2006/06/30

السعودية: الحجاج بين الدين والسياسة

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 16-01-2006

لا يقبل النظام السعودي اي انتقاد علي طريقة تعامله مع ضيوف الرحمن، فإن دهس الحجاج في دهاليز مكتظة او اشتعلت النيران في خيامهم او فتكت فيهم الاوبئة المعدية او تأخرت طائرات الخطوط الجوية السعودية في ايصالهم الي غايتهم في الوقت المعين او انهارت علي رؤوسهم المباني، يفسر هذا عادة علي انه قضاء وقدر يجب علي هؤلاء الحجاج ان يتقبلوه ويشكروا خالقهم علي ميتة قريبة من بيت الله الحرام خاصة خلال تأدية فرض من اهم الفروض الدينية.
وعلي خلفية الكوارث الصغيرة والكبيرة والتي ترافق موسم الحج تكتظ الصحف السعودية وشاشات التلفاز وتختنق المنابر الاعلامية من كثرة ترديد الشكر والثناء والامتنان لمن نصب نفسه حاميا للحرمين. هذه المسرحية السنوية تكررت هذا العام كالعادة رغم انهيار مبني غير مرخص له باستقبال الحجاج حسب المصادر الرسمية مما ادي الي مقتل عشرات الحجاج. جاءت بشكل عاجل الخطابات التي شرحت ظروف الانهيار اذ انه ارجع الي كون هذا المبني من مبانٍ يتجاوز عمرها الاربعين سنة. ومن المستغرب انهيار مبني كهذا خاصة اننا نعلم ان في العالم مباني يزيد عمرها علي المئات من السنين دون ان تتهاوي علي رؤوس اصحابها. مأساة عشرات بل ربما مئات الحجاج الذين زهقت ارواحهم بسبب انعدام الرقابة السعودية وتفشي الانتهازية بالاضافة الي الركض وراء الربح السريع الذي ادي الي استغلال هذا الموسم الديني بشكل مفضوح وقبيح من قبل الطامحين للثراء السريع ولو علي حساب ضيوف الرحمن ترجع الي هذه العوامل وليس الي عتق المبني المنهار.
يشترك النظام مع تلك الشريحة الاجتماعية المستغلة للحج في ترويج ما يسمي بالسياحة الدينية وهو مصطلح جديد بدأ يطل علينا خاصة بعد فشل مشاريع النظام السياحية الترفيهية والتي بدأها في منطقة عسير. من هذه المشاريع مشروع انخراط المتحف البريطاني في مهمة ترويج السياحة الاثرية وجلب السياح الاجانب الي السعودية من اجل تعريفهم بالاثار القديمة خاصة مدائن صالح وغيرها من المناطق ذات الاهمية السياحية.
لم يكتب لهذا المشروع النجاح المتوقع خاصة وانه تزامن مع احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) والتي استغلتها بعض المصادر الاعلامية لتصور السعودية وخاصة منطقة عسير وكأنها معقل الارهاب.
ورغم ان احد المسؤولين في المتحف البريطاني كان قد تصدر الرحلات الاولي الا انهم اضطروا للتخلي عن المشروع بعد مدة قصيرة. وحسب رأي احدي المشرفات علي مشروع السياحة السعودية في لندن لا تزال البلد وسكانها غير متهيئين للمشاريع السياحية حسب معايير الغرب، اذ ان معظم السياح تململ من القيود المفروضة عليهم ومن الخطاب الدعائي الذي روجه المرشد السياحي الذي اصطحب المجموعة الاولي من السياح.
بعد فشل مثل هذه المشروعات السياحية نجد النظام يلتفت الي اقدس الاماكن واطهرها ليحوله الي مشاريع تستغل من قبل الانتهازيين والذين تربوا علي اسلوبه في التعامل مع الفرص القليلة. وهو بذلك يكرس ممارسات عمرها من عمر الدولة السعودية.
هذه السنة لم يكن انهيار مبني الحجاج في مكة المكرمة الحادثة الوحيدة خلال هذا الموسم. جاءت عملية تفريق الحجاج اللبنانيين حسب مصادر اعلامية عربية ليلة السبت 6 كانون الثاني (يناير) بطريقة فجة قبيحة عندما بدأ هؤلاء يرددون شعارات تدين اسرائيل والولايات المتحدة لتسطر بالخط العريض ملامح سياسة النظام السعودي في بلاد الحرمين. يدين النظام هؤلاء الحجاج لانهم حسب رأيه يستغلون شعائر الاسلام لغايات سياسية بحتة كرفض مخططات الدولة الصهيونية والسياسة الامريكية. وهذا الخطاب السعودي ليس بالجديد اذ انه استعمله في السابق ضد الحجاج الايرانيين الذين كانوا دوما يهتفون شعارات ضد اسرائيل والولايات المتحدة. كانت المواجهة في السابق مع بعض هؤلاء تؤدي الي العنف والقمع.
فمع مظاهرة اللبنانيين السلمية يظهر لنا مدي تناقض النظام السعودي وازدواجيته فما هو حرام علي حجاج لبنان او الايرانيين من قبلهم حلال عليه، فهو الوحيد الذي يحق له استغلال موسم الحج لكسب بعض الاهداف السياسية البحتة خاصة عندما يحاول هذا النظام ان يبني شرعيته الدينية علي اكتاف الحجاج فيظهر نفسه وكأنه الام الحنون والاب الحامي والعين الساهرة علي راحة ضيوف الرحمن. مع الاسف هذا الخطاب الدعائي السياسي اولا واخيرا لم يصمد امام جثث الحجاج التي دهست في مبني مكة بعد انهياره بشكل قوي. وكيف يهتف الحجاج المسلمون بشعارات ضد اسرائيل بينما لا حرج في استغلال منابر مكة طيلة السنة للدعاء لولي الامر والاشادة بانجازاته. السياسة في مكة حرام لغيره وحلال له.
ولا يتوقف الامر عند هذا الحد بل نري النظام يلقي التهم علي يمينه ويساره ويسمي من استغل الموسم هذه السنة اذ انه يأخذ علي الجعفري مثلا انتهازيته واستغلاله لقضية الحجاج العراقيين الذين لم يصلوا هذه السنة بل ردوا الي ديارهم من قبل السلطات السعودية من اجل تغطية مآزقه المحلية وما اكثرها في عراق اليوم. ولكن يجب ان نعترف ان انتهازية الجعفري لا تختلف اختلافا جذريا عن انتهازية النظام السعودي تاريخيا او حتي في يومنا هذا. وان كان الجعفري وامثاله قد جاء الي العراق علي ظهر دبابة امريكية لا يجب ان ننسي ان النظام السعودي نمي وترعرع في احضان القوة العظمي بريطانيا في بداية القرن العشرين. وان كان الجعفري مدينا للقوات الامريكية الغازية التي أوصلته الي قلب المنطقة الخضراء من خلال انتخابات حمتها قوات الاحتلال فحامي الحرمين هو ايضا مدين للقوات الامريكية والتي اجلت سقوطه عام 1995 بعد ان محت قوات صدام دولة الكويت ووقفت علي مشارف حقول النفط. علي النظام السعودي ان لا يزايد علي الجعفري وحكومته اذ ان من كان بيته من زجاج عليه ان لا يرشق الاخرين بالاحجار.
وفي عصر يتسابق فيه الزعماء العرب وما يسمي بالنخب الحاكمة الي موالاة القوي العظمي وكسب رضاها مقابل كسب الوقت والبقاء علي الكراسي، لا يسعنا الا ان ننظر بروح الفكاهة والنكتة لمسرحية تراشق التهم بشكلها الحالي بين النظام العراقي ونظيره السعودي ونجد انفسنا مشاهدين لحالات متساوية في مدي انخراطها في مشروع واحد منطلق من نفس المصدر والمنطق.
يستغل النظام السعودي موسم الحج كما استغله غيره من الزعماء العرب والمسلمين ولكن النظام السعودي له خصوصيته الفذة. نراه دوما يحاول ان يزايد علي اسلام الاخرين فهو فقط بحكمته الحامي لهذه البقعة المباركة من ظهور ما يسميه هو وعلماؤه بالشرك المختلف الانواع والاشكال. خلال موسم هذه السنة تم القاء القبض علي عالم دين عراقي يحمل الجنسية الايرانية بعد ملاسنة وعراك مع احد اعضاء هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. جاء الاعتقال بعد ان اصر هذا العالم علي اقامة الصلاة علي التربة الحسينية ادت الي مشاجرة انتهت بالسجن. وبعد توسط القنصلية الايرانية يبدو ان الهيئة اطلقت سراح هذا العالم. هذه الممارسات يستغلها النظام ليبين ليس فقط للشارع المحلي المحتقن من انفتاح النظام والذي بدأت ملامحه تظهر بشكل جلي للشعب السعودي بل للعالم الاسلامي بأجمعه مدي التزامه بالتوحيد وحربه الدائمة علي الشرك ومظاهره ومدي صفاء عقيدته وممارساته هو. مرة اخري تظهر لنا الانتقائية والازدواجية السعودية. فبينما يتململ الشارع السعودي من تفشي الفساد الاخلاقي وانعدام الامن الاجتماعي وانتشار السحر والشعوذة في طول البلاد وعرضها، نجد الهيئة مشغولة بمراقبة عالم العراق الشيعي. نجحت هذه الهيئة خلال اكثر من سبعة عقود في ترويج نمط كاريكاتوري للاسلام ولم تستطع ان تقضي علي انحراف المجتمع وكذلك القضاء علي الممارسات التي توصف عادة بالشركية. ولكنها شوهت صورة الاسلام ورسالته من اجل ان تحافظ علي مظاهر الدين فقط والتي يعيش بها النظام السعودي شرعيته. لماذا لا تعترض هذه الهيئة علي الصور المعلقة في الشوارع والمدن والتي تظهر تسلسل ولاة الامر وتزخرف الارصفة وخلفية السيارات والمباني العامة.
نعرف بالطبع موقف الهيئة من مثل هذه الصور الوثنية والتي لم تسلم مكة نفسها من وجودها ولكنها تمر امام صور الملوك دون ان تسجل اي اعتراض ولو معنوي. عجبا لهذه الهيئة التي تحرم علي حاج شيعي الصلاة في موقع يختاره وبالطريقة التي تعود عليها ورسختها ثقافته المحلية بينما تحلل ان يتصبح المواطن في بلاد الحرمين ويتمسي ببورتريهات ولي الامر ذات الحجم الكبير. هذه البورتريهات تصطف علي الشوارع كالعين المراقبة لها نظرة حادة تختلط بالاكراه ولها بسمة صفراوية تتجاوز ابعادها تلك المرتبطة بالموناليزا في متحف اللوفر الفرنسي.
لقد تحولت المدن السعودية الي متاحف اثرية من كثرة ما اصطف علي جدرانها من صور قديمة وحديثة لولاة الامر. فقد تحولت المؤسسات والمرافق العامة والمباني والمطارات الي قاعات عرض لصور اشبه ما تكون بالاصنام التي تذكر المرء وتحفر في مخيلته صور الحاكم خوفا من ان ينتاب المحكوم نوع من فقدان الذاكرة يوما ما فينسي من هو الاب. اما آن لهذه الهيئة ان تنشغل بتنظيف بنيها اولا من انواع الشرك المزعوم قبل ان تنقض علي حجاج بيت الحرام؟ اليس لها من المشعوذين المحليين ما يشغلها عن التعرض للمسلمين القادمين من خلفيات ثقافية وحضارية قد تختلف بعض الشيء عن الثقافة المحلية؟ الا تعلم هذه الهيئة ان الاسلام انتشر وازدهر ليس بسيفها او سيف ولي امرها بل بقوة هذا الدين علي احتضان واستيعاب الاختلاف والتعددية الثقافية لمجتمعات وحدتها كلمة القرآن وفرقتها العادات والتقاليد.
فتأقلم الاسلام مع هذه الثقافات وتأقلمت معه ونتج عن ذلك حضارة ثرية واختلاف اثنت عليه السيرة النبوية. ومهما شهرت الهيئة من سيوف لن تستطيع ان تقضي علي هذه التعددية ولكنها فقط تقوم بأداء دورها في المزايدة علي اسلام الاخرين لتكسب بذلك مكاسب كان النظام قد بدأ بخسارتها امام جمهوره المحلي والذي يتطلب مثل هذه التصرفات المشينة. نتساءل لماذا لم تغر الهيئة علي الاسلام عندما دنس قرآنه في معتقلات الولايات المتحدة كما غارت عليه من التربة الحسينية ؟ لماذا لم تستشط بالغضب علي فن الاستهزاء باعلام الاسلام واولهم الرسول (صلي الله عليه وسلم) في بلدان اوروبية عن طريق الرسم والكاريكاتور ام انها لا تستقوي الا علي الضعيف ولا تتسلق الا الجدران القصيرة؟ لماذا لا تهتز مشاعرها من اعلانات الفضائيات الممولة من قبل النظام السعودي والتي تردد ليلا نهارا مواعيد برامجها الراقصة الساقطة وتصر علي ان هذه البرامج ستأتي للمشاهد العربي علي توقيت مكة المكرمة ؟.
قبل ان يبدأ المشروع الوطني العظيم الهادف الي الحوار مع الاخر يجب علي الهيئة ان تراجع برنامجها ولتتوقف عن صب جام غضبها علي الحاج المسلم والمواطن البسيط بينما تبقي علية القوم خارجة عن نطاق عملها واختصاصها. لتلتفت هذه الهيئة الي من فتك بالمجتمع وفك روابطه وابتلاه بجميع آفات العصر الحديث ولتصرف اهتمامها بأمور تتجاوز المزايدة علي المسلمين ودينهم وممارساتهم خدمة لولي الامر الذي ربط شرعيته منذ القدم بمقولة حرب الشرك والمشركين.
التوحيد ليس مسابقة تحت جناح هذا الامير او ذاك وكذلك هو ليس جائزة تفرق علي الفائزين. كذلك التوحيد ليس هرولة بثياب قصيرة وعصي طويلة محصنة بعسكر الامام. بل هو عقيدة ثابتة يشترك فيها اهل القبلة علي اختلاف طوائفهم ومذاهبهم رغم انف النظام والهيئة معا. لم يحصر التوحيد يوما ما بطريقة واحدة او وقفة خاصة في الصلاة كذلك لا يقيد التوحيد بالايدي المكتفة او المسدلة او بقبر يمسح ويسوي ترابه او بقبة تبني عليه. التوحيد ابعد من هذا بكثير.
استغلال موسم الحج سياسيا من قبل النظام له وجوه متعددة. وما عمل الهيئة الا احد هذه الوجوه. ضيوف الرحمن سيظلون ضيوف البيت العتيق ولن يستطيع النظام ان يخلط الاوراق ويعتبرهم ضيوفه هو. هؤلاء الحجاج يأتون علي حسابهم الخاص ويدفعون ما جنته ايديهم من اجل اكمال دينهم وتحقيق حلمهم واي خدمات يقدمها النظام السعودي لا تأتي بلا ثمن فهو وشريحة كبيرة من المستثمرين يحصدون الارباح الطائلة من خلال اجارات للعقارات التي يستأجرها الحجاج والخدمات التي يشترونها. واقل ما يقال في هذا الموضوع ان امن وسلامة الحجاج هو مسؤولية من يدعي خدمة بلاد الحرمين. ومن الواجب ان لا تسلط سيوف الهيئة علي هؤلاء او تقيد حريتهم الفكرية في سبيل ارضاء النظام السعودي ومن يقف خلفه. ان كان النظام قد تمرس في استعباد من ولدتهم امهاتهم أحراراً في الداخل السعودي وفرض نمط تعبدي واحد احد عليهم فهذا لا يبرر تعميم الاستعباد علي المسلمين في شرق الارض ومغاربها واستغلال موسم الحج لممارسة هذا النمط من العبودية.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية