2012/01/09
تشنج النظام السعودي
يبدو ان النظام السعودي قد اصيب بحالة تشنج شلت قدرته على تحديد عدوه الحقيقي فراح يسجن ويمنع من السفر ويعتقل النساء والرجال ويصوب الرصاص على المتظاهرين في محاولة بائسة لاحكام قبضته على المجتمع وتطبيع حالة ذعر وخوف كردع اي حراك سلمي ومطالبة بالحقوق وهو اليوم يضرب بيد من حديد يمينا ويسارا فسجونه لم تعد حكرا على شريحة معينة وفيها من السلفي والحقوقي والنساء المعتقلات ما يدل على اتساع عريضة القمع التي تطال الجميع باختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية والمذهبية وعند ابواب وزاراته تحتشد جموع البطالة بحق العمل تأتي من كل صوب لتضغط بشكل سلمي من اجل وظيفة يعجز النظام على توفيرها من معلمة الى خريج معهد صحي يفتقد هؤلاء الى ابسط الحقوق ولا يجد النظام حلا الا بالمزيد من الحصار على الناشطين في الداخل كان آخر فصولها منع محمد سعيد الطيب من السفر الى القاهرة لحضور زفاف ابنته وقبلها منع الشيخ سلمان العودة من الذهاب الى مصر وكلا الشخصيتين لم يعرف عنهما الا الولاء للنظام رغم بعض المطالب الاصلاحية تحت مظلة النظام ذاته.
يرد النظام علىاي حراك شعبي باصدار لوائح المطلوبين التي تحيك خيوطها وزارة الداخلية وفي مجملها تعكس آحادية الفكر السعودي الرسمي الذي قرر ان عدوه خارجي تسانده ايران لتثير الفتنة وتقوض الامن والامان ويستغل النظام التفكك المناطقي والطائفية وانعدام اللحمة الاجتماعية والاجماع على مطالب اصلاحية سياسية ليمرر سردياته في محاولة بائسة لاحتواء تداعيات الربيع العربي وتأجيل وصول رياحها الى السعودية.
وقد ظهر تخبط النظام وعشوائية اتهاماته بوضوح خاصة بعد ان ظهرت ملامح المرحلة الجديدة بتولي نايف بن عبدالعزيز ولاية العهد بالاضافة الى وزارة الداخلية فسقط قناع النظام المصلح الذي روج له مع فترة حكم الملك عبدالله منذ عام 2005. اليوم يجد المجتمع السعودي نفسه وجها لوجه مع قيادة مشحونة تحاول تصدير همومها الداخلية الى الخارج دون ان تتعاطى بجدية مع معطيات التغيير الجديدة على ارض الواقع والحراك الشعبي البسيط اذا ما قارناه مع الدول العربية الاخرى. فتحول النظام الى نظام غير قادر على تحديد عدوه الحقيقي ولم يبق له سوى تكرار شعارات فارغة تستجدي الشرعية الدينية ففي كل مناسبة وكل خطاب'يردد النظام انه الدولة السلفية التي تحكم بالشريعة وكأنها بذلك الاصرار تعكس تشكيك البعض في قربه من السلفية واهلها. وهو بذلك يتجاوز النقلة النوعية والتي تقيم الانظمة بانجازها ومدى قدرتها على توفير احتياجات مواطنيها واحترام حقوقهم بدلا من شعارات فارغة لا تنفع اليوم حتى للاستهلاك الاعلامي. فالشعار لم يعد يوفر الامن المطلوب للمجتمع بل تحول الى ذريعة يتم تحت جناحها انتهاك حقوق الانسان بالسجن التعسفي والمنع من السفر ويتجاوز ذلك في بعض مناطق المملكة الى اطلاق الرصاص على المتظاهرين وتحت شعار الدولة السلفية يجد الكثير من السلفيين انفسهم خلف قضبان النظام وربما يتقاسمون الزنزانات مع اضدادهم الذين لا يشاركونهم قناعاتهم السياسية تماما كما حدث للناشط علي الدميني عندما شاركه تجربة السجن من يقف على منصة فكرية تختلف عنه تماما وهذا ما وثقه في مذكراته التي نشرت منذ اعوام. وفي ذلك دخلت السعودية مرحلة اشبه ما تكون بتلك التي تطورت في مصر تحت نظام السادات ومبارك والتي عاشها الاكاديمي سعد الدين ابراهيم حيث في سجنه تعرف على طيف كبير من الاسلاميين. وان دلت تجربة هؤلاء على شيء فهي تدل على ان انظمة القمع تصاب بطيش مماثل رغم اختلاف تجاربها واساليبها الا انها تلجأ الى القمع العشوائي خاصة ساعة قرب احتضارها وتلاشي قدرتها على استيعاب الاستياء الشعبي والذي يأتي من كل صوب ومن كل الاطياف الفكرية والسياسية.
ويتوقع النظام السعودي ردودا نمطية من المجتمع فان هو سجن السلفي يستجدي من يقف على المنصة المقابلة ان يقتنع بانه ارهابي وان سجن الليبرالي يتوقع من السلفي ان يفرح بسجن تغريبي مفسد للاخلاق والفضيلة وان قتل شيعيا يفرح الآخر السني بجريمة تخلصه من الرافضي الصفوي ولكن هذه الصورة النمطية وان كان لها دعاتها ومروجوها بدأت تدريجيا بالتلاشي والتآكل وهذا ما يخيف النظام السعودي حيث نلاحظ تبلور خطاب جديد حقوقي يتجاوز تصنيفات النظام الفئوية الهدامة للوحدة الوطنية وان خلت الصحافة الرسمية من هذا الخطاب الجديد وظلت تردد فكر المؤامرة ومصطلحات الخلايا السرية الارهابية المرتبطة بالخارج الا ان الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي بدأت تحتضن اطروحات تبتعد عن مفاهيم قديمة هدفها تقسيم المجتمع وابتعاده عن الوحدة الحقيقية مما اضطر النظام'ودعاته لبث السموم القديمة في حنايا العوالم الافتراضية لاهميتها وقدرتها على تفكيك مصطلحات النظام وسردياته. فانتقلت المعركة بين الدعاية النظامية وردود الفعل الشعبية الى مساحات جديدة سيكون لها اثر كبير على تطوير وعي جديد يرفض التقسيمات القديمة ومصطلحاتها. ومن اهم مظاهر هذا الوعي الجديد بيان اصدرته مجموعة من الناشطين والحقوقيين على خلفية اعتقالات جدة واحداث القطيف ادانت بشكل واضح وصريح الانتهاكات المستمرة والقمع وربطت بين الحالتين بطريقة لم يكن النظام يتوقعها وربما تكون هذه البادرة سببا جوهريا في قضية محمد سعيد الطيب ومنعه من السفر حيث انه من الموقعين البارزين على هذا البيان.
وبينما نجد ان هذا الوعي يتشكل ويتطور رغم الصعوبات والعثرات يظل النظام يحاول جاهدا ان يصرف الحراك والحوار عن قضايا جوهرية ويزج به في امرين لا ثالث لهما. اولا الخطر الايراني وثانيا القضايا المتعلقة بالمرأة حيث يضمن بذلك تسطيح القضايا السياسية العالقة في الداخل. يبدو تصوير الخطر الايراني وتعظيمه دليلا على اهمية افتراضية العدو الخارجي الذي يؤجل فتح القضايا الداخلية وملفاتها دون ان يحسم المعركة لصالح النظام رغم كل الاصوات المتعالية وصفقات الاسلحة والطائرات فمزيد من التسلح وصرف الملايين عليه قد لا يكون الخيار الصائب لحظة بدء المعركة الحقيقية ذات العواقب غير المعلومة. اما قضية المرأة فهي القضية الاكثر سخونة وهي قادرة على تشتيت فكر الكثيرين المهووسين بها دون غيرها من القضايا حيث تسقط كل الملفات والقضايا وينشغل بها طيف يعارض وأخر يناصر حتى استهلكت جميع مصطلحات الادانة والشجب والرفض.
كان آخر هذه الفرقعات الحدث التاريخي الذي وصف كذلك وهو ما سمي 'تأنيث محلات بيع الملابس الداخلية النسائية' رغم معارضة المفتي لمثل هذا الاجراء والحدث الآخر وصف بانه خزي وعار التصق بمؤتمر للمثقفين في قاعة فندق من فنادق الرياض حين لمح احد الصحافيين المتواجدين شعر إمرأة!. عملية تسطيح الملفات السعودية الداخلية لا تخدم سوى محاولات الهاء المجتمع اما بعدو خارجي او قضية شعر أمرأة لا يخدم الا مصلحة النظام الطائش الذي يصدر طيشه الى المجتمع لصرفه عن المطالبة بحقوق سياسية عالقة.
لا يواجه النظام السعودية اشرس من عدو واحد وهو تجاهل استحقاقات سياسية واصلاحات حقيقية تنقل النظام الى مرحلة جديدة تتناغم مع طموحات الكثيرين. وكلما تجاهل النظام هذا الملف كلما حفر قبره بيده فالمملكة وشعبها لا يعيشون في عالم آخر منعزل عن محيطه العربي والعالم وطموحات المجتمع لا تختلف عن طموحات غيره في تحقيق الامن الحقيقي الذي يضمن الحريات المسلم بها والحقوق المعترف بها عالميا. ولا يمكن للنظام ان يستمر في ممارسة السلطة بمعزل عن المشاركة السياسية والمراقبة القضائية المستقلة وان لم يفتح ملف المعتقلين السياسيين ويتعاطى مع حقوقهم المسلوبة فسيظل هذا الملف ساخنا قد ينفجر اي لحظة مثله مثل ملف البطالة التي تهدر طاقات جيل جديد من الشباب والشابات وتنذر بآفات اجتماعية لن يسلم منها المجتمع لسنوات بعيدة. وبدلا من ان يدشن ولي العهد الجديد حكمه بمبادرة حسن النوايا نجده يتماهى في استمرارية الاساليب القديمة والتي لم تسلم منها حتى النساء في ظاهرة تنذر بمستقبل اسود ستقدم عليه السعودية نظاما وادارة. وان اقترنت بداية العهود السعودية سابقا بمكارم ملكية تؤدي الى الافراج عن الابرياء في السجون الا ان هذا قد انعدم اليوم بل ان السجناء يجدون انفسهم في الزنزانات حتى بعد مماتهم اذا اخذنا بعين الاعتبار مدة الاحكام بحق بعض المسنين تماما كما حصل لمجموعة اصلاحيي جدة. ان استجابة النظام السعودي لبعض هذه المطالب قد يعتبر من المستحيل حيث انه اثبت تشنجا وعدم تجاوب مع الاصلاح السياسي وطيشا ربما تحت تأثير الطفرة الحالية لكن هذه الاخيرة اثبتت عدم قدرتها على اخماد الاصوات الاصلاحية رغم بريقها ونأمل ان لا تهدر هذه الثروة ويبقى الطيش.
' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- May 2013
- April 2013
- March 2013
- February 2013
- January 2013
- December 2012
- November 2012
- October 2012
- September 2012
- July 2012
- June 2012
- March 2012
- February 2012
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- حروب اقليمية عالمية على الساحة السورية
- السعودية: المجتمع مشكلة والقيادة حل
- سلمان العودة: ثائر ام واعظ؟
- السعودية وكبش اليد العاملة الوافدة
- السعودية: خيارات الامم لا تسجن
- رجال الخليج الملثمون
- مأزق الطوباوية السعودية
- فلسطين: غابت أم غيبت في الثورات العربية؟
- السعودية: الاستبداد يقتل الأب
- السعودية: مخاض عسير
- شباب السعودية: الى أين؟
- السعودية: منطق ‘أحيا ويموت الوطن’
- السعودية: تهاوي منظومة الريع مقابل الولاء
- قفازات ملكية ناعمة ـ خشنة في الخليج
- رحلة العرب الكبرى: من الجهاد العسكري الى السلمي

