2006/06/30
ماكيافيلية الأمير السعودي : حتمية تصفية أصدقاء الأمس
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 12-12-2005
عندما نشر كتاب الأمير للكاتب الايطالي المشهور نيكولو ماكيافيلي اعتقد مفكرو اوروبا انه حصل علي الهام خاص من الشيطان. جاء الكتاب علي شكل وصايا للأمير يستطيع من خلالها ممارسة السلطة بشكل يضمن ديمومتها. فالكتاب مزيج من الملاحظات والتعليقات التي اعتبرها البعض رمزاً للقوة المفضوحة التي يجب علي الأمير ممارستها دون مراوغة بل هي منطلقة من مبدأ النفعية التي تتطلب الدوس علي رقاب العباد من أجل التحكم بالرعية. علي اساس هذا الكتاب الصريح تتوج ماكيافيلي في منصب ناصح الأمراء الشيطاني.
من أهم نصائح ماكيافيلي المتعلقة بكيفية تعامل الأمير مع من اوصله الي الحكم وثبت دعائم سلطته تقضي بالتصفية الكاملة والقضاء علي الشرائح الاجتماعية التي علي اكتافها استطاع الأمير الوصول الي كرسي السلطة. فيقول ماكيافيلي ما معناه ان الأمير مضطر الي جرح الذين جعلوه القائد الجديد فهو يسلط عليهم بعض انصاره ليتخلص منهم ويفرض عليهم انواعاً مختلفة من الضغط المادي والمعنوي، كل هذا من باب تقليص دورهم في العهد الجديد. حتمية التخلص من اصدقاء الأمس تريح الأمير من شعوره بأنه مدان لهم اذ انهم وحدهم الذين ساعدوه علي تقلد الحكم. فهو لا يستطيع ان يكسب صداقتهم ولا يستطيع ان يكافئهم علي مساعدتهم بطريقة ترضيهم في الأمد الطويل رغم انه قد يستطيع ان يظهر بشكل سطحي قدرته علي امتصاص بعض طموحاتهم. ولكن بعد فترة قصيرة نراه يضطر لأن يكشر عن انيابه ويلجأ الي السيف في تعامله مع هؤلاء. فقط عندما يتخلص منهم يستطيع بعدها ان يستوي علي عرشه بعد ان حرر نفسه من ثقل الدين المترتب عليه تجاه اصدقائه ومساعديه القدامي.
نجد نصيحة القرن السادس عشر في نطاق سياسة اوروبا بشكل عام وجمهورية فلورنس الايطالية بشكل خاص قد تردد صداها في نطاق سياسة القرن العشرين ومن بعده القرن الواحد والعشرين. وهذا ليس من باب التشابه الثقافي او الحضاري بل من باب كون السياسة والسلطة المطلقة وممارستها لا تعرف الحدود الجغرافية او الخصوصية الثقافية. السلطة وممارستها تتعلقان بغريزة البقاء والقوة وليس بخصوصيات مزعومة.
ماكيافيلية الأمير السعودي تتجلي بوضوح عن طريق تطبيقه لمبدأ حتمية تصفية اولئك الذين اوصلوه الي السلطة. حصل هذا اول ما حصل عام 1927 عندما تم القضاء علي مجموعة قبلية عرفت بالاخوان او اخوان من طاع الله. حمل هؤلاء بيرق الجهاد في سبيل الله تحت راية ابن سعود. اعتقدوا انهم ينشرون الاسلام بينما هم في الواقع كانوا ينشرون الهيمنة السعودية علي مناطق لم يحلم حكام الرياض يوما ما في ضمها الي امارتهم الناشئة. وبعد استتباب السلطة للنظام السعودي وتقوية عصبه بامدادات بريطانية التفت هذا النظام الي من اوصله الي هذا الانجاز. عند تلك اللحظة الحاسمة شهر سيفه علي السيوف السابقة وخاصة من ابناء قبيلة عتيبة ومطير اللتين كان يدين لهما بضم الحجاز ومناطق شاسعة من نجد والقصيم. استعمل النظام شريحة اخري في حربه علي سيوفه السابقة اذ انه استطاع ان يجند علماء الرياض والذين هم اول من روض الشرائح القبلية للمشروع السعودي هذا في حربه علي القبائل الموالية له والتي برجالها استطاعت ان توصله الي السلطة. تصدر هؤلاء الفتوي والتي حصرها الملك حينها بعدد قليل منهم وخاصة من عرف بولائه المطلق للعرش واطلقوا العنان في محاولة تدنيس هذه المجموعة والتي عرفت بشراستها وعدم ليونة تصرفاتها فوصف هؤلاء بالبغاة الجهلة ونعتوا بالتطرف والخشونة وعدم فهم الرسالة بشكل واضح اذ ان فهم الرسالة كان محصورا بالولاء للسلطة السياسية وليس الولاء للدعوة والرسالة الدينية.
اصبح علماء الرياض الساعد الأول في حرب النظام علي اصدقاء الأمس فبعد ان تولي هؤلاء مهمة ارشاد القبائل انقلبوا عليهم وتنصلوا من فكرهم وتصرفاتهم بعد ان قاموا بمهمتهم علي احسن وجه. فتطرفهم في سبيل السلطة السياسية كان في البدء دفاعا عن العقيدة ولكن بعد استتباب الأمر لهذه السلطة بضمانات بريطانية حينها تحولوا الي بدو غلاظ جهلة بأمور الدين والدنيا. جاء هذا التحول كتكريس لمبدأ ماكيافيلي القاضي بتصفية من ساهم مساهمة جادة في ترسيخ دعائم الحكم حتي لا يصبح هذا الحكم مدانا لشريحة معينة. سقط اصدقاء الامس علي يد ارهاب السلطة بعد ان قام هؤلاء بعملية ارهاب للمجتمع لحساب العرش وبمساعدة علماء الرياض.
ولكن النظام نفسه وجد ان هذه المساعدة قد جعلته رهينة لمن استطاع ان يخلصه من اصدقاء الامس. برزت مجموعة علماء الدين كمجموعة لها فضل ودين يجب ان يدفع في المستقبل مقابل جهادهم الفكري وفتاواهم التي اخرجت هؤلاء الاصدقاء من حيز الاسلام في سبيل تقوية العرش. حاول النظام ان يقلص من نفوذهم عن طريق مأسستهم واستقطابهم فخلق مؤسسات دينية وهيئات شرعية ونصب عليهم مفتياً للحد من استقلاليتهم وحصر نتاجهم الفكري وفتاواهم فقتل بذلك التعددية الدينية والاستقلالية معا وحولهم الي موظفي دولة يعتاشون علي السلطة ويقتاتون من خزينتها. تحول هؤلاء الي سيف شرعي يلوح به في وجه كل من تراوده نفسه بالعصيان والخروج علي ولي الأمر فهم وحدهم القادرون علي اخراج الآخرين من الاسلام وخاصة الذين يعارضون ويعترضون علي سياسة السلطة. مقابل ذلك تمت عملية تدجين هؤلاء العلماء. ولكن مأسسة الدين في السعودية لم تكن لتأتي بثمار دائمة اذ ان لكل فعل ردة فعل. بعد عملية تقييد الخطاب الديني ومأسسته نجد ان هذا الخطاب ولد خطابا مضادا يتململ من عملية الحصر والتقييد. جاء الخطاب الآخر لينسف كل معايير الدين المؤسساتي وليسحب البساط من تحت اقدام المنظرين له والقائمين علي انتاجه وتهذيبه بشكل يتلاءم مع متطلبات السلطة والقوة. كانت ردة فعل السلطة عندها عنيفا اذ انها وجدت نفسها مضطرة الي العودة الي مبدأ ماكيافيلي مرة اخري لتضرب بسوطها من ساعدها علي تثبيت اقدامها خلال العقود الماضية. بعد عملية استهلاك علماء الدين في تصفية الاخوان في العشرينات نجد النظام اليوم مستعدا لتصفية هؤلاء انفسهم او علي الأقل التخلص من خطابهم الديني وفكرهم. هذه العملية تحتاج الي اصدقاء جدد وشرائح تطل علي الساحة بقوة لتقدر علي عملية التطهير الجديدة فعلي من تعتمد السلطة اليوم من أجل اتمام هذه العملية يا تري؟ تساهم عدة شرائح اجتماعية في مخاض السلطة الحالي علها تسهل ولادة المولود المطلوب والذي يكون باستطاعته انتشال السلطة من المخاض العسير. انخرطت الشرائح الجديدة من أجل ان تحصل علي مكاسب معروفة مستغلة قرار السلطة الحالية بتصفية اصدقاء الامس.
تتطلب الماكيافيلية اليوم انخراط العلماء الجدد والذين تم تجنيدهم في مشروع انتاج خطاب ديني جديد ينتشل السلطة من مأزقها ويضمن تصفية اصدقاء الأمس اعداء اليوم. تستغل السلطة تواصل هؤلاء مع مجموعات شبابية وقدرتهم علي انتاج خطاب ديني يجمع بين لغة الحداثة والتقليد. معظم هؤلاء هم من افرازات الجامعة الحديثة وليس حلقات العلم التقليدية التي كانت تدور حول عالم ما في مسجد ما. معظم هؤلاء من حملة الدكتوراة من اساتذة الجامعات وممكن اعتبار هؤلاء بدعة جديدة في الخارطة الفكرية المحلية اذ ان الدكتوراه في العلم الشرعي من الأمور الطارئة التي جاءت بها الحداثة والانخراط في المشروع التنموي ولو بشكل سطحي. تعتمد السلطة اليوم علي هؤلاء في حربها علي اصدقاء الأمس علها تستطيع تصفيتهم والقضاء عليهم بشكل نهائي وبذلك تتخلص من الدين الذي تراكم عليها خلال السنوات الماضية ولم تدفع استحقاقاته اليوم. هذه الدفعة الجديدة باستطاعتها ترسيخ مصطلحات حداثية تعتبر جيدة سياسيا مثلا استبدال مصطلح الكافر بمصطلح غير المسلم او الآخر ومصطلح البدعة بمصطلح الاختلاف الي ما هنالك من مفاهيم جديدة تقضي علي الثقافة القديمة وتستأصلها من جذورها وكل هذا في خدمة السلطة واستمراريتها اللتين تتطلبان اجتثاث الطاقم القديم وغرس طاقم جديد في اتمام المخطط الماكيافيلي للحكم.
الشريحة الاخري التي ستساعد السلطة او بالاحري قد بدأت بمساعدتها تتكون من شريحة اصطلح علي تسميتها بالليبرالية رغم ان مفهوم الليبرالية وممارسته يبعدان كل البعد عن هذه المجموعة لنسلم جدلا انها ليبرالية. هي اليوم تجند اقلامها في سبيل اجتثاث الحرس القديم ايضا وافكاره خاصة بعد ان سمحت لها السلطة عن طريق اعلامها الممتلك من قبلها بأن تخوض المعركة الماكيافيلية الحالية القائمة علي قدم وساق. استطاعت هذه الاقلام ان تنقض علي الحرس القديم بعد عقود من معاناة سلبية كانت قد خضعت لها وتعرضت لجوانبها القاتمة. هذه الشرائح وجدت اليوم فرصتها الذهبية لتأخذ بالثأر مما كان في الماضي يسلط سوطه عليها ويجرمها بل ويحث السلطة نفسها علي محاربتها. عادت هذه الشريحة الليبرالية بقوة عندما جندتها السلطة في حربها علي اصدقاء الامس. مهمتها الجديدة هي الطعن بهؤلاء الاصدقاء الذين ترغب السلطة بالتخلص منهم بأسرع وقت ممكن.
شريحة ثالثة غريبة بعض الشيء عن خارطة الاصدقاء تتمثل باستخدام الاقليات في الحرب الجديدة علي اصدقاء الامس. اليوم سمحت السلطة للأقلية الشيعية مثلا بأن تظهر رؤوسها فوق السطح وتعبر عن ذاتها ولو بطريقة محدودة ومقيدة بعض الشيء وتتغني بمصطلح الوطنية كوعاء حاضن للتعددية الطائفية وكمحاولة لخلق مصطلحات جديدة. وجدت السلطة في هذه الاقلية شرائح متمرسة بالتنظير ولها اقلام جريئة استمدت قوتها من تجربة كونها اقلية مهمشة تاريخياً ومتعرضة لانواع مختلفة من الاضطهاد في السابق. استطاعت هذه الاقلام ان تنمي قدراتها بعيدا عن السلطة من ضمن محاولاتها السابقة لاكتساب الاعتراف بوجودها وخطابها الديني. فبعد ان كان اصدقاء السلطة في السابق ينظرون ضد هذه الاقلية متمتعين بحماية السلطة اصبحوا اليوم يتعرضون لحرب عشوائية من قبل هذه الاقلية التي هي ايضا تحاول ان تسترجع بعض الكرامة والاعتراف بها مستغلين حاجة السلطة نفسها لتجنيد اكبر عدد من الشرائح الاجتماعية من أجل تصفية اصدقاء الامس وتقليم نفوذهم خاصة بعد ان قوي ساعدهم واصبحوا يشكلون خطرا واضحا علي استمرارية السلطة نفسها. ماكيافيلية النظام تتطلب هذه الاستراتيجية البراغماتية التي تجعل الغاية مبررة للوسيلة.
الشريحة الرابعة تتمثل بتجنيد النساء وهم اقلية رغم ان عددهم يساوي عدد الذكور بل قد يزيد عنه، ولكن من الممكن تصنيفهم كأقلية من حيث قدرتهن علي التمتع بالحقوق المتاحة للأكثرية الذكورية. اصبحت قضية المرأة والمطالبة بحقوق النساء من الاجندة المطروحة علي الساحة السعودية كخطوة اخري تهدف الي القضاء علي اصدقاء الامس والذين اكتسبوا شرعية ما من خلال احتكار الفقه والتفسير الديني الذي يتعلق بالمرأة. فبعد ان فقد اصدقاء الامس قدرتهم علي السيطرة او التأثير علي الحيز السياسي توجه اهتمامهم الي الحيز النسوي ليبدعوا في فتاواهم وتوجهاتهم الفكرية المتعلقة بالمرأة كتعويض عن تقلص نفوذهم في مجالات الحياة العامة كالاقتصاد والسياسة والدفاع وغيره من اماكن صناعة القرار.
اليوم يفسح النظام للمرأة حيزا محدودا ولكنه قادر علي التصدي لفكر الطاقم القديم والذي كان مهيمنا علي الساحة. السلطة تستعمل المرأة للتخلص من هذا الطاقم بل لتصفي تأثيره وربما للمرة الاخيرة. وكما هو حال الشرائح الليبرالية والشيعية وشريحة العلماء الجدد نجد ان للنساء حسابات قديمة ربما يرغبن اليوم بتصفيتها مع الطاقم القديم ذاته. المعركة اليوم تحتدم بشدة بين الطاقم القديم والشرائح المجندة من قبل النظام لتصفيته والخلاص منه.
تصرفات النظام الماكيافيلية يجب ان تقيم من قبل كل من انخرط في عملية التصفية هذه فالمبدأ هذا لا يعرف صداقة دائمة او عداوة دائمة وانما يعرف سلطة دائمة. فكما كان هناك ضحايا في السابق ربما أننا سنشهد في المرحلة القادمة سقوطا وارتفاعا قادمين. وربما يعرف الجميع ان ماكيافيلي ناصح السلطة الشيطاني لم يكن يغرد خارج سرب السلطة ذاتها.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

