2006/06/30

الانتخابات السعودية والضالة المنشودة

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 15-05-2006

يتساءل المرء عن جدوي الانتخابات في ظل الانظمة القمعية، خاصة عندما ينضم نظام كالنظام السعودي وهو القائم علي الاستفراد بالقرار وتزييف الشوري الحقيقية الي قائمة الانظمة الاستبدادية التي تروج لانتخابات محدودة معتبرة اياها خطوة حاسمة تقود البلاد والعباد الي عصر المشاركة السياسية. منذ عام 2005 نستطيع ان نجزم ان حمي الانتخابات قد تفشت في السعودية تحت مظلة استبدادية واضحة للعدو والصديق. فبعد انتخابات الغرف التجارية والبلدية والصحافة والاعلام جاء دور الانتخابات الطلابية وشيوخ القبائل ولن نستبعد ان تروج الآلة الاعلامية السعودية لمشروع انتخاب الملك في المستقبل وهو مشروع قد لمح له أحد الامراء في السابق.
اصبحت الانتخابات اليوم وسيلة من أجل تحقيق أهداف متعددة ليست المشاركة السياسية الفعلية منها وكذلك ليس تداول السلطة من ضمنها. اذن ما هو الهدف وراء مثل هذه الانتخابات والتي هي أشبه ما تكون بورق الجدران الذي يخفي وراءه التجاعيد والثقوب وشيخوخة الاعمدة؟ الانتخابات في ظل الانظمة القمعية هي جزء من سياسة السلطة، فهي اولا واخيرا محاولة لكسب شرعية جديدة في اوقات حرجة للغاية. لم يطرح النظام السعودي مشروع الانتخابات إلا بعد ان سقطت شرعيته التقليدية والتي بنيت علي محورين، المحور الاول تمثل في المنظومة الدينية اذ انه استمد شرعيته من منطلق هيمنته علي الاماكن المقدسة ومقولات تطبيق الاسلام والدفاع عن المسلمين. توالت الاحداث التي شككت في هذه الشرعية، فمقولة تطبيق الاسلام والحكم بما انزل الله سقطت في مذبحة التاريخ واحداثه المتسارعة منذ نهاية السبعينات بدءا بحركة جهيمان ومرورا بحرب الخليج الثانية وانتهاء بأحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر وما تبعها من عنف علي الساحة السعودية لم يحسم مصيره بعد ولا حتي تبعياته. فنظام لم يستطع ان يحمي جغرافيته إلا بمساعدة خارجية لا يستطيع ان يستمر في التشدق بمصداقية اسلامية. المحور الثاني للشرعية السعودية انطلق من الترويج لمقولات الانجاز الحضاري والتنمية، اذ اعتبر النظام نفسه مصدر النعمة والرخاء. استطاع النظام ان يضلل العالم وشعبه من خلال جداول الاحصاءات والتي هي مولعة بكمية التنمية وليس مضمونها. بني النظام الطرق والمدارس والمستشفيات واعتبر هذا البناء جزءا من شرعية تبني علي مفهوم الانجاز متناسيا ان التنمية الحقيقية ليست في الكمية بل في النوعية. وعندما علم الجميع ان حتي الكمية هذه هي رهينة الاقتصاد العالمي وتذبذباته بدأت شرعية التنمية تتلاشي تحت وطأة التغييرات الاقتصادية، خاصة في الثمانينات. ورغم ان النظام السعودي اليوم يحاول جاهدا استغلال الطفرة النفطية الحالية من اجل اعادة المصداقية لشرعية الانجاز إلا ان انهيار سوق الأسهم السعودي منذ بضعة اشهر اثبت انه مهما طار سهم وارتفع إلا كما طار وقع.
بانهيار ركيزتي الشرعية السعودية الاسلامية والتنموية نجد ان النظام وجد بالانتخابات الضالة المنشودة من اجل اعادة صياغة هذه الشرعية علي أسس بدأت المطالبة بها تأتي من خارج المملكة بالاضافة الي داخلها. تلجأ عادة الانظمة الاستبدادية الي الانتخاب من اجل تحقيق بعض المكاسب التي قد ينبهر بها قليلو القدرة علي التحليل، من هذه المكاسب:
اولا: صرف الانتباه عن امور سياسية معقدة وليست لها حلول جاهزة جاءت سلسلة الانتخابات السعودية في مرحلة تخبط القيادة علي أعلي مستوياتها، فرغم تولي الملك عبد الله العرش بطريقة سلسة إلا ان مشكلة القيادة لم تحل بعد فالسعودية لا تزال رهينة الملوك الخمسة، هذه المعادلة المعروفة للجميع وهي معادلة صعبة الحل لأسباب لا مجال لتفصيلها. أتت الانتخابات لتصرف النظر عن هذه المعضلة وتوجه الانتباه الي احداث تروق لعدسات الكاميرات الصحافية، فسحر صندوق الانتخاب في محيط مستبد له اصداء عالمية ومحلية تبعد الاهتمام عن الامور الحساسة وغير المحسومة بعد. يأمل النظام ان تبني شرعية جديدة قائمة علي التضليل وخداع الصندوق السحري خاصة بعد تصدع الشرعيات القديمة السابقة الذكر.
ثانيا: صندوق الانتخاب ما هو إلا محاولة يائسة لفك الحصار العالمي الذي تواجهه السعودية اليوم وخاصة رموز النظام. بعد احداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر اصبح النظام السعودي متهما ليس فقط من قبل الولايات المتحدة بل حتي من دول الجوار. صورة السعودية كمصدرة للارهاب قد تأصلت في المخيلة العالمية والعربية. خذ مثلا دول الخليج، فرغم ان هذه الدول قد لا تجرؤ علي مواجهة الاخ الأكبر مباشرة حيث ان الكل يتململ من هيمنته السياسية إلا ان معظم هذه الدول سلطت انتقادها علي الفكر الديني السعودي متجاوزة بذلك خطر المواجهة ان هي اشارت بالبنان الي تململها من السيطرة السياسية الواضحة. فكما استعملت الولايات المتحدة خطاب محاربة الفكر المولد للارهاب والمعتقد ان مصدره السعودية كذلك دول الخليج وبقية الدول العربية اذ ان الجميع ما زال غير قادر علي التصدي للهيمنة السعودية بشكل مباشر إما لسبب استراتيجي او اقتصادي بحت. آثر الجميع ان يصيغ تململه من الهيمنة السعودية بشن هجوم واضح وصريح علي ما يسمي بالفكر الديني السعودي وهي محاولة للتهرب من مخاطر المواجهة الصريحة والمفتوحة مع نظام اعتبره الكثير نظاما ثقيلا علي دول الجوار العربي والخليجي. عند هذه اللحظة أطل علينا صندوق الانتخاب في قفزات بهلوانية من اجل اختراق الحصار العدائي الذي احاط بالنظام السعودي منذ ان حطمت الطائرات ناطحات السحاب الامريكية. اعتقد النظام ان باستطاعة صندوق الاقتراع قلب المعادلة والتي ربطته ليس فقط بالارهاب بل بالتخلف والبدائية.
ثالثا: من اهداف اطلالة صندوق الانتخاب الاستجابة للضغط الخارجي وخاصة الامريكي الذي اعتبر النظام السعودي نظاما يحرج الادارة الامريكية خاصة بعد اعمال العنف في الولايات المتحدة نفسها. يعرف النظام السعودي ان سحر الانتخابات السعودية سيصل بسرعة فائقة الي دلاس وواشنطن ونيويورك وسيجعله أقل احراجا للادارة الامريكية المتهمة من قبل الامريكيين ذاتهم بالتعاون مع انظمة ديكتاتورية رجعية في المنطقة. جاء صندوق الانتخاب السعودي لينتشل الادارة الامريكية من مأزقها في بلادها وليس في بلادنا. اصبح صندوق الانتخاب خيارا استراتيجيا للأنظمة ذاتها وليس استجابة لمطالب شعبية بتوسيع المشاركة السياسية. وان وجدت مثل هذه المطالب الشعبية في الداخل فقد تم تجنيدها في خدمة المشروع الانتخابي المقنن من قبل النظام السعودي نفسه. فدخل الجميع وخاصة اولئك المطالبين بمثل هذه الانتخابات الشكلية في الصندوق ذاته واقفل عليهم الي اجل غير مسمي او الي مرحلة قادمة. دخولهم في الصندوق استراتيجية خطط لها النظام من اجل استيعاب هذه الاصوات وربما التخلص من صداها تحت سقفه هو.
رابعا: من اهداف صندوق الانتخابات استعراض عضلات النظام واظهار قدرته علي التحكم بالمسيرة السياسية وتحقيق النتائج المتوقعة. فنجاح مرشحين من اتجاه معين او وصول امرأة الي مجلس ما لا يأتي بطريقة عفوية وانما عن طريق سلسلة من الاحداث والمناقشات والمناورات التي يسيطر عليها النظام. تكريس النتيجة يؤكد دور السلطة كعامل رئيسي ومحرك جوهري في اللعبة السياسية وليس دور الناخب او المرشح. عندها تتضح الصورة للجميع ان ما تريده السلطة ما هو إلا تحصيل حاصل، وهذا بالفعل ما حصل في سلسلة الانتخابات السعودية التي جرت منذ عام 2005، وان كانت الاجواء السياسية تتطلب نتائج انتخابات معينة كفوز النساء مثلا نجد ان النظام مستعد لذلك من خلال التحكم المسبق بالنتائج الانتخابية، اما اذا كانت هذه الاجواء تدفع بالسلطة لضمان نجاح تيارات اسلامية مثلا فهي ايضا تستطيع ان تعلن عن حملات انتخابية تأتيها بالنتيجة المرجوة. اذن الانتخاب في ظل النظام الاستبدادي المفتقد لكل مظاهر ومؤسسات وقوانين العمل السياسي ما هو إلا استراتيجية سياسية يستغلها النظام لتحقيق اهدافه الخاصة به علي حساب المطالب الحقيقية بالاصلاح السياسي الفعلي وليس الشكلي. وان استغرب البعض من تبني النظام السعودي للانتخابات رغم انه نظام يستطيع ان يقمع جميع المطالبات السياسية ويسكت الاصوات المرتفعة حتي لو كانت خارج الحدود بهذه السرعة، فالمتتبع للحدث يعرف جيدا ان النظام مهما كان قمعيا واقصائيا إلا انه يظل يحتاج الي شرعية الشعار التي تضمن له تبني سلطته من قبل شرائح اجتماعية مختلفة هو بأمس الحاجة لها. ترويج شعار الانتخاب هو وسيلة لتوسيع الشرعية واستقطاب الاجماع علي مركزية السلطة في عملية الاصلاح السياسي. عندما تروج السلطة للعملية الانتخابية خاصة علي خلفية مستبدة نستطيع ان نجزم انها تنطلق من منطلق ضعف وليس قوة. النظام السعودي وصل الي مرحلة الضعف هذه نتيجة عوامل داخلية وخارجية فلجأ الي صندوق الاقتراع في محاولة يائسة لانتشال نفسه من بئر قد وقع بها بعد ان حفرتها يداه هو. ستستمر مهزلة الانتخابات السعودية وستتكرر كمسرحية معروفة الانتاج والتصميم ومحددة ادوار لاعبيها ولن نفاجأ اذا اعلنت القيادة انها سترشح نفسها للانتخاب في المستقبل فتفوز بعدها بنسبة 99% ملتحقة بذلك الطيف السابق والحالي من رجالات العرب.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية