2006/06/30
السعودية: مقاتلو الفضائيات الجدد
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 07-11-2005
لا يستطيع احد ان ينكر ان الصفقة التي رتبها النظام السعودي مع معارضة التيار الصحوي قد بدأت تفرز ثمارها. فبعد عقد من المواجهة والسجن لأبرز رموز هذا التيار الاسلامي تبدل الحال خاصة بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وجد التيار الصحوي نفسه خارج السجن ولكنه كان من ابرز المتهمين في افراز العنف وتضليل الشباب فبينما شغل الكثير من رموزه بتبرئة انفسهم من هذه التهم حاول البعض لعب دور الوسيط بين الدولة ومن رفع السلاح ضدها. لسنا هنا في صدد تقييم هاتين المحاولتين ولكننا نستعرض الظاهرة الجديدة والتي تتبلور كل يوم علي شاشات الفضائيات المحلية والعربية والتي افرزتها حالة الكر والفر في التسعينات بين النظام والصحوة الاسلامية. هذه الظاهرة التي يصح تسميتها بظاهرة مقاتل الفضائيات.
هذا المقاتل هو شخصية جديدة قديمة في التسعينات كان مقاتلنا هذا يصب جام غضبه علي الولايات المتحدة والنظام المحلي المساند والمنفد لسياستها في الجزيرة العربية. كان يهدد ويتوعد في حلقات الدرس والوعظ والارشاد ويدين الدولة التي اصبحت في نظره مسرحا للقوات الغازية الاجنبية ومرتعا للمصالح الغربية. كان يحلم بنظام اسلامي يتجاوز مقولات تطبيق الشريعة الاسلامية والتي كان يري كيف ان تطبيقها لا يتجاوز الشكليات. كان هذا الصحوي يتخيل دولة اسلامية تطبق احكام الاسلام في مجال السياسة المحلية والاقتصاد والاجتماع والسياسة الخارجية والدفاعية. كتب الصحويون العرائض وقدموها لولاة الامر علهم يعقلون ويتراجعون عن سياسات براغماتية تتعارض مع ما يطمحون اليه. تسلحوا بجرأة اعتبرت شطحة من شطحات العمل المنظم في حينها وانكروا المنكر علنا، اذ انهم اعتبروا معاصي النظام من المعاصي العلنية التي يترتب عليها انكارا علنيا وليس من نوع الهمسات الخفية. دفع بعضهم الثمن وسجن الكثير. عندما خرج هؤلاء من السجن استقبلوا استقبال الابطال من قبل تيارهم وجمهورهم. ولكن منذ اكثر من ثلاث او اربع سنوات نلاحظ بشكل واضح جدا مدي التغير الذي استطاع هؤلاء ان يتبينوه بشكل تدريجي خفي وغير معلن. فبينما كانت توبة علماء الجهاد تحظي بالتلفزة والاهتمام الاعلامي نجد ان توبة الصحويون كانت تدريجية ومبرمجة. اهم ملامح هذه التوبة هي عدم انتقاد النظام ورموزه علي اي منبر، فالنظام الذي انتقده هؤلاء في بداية التسعينات اصبح اليوم في عداد الانظمة الرشيدة وولي الامر الذي كان في التسعينات في عداد من استهتر بالشريعة وتجاوزها هو اليوم الاب ونحن أسرته ، والسياسة الاجتماعية المفسدة للمجتمع في التسعينات اصبحت اليوم متماشية مع العصر ومتطلباته، والاقتصاد الربوي سابقا هو اليوم من ضروريات العولمة المفروضة ضمن شروط الانضمام الي مؤسسة التجارة العالمية. وان كان لهؤلاء مآخذ علي ما يعيشونه فالسبب هو تخلف المجتمع وتركيبته القبلية او حتي كيانه الكلي.
يراهن الصحويون علي برامجهم التعليمية وحلقاتهم الوعظية كي يصلوا الي الدولة الاسلامية التي يرجونها، ولكن هناك علامة استفهام كبيرة تطرح علي العلاقة بين المجتمع المنضبط اسلاميا وفرص اقامة الدولة الحلم. وربما يتساءل البعض عن فرص نجاح مشروع أسلمة المجتمع في بيئة سياسية بدأ يتضح انها تسير وفق مخطط معروف الملامح بدأ يضيق علي مظاهر ومنابر وممارسة العمل الاسلامي. بعد تحول الصحوة من تيار معارض خارج السلطة الي تيار مندمج بها بل حتي مقيد من قبلها لم يبق لهذا التيار سوي منبر الفضائيات حيث تحولت شاشات التلفزيون الي ساحات وغي يرابط فيها هؤلاء لا ليبينوا للمشاهد الخطوط العريضة لسياستهم وبرنامجهم المستقبلي ان كان لهم برنامج، بل ليصبوا جام غضبهم علي الولايات المتحدة وسياستها في العالم العربي.
منذ فترة قصيرة ظهر علينا احد مقاتلي الفضائيات الجدد علي شاشة الجزيرة في برنامج معروف. جاء هذا المقاتل الي استديوهات الجزيرة في الدوحة متسلحا بحزام ناسف من الصور المثيرة التي تشمئز منها النفوس والمقالات العنيفة التي تهز طبلة الاذن ليستعرض جرائم الولايات المتحدة، وانتقل مقاتلنا هذا من اهرام الاجساد العارية في سجن ابوغريب الي اشلاء الاطفال المتناثرة، ومن ثم عرج علي الرقاب المربوطة بحبال تجرها المجندات اللاتي يمارسن التعذيب وكأنهن في مسرحية سادية او فيلم رعب من انتاج استوديوهات هوليوود. استعرض مقاتلنا الصحوي هذه السياسة الاستعمارية للولايات المتحدة وهيمنتها علي المنطقة، ونادي شباب الامة واستنهض حميتهم لمواجهة العدوان، واعتقد انه انتصر في معركته الاعلامية علي عربي بقي في استديوهات واشنطن كان يدافع باستحياء عن سياسة الولايات المتحدة ويبرر احتلالها للعراق ويبني احلاما مستقبلية قائمة كلها علي فرص نجاح التجربة العراقية. ألقم مقاتل الفضائيات الصحوي العربي الآخر حجرا كبيرا متسلحا بقواعد سيبويه ومتتترسا خلف سلسلة طويلة من الآيات والاحاديث. انتهت الحلقة وعاد المقاتل الي دياره فاستقبلته اقلام المعجبين بحفاوة واطراء خاصة بعد هذا الفتح الاعلامي المبين والنصر الساحق علي الاعداء والمتربصين. شعر هؤلاء براحة نفسية عميقة وسكينة روحية خاصة بعد ان تفاعلوا مع مقاتل الفضائيات هذا وكيف لا؟ وقد نطق باسم الامة وهزم اعدائها خاصة اولئك المغتربين المغرر بهم الذين باعوا اوطانهم وهاجروا الي ديار الكفر والرذيلة، بل اصبحوا ابواقا للمستعمر وجسرا تعبره الطائرات الامريكية المقاتلة ولسانا يترجم للمستعمر ويسهل استعمــــاره الجديد.
بعد حلقة عرض العضلات اللسانية والمعصمية ومشاهد التعذيب والتنكيل الجسدية بشرائح عربية (عراقية وفلسطينية) وصل مقاتل الفضائيات هذا الي دياره سالما فلم تعتقله الآلة القمعية، ولم تستجوبه عيون وآذان السلطة خاصة، وانه خرق القانون غير المكتوب والذي ينص علي تحفظات في خصوص مقابلات مع قناة الجزيرة. انتهت الغزوة ورفعت راية النصر.
بعد مشاهدتنا لهذه المسرحية الاعلامية لا يسعنا الا ان نسجل بعض الملاحظات علي ظاهرة مقاتلي الفضائيات الصحويين.
بعد ان مني هؤلاء بهزيمة واضحة للعيان في مشروع اصلاح دولتهم، وولي امرها نراهم اليوم يسلطون غضبهم علي الولايات المتحدة فلم يعد هذا التحول الاستراتيجي من الممنوعات في السعودية بل هو من المسموح به، ولم لا؟ ومثل هذا الزئير يمتص غضب الشعوب المقهورة المكسورة الارادة المبتلية بقيادة مشلولة تجاه السوط الامريكي المفروض عليها والمسلط علي رقبتها. لم ينطق مقاتلنا الصحوي بكلمة توضح للمشاهد مدي انخراط نظامه في المشروع التعذيبي الاستعماري الامريكي، ومدي استعداد دولته العتيدة للانجرار وراء هذا المشروع خاصة وان مثل هذا الاستعداد يضمن الجلوس باسترخاء علي كراسي الحكم الي اجل غير مسمي او بالاصح حتي اشعار بوشي آخر. لماذا لم يحدثنا مقاتل الفضائيات الصحوي هذا عن اجهزة المخابرات المحلية والتي لم تتوقف رحلاتها الي معتقلات غوانتانامو وغيرها اذ انها تختص بأساليب تعذيب محلية لن تستطيع المجندات الامريكيات ربما ان تنافسها في قدرتها علي انتزاع الحقائق؟ لماذا لم يحدثنا مقاتل الفضائيات عن خدمات الترجمة التي توفرها المصادر المحلية في مثل هذه الحالات خاصة وانها اعلم باللهجة المحلية والثقافة الخاصة بمساجين غوانتانامو؟ لماذا لم يحدثنا المقاتل الصحوي عن القواعد العسكرية المنتشرة في عرض البلاد وطولها؟ لماذا لم يحدثنا عن صفقات الاسلحة الجديدة مع الولايات المتحدة وبريطانيا والتي تستنزف الثروة الوطنية وتنعش اقتصاد الشركات المختصة في تطوير الات القتل والدمار؟ لماذا لم يحدثنا عن الانفتاح الاقتصادي الذي سيجلب الشركات العالمية لتبيعه صكوك تأمين علي حياته وسيارته وربما زوجته واطفاله؟ لماذا لا يحدثنا عن الانهيار القادم للاقتصاد الخاص الصغير واصحاب الشركات المتواضعة التي ستجرفهم التجارة العالمية او تبتلعهم كما ابتلعت غيرهم في مناطق اخري من العالم؟ لماذا لا يحدثنا مقاتل الفضائيات عن ينابيع النفط التي تستنزف يوميا من اجل تفادي ضائقة اقتصادية لا سمح الله قد يتعرض لها الاقتصاد الغربي او حتي الهندي او الصيني او الياباني؟ لماذا لا يحدثنا مقاتل الصحوة عن الانفتاح الاقتصادي ومن سيستفيد منه؟ هل يا تري سيكون المستفيد منه خريج كلية الشريعة المحلية والتي اثبتت انها لا تهيئة للعمل في شركة كهرباء او اتصالات او تأمين، بل تهيئة لغزوات فضائية مستقبلية تهيج السباب دون ان تبين لهم بوضوح جلي العلاقة بين المستعمر الذي يتصرف حسب ما تمليه عليه مصالحه الخاصة وبين القادة المحليين المنبطحين في سبيل استمرارية عروشهم. لا يدري مقاتل الفضائية هذا انه يقدم اكبر خدمة لحليف الاستعمار، هذا الحليف سيستغله هو اذ ان المقاتل الصحوي ورقة ضغط ليس اكثر ولا اقل يستعملها النظام ويلوح بها في وجه حليفه الامريكي. المقاتل هذا عينة من شريحة كبيرة يسمح لها بالزئير بين الحين والحين اولا لتفرغ ما في جعبتها، وثانيا لتظهر للعالم الخارجي كيف ان النظام هو الوحيد القادر علي كبح جماح هذا الزخم العاطفي المشحون، وثالثا لامتصاص غضب الجمهور المعطل فكريا والمشلول عمليا، ورابعا لكسب المزيد من ود الولايات المتحدة الطامحة لمثل عملية الكبح هذه. مقابل هذه الخدمات الجليلة التي يقدمها مقاتل الفضائيات نراه يكافأ من قبل الجمهور والنظام معا، ولن ندخل في تفاصيل المكافأة بل نذكر فقط بأن خدماته الجليلة هذه ما هي الا تنفيس مؤقت ومرحلي، فاحتقان العالم العربي اليوم وغضبه من سياسات خارجية لم يتم لها النجاح لولا مساعدة الايادي المحلية لا تبدده غزوة فضائية يقوم بها مقاتلون مرابطون عند ثغور استديوهات الجزيرة. رغم اهمية الاعلام المضلل او المنور ورغم ان السياسات تضعها آلة الاعلام في عصر العولمة لن ينقلب الوضع في المنطقة ولن تحصل الشعوب علي سيادتها بمجرد استفزاز مشاعر المشاهد العربي الذي بدأ يشعر بالغثيان من كثرة مشاهد القتل والدمار اللذين يتعرض لهما اخوته في كل مكان للولايات المتحدة مربط خيل فيه. نذكر مقاتلي الفضائيات انه عندما قرر نابليون غزو مصر جاء ومعه حفنة صغيرة من المترجمين من ابناء جلدتنا ولكن عندما قررت الولايات المتحدة غزونا تحت شعار تحريرنا من الاستبداد ودمقرطتنا جاءت ومعها قوافل من اهلنا لتحل في بلد كالعراق. اما عندما هيمنت علينا في بلد كالسعودية مطبقة الاستعمار غير المباشر فقد حلت علينا كضيف غال نستقبله في قصور ولاة امرنا ونفرش له السجاد الاحمر ونبرهن له اننا اكرم من حاتم الطائي. فقدنا كل سيادة بين الضيف والمضيف ولم يبق لنا سوي حيز الفضائيات وغزواتها المتكررة والمتبذلة. وقبل ان نحاسب الولايات المتحدة لانها تملك قيادة تعتبر نفسها مدافعة عن مصالح بلادها لماذا لا نحاسب حكامنا الذين ما زالوا يبنون السياسة الخارجية من منطق المصلحة الخاصة بهم وحدهم ومصالح ابناءهم واحفادهم من بعدهم متناسين مستقبل الملايين من الشباب الذي لن تتحقق احلامه بالسيادة والكرامة والعيش الرغيد طالما انه مهمش ومعطل حولته الانظمة الي مشاهد للحدث وليس صانعا له.
لقد اكتفينا غزوات فضائية وقد حان الاوان لخطاب اقل عاطفية وردحية ضد الهيمنة الخارجية والتي لم تكن لتحقق من الانجازات ضدنا ما حققت لولا اصحاب الكراسي والسمو والمعالي. عندما نري بأم أعيننا العلاقة الحميمة بين المحتل الغاشم وذلك المتربع علي خيراتنا يسخرها لخدمة مصلحته هو ومصلحة الخارج نكون بالفعل قد صحونا من غفوة طويلة تخللتها سلسلة من الكوابيس المزعجة.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي
- مقابلة الدكتورة مضاوي مع موقع buzberry
- نحو منظومة أمنية جديدة للخليج العربي
- الكويت والسعودية: قهوة صباحية على ‘محماس’ سعودي