ان يضلل العنصر الخارجي ويقنعه علي انه الساعد الايمن الذي يكبح جماح التطرف المتمثل بتعاليم الامام. ففي خطابه للعالم الخارجي يصور الامراء انفسهم انهم القادرون علي احتواء تطرف العلماء واتباعهم. من هذا المبدأ اتت تصريحات وزير الخارجية والسفير السعودي في واشنطن والتي اشادت بانجازات تغيير المناهج حسب ما نقله تقرير بيت الحرية صدق العالم الخارجي النظام السعودي او انه كان محتاجاً لان يصدق مثل هذه المزاعم حتي لا تتأثر مصالحه الاقتصادية فطالما ان النفط يضخ بكميات تلبي الطلب لم يهتم هذا العالم يما يدرسه الطالب في الداخل السعودي ولكن عندما عرف علماء الولايات المتحدة الخطر علي امنهم القومي وربطوا هذا الخطر بالمناهج التعليمية السعودية تغيرت المعادلة. دخلت مراكز الابحاث الامريكية كعين مراقبة تدين وتشجب حسب ما تراه مناسبا لفكرها ومنطلقاتها.
تقرير بيت الحرية يدين إرث الامام ولكنه لا يتعرض للمعادلة الصعبة. الولايات المتحدة تريد امراء بلا علماء. تعلم الولايات المتحدة ان مصالحها لا تخدمها في المنطقة اية شريحة اجتماعية كشريحة الامراء ولكنها تحسب نفسها في مركز تجاري تختار فيه ما يناسبها وتترك وراءها ما لا يعجبها. في الماضي قبلت الادارات الامريكية السابقة بالمغلف كله اي بالعلماء والامراء معا ولكنها اليوم تعتقد انها تستطيع ان تسقط ارث الشريحة الاولي وتحتفظ بالشريحة الثانية. لا تريد الولايات المتحدة ولا مراكز ابحاثها ما تسميه بالوهابية المتطرفة لكنها حتي هذه اللحظة متمسكة بشريحة الامراء حتي يتوفر البديل وتبقي علي أمل ان يستطيع هؤلاء او احد ابنائهم ان يعيد الأمن والاستقرار ويكبح جماح من تراوده نفسه بمنهج تعليمي يمجد الجهاد ويقدح باليهود والصهيونية ويدين الحملات الصليبية السابقة والحالية. لا يهم الولايات المتحدة ما تقوله المناهج السعودية عن المسلمين اذ ان هذا ليس من اولوياتها السياسية او حتي الدينية. لكن يهمها ان يتربي جيل سعودي جديد علي حب الولايات المتحدة واسرائيل تمهيدا لعلاقات وسلام مستقبلي قد يأتي او يتأخر.
صب جام الغضب علي المناهج التعليمية الدينية هو استراتيجية هروب من مواجهة المشكلة الحقيقية. هدف هذه الاستراتيجية تمييع الموقف وتحاشي الغوص في موضوع مستقبل السعودية والحقوق العامة والحريات والمشاركة السياسية الفعلية. وحتي يتوفر البديل للادارة الامريكية ستظل هذه الادارة ومراكز الابحاث الامريكية تردد اسطوانة بليدة قد مل الجميع من سماعها، سبق تقرير بيت الحرية هذا تقرير آخر عن وضع المرأة العربية ومنها السعودية. كل هذه التقارير محاولة للهروب من مواجهة صلب الموضوع والمعضلة التي لا تجرؤ واشنطن علي الاعتراف بها. شراكة العلماء والامراء هي قلب المشكلة ولن تحل قضية السعودية الا بسقوط الاثنين معا. سقوط العلماء سيكون نصرا لاسلام جديد لا يجرد الأمة من حق المشاركة السياسية ولا ينزع عنها قدرتها علي تقرير المصير سقوطهم يمثل سقوط الكهنوت الذي يعتاش علي سلطة سياسية كان شريكا في صنعها. عندها فقط يتعلم الطالب دروسا في العدالة الاجتماعية وحرية المعتقد والشوري الحقيقية. عندها فقط سيتعلم الطالب انه وغيره اصحاب حق ومسؤولية. لكن لا يعلم بيت الحرية ان الهيكلية السعودية الحالية لا وجود لها دون إرث الامام ولم يكن ليتسني لارث الامام ان يهيمن بهذا الشكل لولا الهيكلية السياسية المتسلحة ببراميل نفط. لا يعلم بيت الحرية ان ارث الامام كما فسره اللاحقون استطاع ان ينجز انجازا عظيما لصالح الامراء. استطاع هذا الإرث ان يخدر ويضلل شعبا كاملا متسترا بقدسية النص الديني. سيظل النظام السعودي متمسكا بارث الامام ولو بشكل سطحي لأنه يعلم علم اليقين ان لا وجود له بلا هذا الارث. ان زال هذا الارث زالت هوية النظام والنظام معاً.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية