2006/06/30
الشيطان والجنون مصطلحات السياسة بالعهد السعودي الجديد
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 24-10-2005
سألت الصحافية الامريكية باربرا والترز خادم الحرمين الشريفين سؤالا مهما عندما قالت: لماذا اصبحت السعودية مرتعا للقاعدة ولماذا استهدفت القاعدة هذا البلد. جاء الجواب السريع عندما رد الملك وقال: السبب هو الجنون والشيطان. لا اعتقد ان مثل هذا الجواب سيصدم المشاهد الامريكي، هذا المشاهد والذي تعود منذ عقود علي مقولات امبراطورية الشر في زمن الحرب الباردة ومقولات صراع الخير والشر في زمن الحرب علي الارهاب وكذلك ادعاءات الرئيس بوش بأنه يتلقي اتصالات من الله والعياذ بالله هذه المقولة التي نشرتها البي بي سي ونفتها الادارة الامريكية اصبحت من الامور الروتينية التي دخلت الخطاب السياسي، وقد بدأت تطرق باب اوروبا ولو علي استحياء اذ ان اوروبا لا تزال حساسة في امور الدين والدنيا والتي جاهدت علي فصلها خلال عقود من القتل والدمار والحروب كانت اوروبا مسرحا لها. فكابوس هذه الحروب ما يزال حيا في المخيلة الاوروبية والتي تحاول بعض الجهات جادة في التصدي للخطاب السياسي المتمسح بالدين او حتي المستمد من شرعية دينية.
ما يهمنا هنا هو مصطلح الجنون والشيطان والذي ذكره الملك كسبب رئيسي في تفسير ظاهرة القاعدة وهجومها علي السعودية.
لنأخذ الجنون اولا. من المعترف والمسلم به ان تشخيص حالات الجنون من اصعب الامور التي تواجه الاطباء النفسيين فرغم ان بعض الحالات الجنونية يكون لها سبب بيولوجي يظهر بسرعة للمختص بتشخيص المرض الا ان معظم ما يوصف بالجنون لا يخضع لتشخيص بيولوجي بسيط. لذلك توجد هناك مدرسة كاملة ارتبطت بمفهوم التحليل النفسي المعتمد علي الحوار ونبش خلايا الشخصية الماضية والتجارب الحاضرة من اجل التوصل الي سبب الاضطراب النفسي. فالجنون اذن والذي ارتبط بتاريخ البشرية وعقلانيتها، بل هو المرآة الاخري لهذه العقلانية من اكثر الموضوعات الحساسة والتي اختلف الاطباء علي تعريفها وعلاجها. لقد استعمل الجنون في كثير من المجتمعات البدائية والمعاصرة كسلاح يسلطه القوي علي الخصم ويتهمه به لينزع عنه اي نوع من العقلانية والانسانية. فعندما كانت المجتمعات تريد التخلص ممن يقلق عيشها ويفضحها، بل يعريها بتصرفات تعتبر غير مقبولة نجدها تتهم خصومها هؤلاء بالجنون لتبرر استئصالهم من المجتمع وعزلهم في اماكن اشبه ما تكون بالسجون وليس المصحات المخصصة للعلاج النفسي. في اوروبا مثلا كان السجن المأوي الاخير لمن تثبت عليه تهمة الجنون .
ولم يتطور مفهوم العلاج النفسي الا في الأمس القريب.
وبينما تخلصت اوروبا من هذا الماضي اللاانساني نجد ان مصحات الامراض النفسية السعودية لا تزال اقرب الي السجون منها الي المصحات. فالفضيحة الاخيرة لمستشفي شهار في الطائف، حيث يتم علاج المجانين والتي ثبت فيها كيفية المعاملة اللاانسانية التي يتلقاها المرضي عندما تمت تعريتهم جميعا استعدادا لحمام جماعي في بلد مخزونه الديني يحرم ظهور العورات علي الملأ ما هو الا الدليل القاطع علي كيفية تجريد الانسان من انسانيته في بلد كالسعودية. اذا سلمنا جدلا بمقولة الملك ان القاعدة ضرب من الجنون نتساءل لماذا يا تري لم يتوجه هؤلاء المجانين الي مصح شهار وغيره لتلقي العلاج اللازم لاخراجهم من محنتهم النفسية؟ هل قررت مجموعة صغيرة منهم تفجير نفسها كبديل لاقامة ممتعة في المصحات النفسية السعودية، حيث يعرون ويستعرضون امام الطاقم الصحي او بالاصح طاقم التعذيب النفسي والجسدي؟ هل فضل هؤلاء الهجرة والتخفي والتشرد في بقاع المعمورة علي جلسات كهربائية وهزات جسدية ليس في السجون، بل في المصحات السعودية؟ نتساءل لماذا استعرض الاعلام السعودي جلسات التوبة لمجموعة من العلماء والذين سموا بعلماء التكفير اذا كان هؤلاء مجانين حسب وصف الملك. لم نسمع في الماضي ولا الحاضر ولن نسمع في المستقبل بتوبة مجنون . اذا سلمنا جدلا ان هؤلاء البشر من المجانين يجب ان نعترف ان جنونهم يتمتع بدرجة عالية من التقنية والمعرفة وحتي القدرة علي التنظيم. مؤخرا اتحفنا بانجاز عظيم للآلة البوليسية السعودية والتي اعلنت انها اعتقلت وزير اعلام هذه المجموعة المجنونة والذي كان حسب الخطاب الاعلامي مسؤولا عن نشر اعداد من مجلة صوت الجهاد ونشرة معسكر البتار والكتابة تحت اسماء مستعارة في شبكة المعلومات العالمية. كل هذا والمجنون مطارد ومحاصر ومراقب من اكبر آلة عسكرية تجند لرصده اكثر التكنولوجيا تطورا وتقدما. لله درهم هؤلاء المجانين! ربما انهم ظاهرة جديدة لم يعرفها الطب النفسي منذ عصر اليونان. فهذه الحالات المجنونة ستفتح صفحات جديدة في مجلدات الطب ولن تقدر مجلدات ابن سينا ولا فرويد تحليلها وايجاد العلاج اللازم والوقائي. فلا حلقات درس ومناصحة ولا لقاح عاجلا يستطيع حل معضلة الجنون المعاصر لاعضاء القاعدة في جزيرة العرب. ثم ان كان هؤلاء مجانين لماذا اذن يحاكمون وتصدر المحاكم قرارات تدينهم. لماذا يقتلون امام الملأ ليكونوا عبرة لمن اعتبر او بالأصح لمن تراوده نفسه في جنون مستقبلي ومرض نفساني في مجتمع العقلاء والفلاسفة الذين يعيشون في المدينة الفاضلة. ألم تقر الاديان السماوية والاحكام والدساتير الوضعية بأن المجنون يعالج ولا يحاكم علي أعماله الجنونية؟ ألم يعلمنا الاسلام ان المجنون مرفوع عنه الحرج كالمريض والقاصر. اثبت الملك ان مجانين السعودية لهم خصوصية ربما كخصوصية البلد والذي تتغني به الآلة الحاكمة وتستعملها كدرع حصين ضد كل من طالب بتغيير او اصلاح. ان نصف اعداءنا بالجنون لعبة سياسية قديمة ولعثمة اعلامية فاشلة ولكن لا شك انها ستلقي اعجاب الجمهور الامريكي والذي تعود علي خطاب الجنون و المجانين .
ان التفتنا الي المصطلح الجديد (القديم طبعا) في الخطاب السعودي المرتبط بالعهد الجديد فسنرتطم بالشيطان ذاته الذي يصد الرعية عن طاعة ولي امرها ويوسوس في صدرها ويبث سمومه في عقولها حتي تصاب بالجنون وتفقد وعيها وقدرتها علي تقديم الولاء والسمع والطاعة المطلقة. هذا الشيطان يفعل فعله ويزين للمجانين ذاتهم مساوئ اعمالهم، بل انه يدفعهم الي انكار المنكر علنا والجهر به في منتديات الكترونية ونشرات اسبوعية وكتب مليئة بكلمات مقدسة منها قرآنية واخري مستمدة من احاديث نبوية، بعضهم يسترجع التراث المؤول وخاصة انجازات ائمة الدعوة النجدية في القرنين الماضيين. هذا الشيطان يوصلهم الي نتائج كثيرة وقناعات متفرقة منها تكفير الاشخاص والقائمين علي دفة الحكم ومنها تكفير انظمة قائمة دون الاشارة بالبنان الي رموز الحكم. يظهر لنا ان في المرحلة الراهنة ربما هناك تغيير في الاستراتيجية الشيطانية تصب في هذا الاتجاه. منذ زمن بعيد وهذا الشيطان يفعل فعله اذ ذكر عالم نجد في الدرر السنية وقال: اما بلاد نجد فقد بالغ الشيطان في كيدهم وجد كان في الماضي ينشر الاعتقادات الباطلة والمذاهب الضالة والعوائد الجائرة والطرائق الخاسرة اما اليوم نراه يتبني استراتيجية الثورة علي ولاة الامر بعد تكفيرهم. لقد اثبتت حوادث الماضي ومعطيات المرحلة الحالية ان حتي للشيطان في الجزيرة العربية خصوصية معينة.
ليس هنا المقام لاستعراض التراث الاسلامي وموقفه من الشيطان وعمله وموقف الانسان من اغوائه وكذلك الحكمة الالهية التي تتصدي له والسبب في وجوده. ما يهمنا من كل هذا هو الخطاب الملكي الذي يزج بالشيطان في المعارك السياسية بعد ان اقحم الجنون في نفس المعركة.
الجنون والشيطان مفتاحان لفتح علبة السياسة في السعودية لا يزال الخطاب السياسي في العهد الجديد يبرهن استمرارية الماضي والتشبث به. من أهم خصائص هذا الماضي الزج بالمقولات والمصطلحات الدينية في لعبة سياسية معروفة الاهداف هدفها الاول تكريس مفهوم طاعة ولي الامر فكل من خرج عليه هو في عداد المجانين الذين يوسوس لهم الشيطان.
هذا الخطاب المضلل يربط بين السياسة ومفهوم الدين، لاثبات عقلانية الانسان وخلوه من اصناف الجنون، واجب عليه ان يظهر هذا الولاء وينطق به بعد ان يتبناه في قلبه ويعلله في عقله. اذا كانت هذه هي الركيزة التي يقوم عليها الخطاب السياسي لن نستبعد في المستقبل ان يزداد عدد المجانين لان هؤلاء بالمفهوم السعودي يعطلون عقلهم وايمانهم بمجرد انصاتهم لصوت الشيطان والذي هو جاهد في دفعهم ليس فقط للاعتراض علي ولي الامر، بل انه وصل في تماديه حد تسويغ حمل السلاح ضده. لقد تناسي الملك اولئك الذين عادة ما يتهمون بالعمالة للخارج خاصة وان رفعوا اصواتهم ضد النظام من خارج السعودية فهم ايضا اداة بيد الشيطان لتكريس ظاهرة الجنون خارج الحدود. عند ذلك ستكتمل الصورة بشقيها اي جنون المحلي وجنون ما وراء البحار لتخلق قوي شريرة فتاكة تقوض الامن والسلام وتشعل الفتنة والدمار.
هذه الرؤية الابوكاليبتية التي تبرز بوضوح في مقولات الجنون والشيطان تعكس موقفا من العالم وكأنه مصدر الشر الذي يحاول الفتك باليوتوبيا السعودية الحالية. الرؤية ما هي الا صياغة علنية لنظرة النظام السعودي لنفسه وموقعه من الاعراب بين الامم. اصابت الثروة النفطية المفاجئة النظام السعودي بخلل فكري وشرخ عميق لم يستطع ان يتغلب عليه.
يري النظام نفسه دوما مستهدفا من الخارج فالكل يحسده علي ثروته والكل يطمع به وبنفطه والكل يتربص به ويتمني له الشر والكل يتآمر عليه ويهاجمه والكل يحبك له المؤامرات ليت النظام يقف وقفة تأمل ولو للحظة واحدة فقط ويستعرض مؤامراته هو علي الغير. يعتقد النظام وقد اقنع شريحة كبيرة في الداخل انه هو المستهدف من قبل اصدقائه واعدائه. فالولايات المتحدة صديقته وعدوته في نفس الوقت والعرب جيرانه يحبونه ويكرهونه يستطيع فقط شراء ولائهم ولا يكتسب هذا الولاء. وعندما تأتي المشاكل من الداخل فهي اما من صنع ابناء البلد المأجورين من قبل مخابرات عربية واجنبية او مجانين يفعل بهم الشيطان فعله. معروف عن الخطاب السياسي انه خطاب دعائي بحت هدفه الاول والاخير انتزاع القبول بنظرية ما او فكرة او سلسلة من الاجراءات او بشكله الآخر هو محاولة لتحريك الجماهير بعد اقناعها بتبني مشروع ما او خطوة قادمة. تقيم عادة مثل هذه الخطابات علي اساس قدرتها ان تصل الي الآخر دون ان تتدني الي مستوي الدعاية المفضوحة او التلفيق الصريح او حتي الكذب من النوع المفضوح. فان وصل الخطاب الي هدفه المرجو دون الانزلاق الي المستوي المتدني يعد انه خطاب هادف جيد اما اذا تدحرج الخطاب الي هذا المستوي فيبقي خطابا تافها ينساه الجمهور اذ انه يعد كفقاعة اعلامية كبيرة او بالونة تنتفخ ثم سرعان ما تتلاشي وتختفي. لذلك يعتمد السياسي المحنك علي الخطاب الموزون الذي يلعب علي المعاني وينتصر علي الخصوم ولكن في المقابلات الصحافية يصعب ذلك الا علي من انعم الله عليه بالفطنة والبديهة والحنكة والبلاغة وهي خصال اجمع علماء المسلمين علي اهميتها قبل ان ينظر لها علماء الدعاية وفن الكلام في الغرب واكتشفها العرب، بل اعتبروها من اهم العوامل التي تساعد في القيادة والريادة.
وها هي اليوم شركات علم الكلام الجديد تعرض خدماتها علي الرؤساء والوزراء تعلمهم فن الخطابة والفصاحة من اهم هــذه الشركات شركة ساتشي وساتشي والتي استهلكت خدماتها رئيســـــة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتشر. نستغرب كيف لم يستفــــد النظام السعودي من مثل هذه الخدمات وهو المولع بتقليد الغـــرب ـ مؤخرا اصبح لديه مؤسسة جديدة سماها مجلس الامن الوطني علي وزن Home Land Security الامريكي ربما تواجه مثل هذه الشركات صعوبات جسيمة في اصلاح الحالة السعودية الحالية ولكن لا بأس من المحاولة حتي لا تتردد مقولات المجانين والشيطان مرة اخري.
في عصور سابقة فصل علماء المسلمين حكم من لا سيف له كذلك فصل هؤلاء حكم من لا قلم له ولكن لم يشرعن احد منهم لحكم من لا سيف ولا قلم له. اليوم نحن في عصر يحكم فيه من وصفهم الشاعر بأنهم ملوك لهم جثث ضخام ولكنهم أرانب نيام.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي
- مقابلة الدكتورة مضاوي مع موقع buzberry
- نحو منظومة أمنية جديدة للخليج العربي
- الكويت والسعودية: قهوة صباحية على ‘محماس’ سعودي