2011/09/26
السعودية وجدل الخادمة المغربية
فتح التقارب السعودي ـ المغربي في اطار فعاليات مجلس التعاون الخليجي جدلا من نوع آخر يقترب من الاسفاف وينحدر الى مستوى التفاهة، حيث انه تزامن مع قرار لجنة استقدام اليد العاملة بفتح باب استقدام الخادمات المغربيات للعمل بالسعودية، خاصة بعد الضجة الاعلامية حول العاملات الاندونيسيات وغيرهن، ممن تعرضن للمعاملة السيئة في البيوت السعودية. وصور بعض الكتاب ردة فعل النساء السعوديات وكأنهن يمانعن مثل هذا الاستقدام للمغربيات خوفا وغيرة من منافسة قادمة، وتصدت كاتبات سعوديات لتبديد هذه الصورة واستشهدن بتجربتهن مع الخادمات المغربيات طيلة عشرين سنة حيث شهدن لهن بالامانة وحسن الخلق والتفاني في العمل والغيرة على حرمة المنزل. واضطرت احدى الكاتبات ان تذكر جمهورها ان النساء السعوديات يحتللن الموقع الثالث في الجمال العالمي وعندهن من الثقة بالنفس ما يحصنهن تجاه خطر النساء القادمات ولن يعارضن قدومهن للعمل في المنازل السعودية.
ما يثير الانتباه في مثل هذه المناظرات التافهة هو انحدار مستوى الجدل والحوار الى الحضيض، حيث كشف هذا الجدل النقاب عن مكبوتات المجتمع السعودي بنسائه ورجاله ونظرته الاستعلائية التي غذتها ثروة نفطية حولت المرأة الى سلعة تقاس معطياتها حسب دراسات موثقة عن معايير الجمال وتصنف على لائحة متصدرة المرتبة الثالثة، حسبما زعمت احدى الكاتبات.
جاء النفط ليحرر بعض النساء من العمل المنزلي، الذي كان من حصة المرأة ولا يزال في معظم دول العالم، الا ان المرأة السعودية وبفضل النفط فقدت قدرتها وسلطتها في المنزل اولا عندما استقدمت الخادمة ومن ثم فشلت في اختراق الاقتصاد حيث لا تزال مشاركتها من ادنى المستويات ولا تتجاوز 12%، وتظل المرأة السعودية تحتل ادنى مرتبة على لائحة الفجوة النسوية العالمية حسب معايير المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومع الاسف تحولت ثرثرة النساء عن الخادمات ومشاكلهن الى مادة صحافية دسمة تنشر على صفحات الجرائد المحلية مثبتة انحدار الفكر والتوجه وانحراف الاولويات الى مستوى الخدم والغيرة ومعايير الجمال. فمن جهة تصبح الخادمة المستقدمة مثارا لغيرة المرأة السعودية تهدد بها، خاصة ان نسبة العنوسة فاقت كل المعايير والاحصائيات لتظهر لنا صورة مجتمع دخل فعلا مرحلة ازمة زواج لاسباب اقتصادية بحتة واجتماعية صرفة. في ظل هذا الوضع المزري تتصدر المرأة السعودية الدفاع عن معطياتها الجمالية اولا وثقتها بنفسها ثانيا، حتى تعيد صياغة موقعها كسلعة مرغوبة في سوق كبير يضم بالاضافة الى المغربيات عددا كبيرا من الجنسيات العالمية المختلفة. فتضطر المرأة الى ان تذكر الجمهور باحصائيات الجمال المزعومة وتكرس موقعها كخيار ممتاز في مركز تجاري كبير حيث تتكدس البضاعة باسعار مختلفة وجودة متباينة.
ومع الاسف غاب عن هؤلاء الكتاب حراك المرأة المغربية ولم يتذكروا سوى حسن خلق الخادمة، فأين كتاب السعودية عن انجازات المرأة المغربية من مالكة الفاسي وفاطمة مرنيسي وسيدة ادريس ولطيفة جباري اللاتي تكللت كتاباتهن ونشاطهن السياسي والاجتماعي بصدور مدونة الاحوال الشخصية وتحسين وضعهن القانوني ومشاركتهن السياسية والاقتصادية. أين نساء السعودية من انخراط المرأة المغربية بحركة التحرر والاحزاب السياسية والحركة العمالية ومؤسسات المجتمع المدني وجمعيات محاربة الفقر والتهميش في عشوائيات الدار البيضاء وغيرها، وربما من حسن حظ المغربيات انهن لم يتحولن الى مرفهات يستقدمن الخادمات كنظيراتهن السعوديات حيث كسبت الاولى معركة استلاب الذات التي لا تزال المرأة السعودية تعاني منها. اثبتت المرأة المغربية بحراكها الطويل أنها مربية وعاملة ومثقفة ومهاجرة كادحة، لها الحق في اقتسام الوطن وتحديد مصيره ومصيرها ولم تكن يوما تقبل ان تحتل الدرجة الثانية والثالثة بناء على معايير جمال مزعومة.
وان كانت المرأة السعودية لا تعرف الا الخادمة المغربية تدافع عن خلقها وتفانيها في عملها فهذا من باب شهادة مغلوطة تنتقص من المرأة السعودية ولا تزيد من قدر المرأة المغربية، حيث لا تحتاج هذه الاخيرة مثل هذا الاطراء المحموم بعقدة المرأة السعودية، التي حتى هذه اللحظة لا تزال حبيسة معايير رجولية فرضت عليها ولم تتحرر منها بعد طالما انها لا تزال تتغنى بجمالها وعلى صفحات الجرائد المحلية وكأنها في مسلسل دعائي من انتاج شركات العلاقات العامة والاعلانات.
وان اجبرت المرأة المغربية مجتمعها على تغير القوانين المتعلقة بحقوقها فحتى هذه اللحظة لم تستطع المرأة السعودية ان تفرض حقها في ابسط الامور، وهي قيادة السيارة فهي وعاملتها المغربية مضطرتان ان تشتريا خدمات السائقين بينما تحلق المغربية في سماء وطنها لها حرية التنقل والعمل في مجالات لا تزال المرأة السعودية تحلم بها. وان قدمت المغربية خادمة الى السعودية فهي تأتي مضطرة تحت ضغط اقتصادها الذي لم يوفر لها العمل، اما في الدولة النفطية فنعزل النساء ونكرس هامشيتهن ونستقدم اليد العاملة الاجنبية من المنزل الى المدرسة مرورا بقطاعات الصحة والاقتصاد حتى خلقنا شريحة كبيرة متعلمة عاطلة عن العمل لا تجد التسلية الا في المراكز التجارية تحتسي القهوة وتستعرض جمالها وحجم حقيبة يدها والكحل الذي يطمس عينيها تخترقها غمامة من العطر يلفها بعد ان تتسلق بكعبها العالي درجات السمو والاستهلاك في دولة السوق المكتظة بالاجساد العاطلة والنفسيات المحطمة. تبحث بعينيها عن عريس الغفلة بينما تشتغل أناملها بطباعة الرسائل القصيرة علها تجد ما تصبو اليه وان كتبت فهي تكتب متغنية بجمالها والاحصائيات العلمية المزعومة لتدافع عن موقعها في سوق الجمال واسهمها في لوائح السلع.
لماذا شطحت المرأة المغربية وظلت نظيرتها السعودية تعاني من التهميش واستلاب الذات؟ منهم من قال انها الوهابية والاسلام ومنهم من قال انها القبلية وكلها سرديات فشلت في تفسير استمرارية التهميش، حيث ان الاسلام وحده ليس عاملا حاسما في تحديد استمرارية الوضع النسوي السعودي وهو عامل تشترك فيه مع ملايين من المسلمين الذين اثبتوا ان الاسلام اطار لانصاف المرأة وليس تهميشها، اما القبلية فهي ايضا قاصرة عن تفسير الاستمرارية هذه حيث ان معظم الدول العربية فيها من القبلية وبطريركيتها ما في السعودية. اذاً اين هو العامل الحاكم في وضع المرأة السعودية؟ نعتقد ان هناك عاملين مهمين اولهما الاقتصاد النفطي الذكوري الذي فشل في احتواء المرأة كعاملة. وثانيا سياسة دولة تعتبر المرأة والحجر عليها جزءا من شرعيتها الدينية.
تتمحور شرعية الدولة السعودية على مظاهر التدين وقشوره وان هي رفضت بروز المرأة كعامل اقتصادي فعال في المجتمع فهذا من منطلق تقيدها بشرعية تعتمد على التمويه وتظل المرأة رمزا مرئيا لهذا التمويه فان اختلت شرعيتها الدينية نراها تزيد الحجر على المرأة لتختفي من المساحات العامة، ولكنها مؤخرا وتحت ضغط دولي تبنت هذه الدولة ذاتها مشروع التحديث والتنوير فاستغلت المرأة هذه المرة لتبرز وجها حضاريا متقدما ينزع عن الدولة صفة التخلف. وبين النزعة الباحثة عن شرعية دينية والاخرى المتهافتة على حداثة مزعومة تحولت المرأة الى رمز تستغله الدولة في صراعها الطويل الباحث عن شرعية جديدة او قديمة، حسب تقلب المعطيات السياسية، لذلك تأخرت المرأة السعودية عن ركب النساء في العالم العربي وظلت رهينة شرعية الدولة وخططها السياسية. وان كان للمرأة السعودية حظ في تجاوز تفاهات احاديث الخدم والخادمات وخفايا واسرار مرتبات الجمال العالمية فعليها ان تبدأ بتنظيم نفسها في حركة نسوية تكون جزءا لا يتجزأ من حركة سياسية مستقلة تحرر الرجل قبل المرأة من السجن الكبير، وستجد في تراث المرأة المغربية نضالا طويلا تتعلم منه ابجديات الحراك السياسي والعمل الجماعي وليس فنون طبخ الطاجن بالبرقوق والسمك والخضار وتزيين الحلويات بالقرقاع تماما كما سال لعاب احد كتاب الصحف السعودية على سيرة استقدام الخادمات المغربيات.
مع الاسف انحدر الخطاب النسوي السعودي الى منزلقات كان اجدر به ان يتجنبها ويترفع عن الخوض بتفاصيلها، حيث كرس المرأة في موقف الشخصية المهزوزة، التي تحاول ان تتجاوز تحييدها وتهميشها مستنجدة بجمالها المزعوم وجاء دفاعها عن المرأة المغربية باهتا ينتقص من قيمة المرأة المغربية الكادحة التي لا تحتاج الى شهادة حسن سلوك من سيدة القصر المرفهة او سيدها الباحث دوما عن المرأة التي تشبع غرائز الجسد وليس رفيق درب ينهض بفكره ويوصله الى آفاق بعيدة. سقط الخطاب الصحافي السعودي بشقيه النسوي والذكوري على زند المرأة المغربية العاملة والتي فضحت تفاهات مجتمع الرفاهية الآنية الذي تربى على يد دولة الاستهلاك والهلاك.
' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- February 2012
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الربيع العربي: اسئلة الماضي… اجوبة المستقبل
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة

