2006/06/30
السعودية وموقف ناصر السنة وقاهر البدعة
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 30-09-2005
موقف وزير الخارجية السعودي من احتلال العراق وتقييمه للتدخل الامريكي العسكري بعد ثلاث سنوات من بدء المأزق العراقي وعتبه الخفيف علي واشنطن اذ ان هذه الاخيرة لم تحسب حسابه بحصة ولا مربض خيل علي شبر واحد من الانبار او حتي حيّ صغير من احياء بغداد يذكرنا بذلك الذي طلع من المولد بلا حمص .
بعد مرور اشهر علي ازمة العراق اتضحت الصورة لوزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل بشكل جلي ان العراق لم يعد تلك البقعة المستعدة لتضحي بأبنائها وعتادها في سبيل مشروعه هو. لم يجد الوزير سوي منظومة سابقة كان النظام السعودي قد استهلكها منذ زمن بعيد، وهي اعتباره لنفسه انه ناصر السنة وقاهر البدعة ليس في العراق فقط بل في جميع الدول العربية والاسلامية وكذلك في بلدان العالم الاخري. مقولة نصرة السنة هذه ربما تنطلي علي البعض من الموالين للنظام السعودي في الداخل المضللين بوسائله الاعلامية وخطابه الدعائي وصناديقه الخيرية المشبوهة والتي يتباهي فيها النظام وكأنها قنبلة دعائية يفجرها عند الحاجة.
ادعاءات النظام السعودي بنصرة السنة اسطورة كبيرة اذ ان هذا النظام اول من هدد السنة وقوض وحدة اهلها واثار الفتنة بين ابنائها. سلط النظام السعودي والذي يحتفل بعيده الوطني هذه الايام سوطه اول ما سلط علي ابناء السنة ليس في العراق بل في الجزيرة العربية ذاتها. كل عام وبالاخص هذه السنة في 23 ايلول (سبتمبر) يذكر النظام مواطنيه كيف تمت اكبر عملية اجرامية ضد اهل السنة في عسير والحجاز والاحساء وحايل ناهيك عن مناطق كثيرة من نجد وغيرها. يعتبر النظام ابناء هذه المناطق ممن ارتدوا عن الاسلام لذلك كانت حربه جائزة بل واجبة لتعيدهم الي الصراط المستقيم. وحصل هذا في نفس الوقت التي تمت فيه عملية تطهير المناطق الشرقية من بدع الرافضة وانحرافاتهم العقدية والسلوكية. ويحدثنا النظام ان كل هذه المعارك التوحيدية كانت بناء علي طلب ودعوة ابناء المناطق الذين ارسلوا خطاباتهم وتوسلاتهم الي المنقذ من الضلال ليخلصهم من شركهم وجهلهم. لا تستحي الآلة الاعلامية السعودية من بث سمومها ونشر ضلالها واساطيرها علي مجتمعها وكذلك لا تستحي من بث برامج تلفزيونية تمجد ملحمة التوحيد خاصة اذا كان المخرج والمنتج لمثل هذه البرامج من المبدعين الغربيين في فن السينما والانتاج.
اذا كان هذا هو النمط المتبع مع سنة الجزيرة فكيف هو يا تري موقف ناصر السنة هذا من سنة الدول العربية الاخري. نذكر جيدا موقف النظام السعودي من الحرب الاهلية اللبنانية في بدايتها وتحالفاته المشبوهة مع من عادي أهل السنة في بداية الحرب وكيف سلح هذا النظام المليشيات التي كانت تدك بيروت الغربية بالقنابل وتفتك بأبناء السنة في حي طريق الجديدة والبسطة وكورنيش المزرعة حيث كانت تتجمع قوي بيروت الوطنية المسلمة ومن ثم تغيرت المعادلة خاصة بعد ان خلق النظام السعودي من السنة من تدرب وتعلم فن الدفاع عن السنة في العاصمة السعودية وبعدها جاء مؤتمر الطائف ليمرر النظام السعودي اكبر صفقة لتثبيت هيمنته ليس فقط علي السنة في لبنان بل علي البلد كله، وتكرست للنظام السعودي سعودة لبنان أو علي الاقل سعودة السنة فيه وبعض الفئات الاخري والتي يحتاجها هذا النظام في لعبة التوازن.
دموع التماسيح والتي ذرفت في واشنطن علي سنة العراق لن تصدق اذ ان لسنة مصر واليمن والجزائر وليبيا والمغرب وغيرها من الدول العربية من القصص ما تمتليء به المجلدات والتي تحكي حكاية الاستقطاب والمؤامرة والمتاجرة التي مارسها النظام السعودي وما يزال يمارسها. حاول النظام من خلال بعض الشخصيات والتي نمت بحضنه ان يجد موقعا لقدمه في العراق بعد الاحتلال ولكنه راهن علي شخصية خاسرة ليس لها رصيد شعبي وان كان لها رصيد قبلي ها هو قد تلاشي بسبب مواقف مخجلة وتعامل مع الاحتلال الامريكي لا تقبله سنة العراق ولا العرب.
دموع النظام السعودي لن تغسل حقيقة مرة وهي دفاعه المستميت عن بشتون افغانستان وتخاذله تجاه سنة العراق. فبينما اعلن الجهاد في الحرب الاولي لم يلتزم هذا النظام الصمت تجاه الحرب الثانية بل تجاوز ذلك عندما اوعز لعلمائه ان يفتوا بولاية بريمر والجنرال فرانك والآن زلماي. اصبح هؤلاء ولاة امر كخادم الحرمين الشريفين تجب طاعتهم وان كسروا الظهور وسرقوا الاموال.
نسي النظام السعودي ان سنة العراق ليسوا كسنة العارض والوشم وسدير كذلك هم ليسوا كسنة ورد القرنفل والسيجار الذين رباهم النظام السعودي علي يديه وترعرعوا علي خيراته. سنة العراق جذورهم قديمة في هذا البلد وانجازاتهم الحضارية في مجالات مختلفة لا يمكن تعدادها. سنة العراق هم من وقف امام مشروع الهيمنة الجديدة والتي باركها النظام السعودي في بدايته ولكنه اليوم بعد ان اتضح له ان المشروع قد تجاوزه بل حتي لم يحسب له حساب في عملية توزيع الحصص القائمة علي قدم وساق ها هو يبكي ويندب حظه.
ليس من المستغرب ان يتزامن تصريح وزير الخارجية السعودي مع تقرير منظمة الازمات العالمية والذي ركز علي موضوع اضطهاد الشيعة في المملكة. وجاء بعدة نصائح طلب من النظام السعودي ان يأخذها بعين الاعتبار كاحترام الحرية الدينية والخصوصية المذهبية لابناء هذه الطائفة واشراكهم اكثر في المناصب الحكومية واجهزة الامن والتعليم وايقاف الفتاوي الجائرة بحقهم خوفا من تفاقم الوضع وفتح المجال لعواقب وخيمة. اذ ان التقرير هذا يعترف بأن الوضع في العراق والحرب الدائرة فيه قد اديا الي تفاقم الطائفية والحرب الدعائية ضد هذه المجموعة وكذلك اعترف التقرير ان استعراض العضلات من قبل شيعة العراق ستكون له عواقب علي الشيعة ليس فقط في السعودية بل في الخليج كله.
في هذا الوقت العصيب نجح الانتهازيون بمساعدة القوة الامريكية في تسييس الطائفية الدينية بل اتفق هؤلاء علي جعلها الهوية الرئيسية للفرد والمجموعة وتناسي الجميع اسلامهم والذي هو اعم واشمل من ان يحصر بطائفة. مع الاسف لم تكن هذه المرة الاولي التي تسيس بها المذهبية والطائفية ولن تكون المرة الاخيرة طالما اننا نواجه في العالم العربي مرحلة فشل الدولة القطرية في احتضان تعددية المجتمعات العربية العرقية والدينية والثقافية والحضارية والنظام السعودي كالنظام العراقي السابق تربع علي دولة قطرية فئوية لم تكن توزع الثروة والامكانيات المادية والمعنوية علي مبدأ المساواة بل كانت تعتبر الدولة كالغنيمة التي توزع حسب الولاء. هذه الدولة القطرية لا تعترف بمبدأ اقلية اواكثرية اذ انها دوما مستعدة ان تستقطب البعض وتستثني الآخر حتي يتم لها ما تريد من تقسيم المجتمع وضرب بعضه ببعض.
تباكي النظام السعودي علي سنة العراق ما هو الا تباكيا علي ما آلت اليه الحال. بعد ان اثبت النظام ان الجهاد ضد الامريكان حرام وبعد ان خصخص شباب السعودية موضوع الجهاد في العراق وتجاوزوا ولي الأمر عندما عبروا الحدود دون اذنه ودون بطاقات سفر مخفضة السعر تدعمها الحكومة السعودية نجد النظام السعودي محرجا ليس فقط في محيطه الداخلي وانما علي صعيد العالم العربي والاسلامي.
لقد نجحت ايران في خطف المبادرة والاضواء واصبحت تصول وتجول ورجالها لا يعرفون التباكي والوقوف علي الاطلال كل هذا دفاعا عن مصالحها الخاصة. استطاعت ايران ان تحقق هذا النجاح رغم الحرب الدامية التي خاضتها ضد العراق ورغم محاصرتها عالميا والتضييق عليها لسبب واحد. استطاعت ايران بقيادة رجالها ونسائها ان تصلح بين فارسيتها والاسلام الذي جاءها في وقت متأخر. نسجت ايران توافقا وتلاؤما بين هذين العاملين بعد الثورة عام 1979. فبعد ان تغني الشاه بفارسية ايران لم تقم له قائمة وانهار عرشه لانه تجاوز العامل الآخر الذي بلور الشخصية الايرانية كما بلورتها الفارسية. اما النظام السعودي فما زال يتغني بسعوديته يقيم لها الاحتفالات والمهرجانات والرقصات، والتي كان آخرها في بلدية نويي في ضواحي باريس حيث شغلت وزارة الخارجية عن طريق سفارتها في العاصمة الفرنسية برقصات العرضة. التغني بسعودية النظام والمجتمع جاء علي خلفية مقولات النظام والتي صدرت لهذا المجتمع ان هناك تصادما بين مفهوم العروبة والاسلام فاعتبر العلماء الاولي كفرا مستوردا يتحتم علي الاخر حربه وابادته واستئصاله من روح البشر وفكرهم. كفر النظام كل من نطق بالعروبة واعتبرها جزءا من هويته وتمادي في اضطهاده لمن دعا الي الجاهلية المزعومة. اما الاسلام الذي روجه النظام فكان اسلاما مشغولا في تكريس الولاء للسعودة القائمة علي قدم وساق.
لن تقوم قائمة لمجتمع الجزيرة طالما انه لم يبدأ عملية الصلح بين هويته العربية وليس السعودية المزعومة وبين هويته الاسلامية. سيظل هذا المجتمع متذبذبا يرتطم بجدران نصبها له القائمون علي عملية السعودة. لن يقدر ان يتحرر ويحرر نفسه من منطق المحمية و التابعية و الطاعة المطلقة التي تقترب من العبودية. لن يكون ناصرا لسنة قاهرا لبدعة طالما ان القطيعة ما تزال قائمة بين عروبته واسلامه. ومهما انتج من القمح والحبوب المدعومة ومن اللبن الزبادي لن يستطيع ان يتجاوز عقدة ايران. سيظل ينظر لهذا البلد بعين حاسدة وسيظل يلعب علي حبل الطائفية. مشكلة النظام السعودي مع ايران ليست مشكلة سنة وشيعة، انما هي مشكلة اعمق من ذلك. النظام السعودي يشعر بعقدة النقص تجاه ايران والتي تنافسه ليس فقط في الخليج والعراق بالذات في هذه الحقبة التاريخية وانما في العالم الاسلامي بأجمعه وحتي في محيط الاقليات المسلمة في اوروبـــا وامريكا.
فرغم ثروات النفط السعودية وقلة عدد السكان اذا قارناها مع بلد كايران الا ان النظام السعودي قد فشل في فرض نفسه علي الساحة الدولية وسيظل يعرف بالنظام الذي باع نفطه ليكسب عرشه وكرسيه فقط. وستظل ايران تنغص عيشه وليته لا يتذرع بمناصرة سنة العراق لانهم اكبر من ان يدافع عنهم نظام كالنظام السعودي او حتي يتكلم باسمهم واسم مصالحهم.
استطاعت ايران بدبلوماسية ما يسميه النظام السعودي حكم الملالي ان تحصل علي ما تريد وبقي النظام السعودي يلوح بشعارات نصرة السنة ولن نستبعد ان يظهر لنا خادم الحرمين الشريفين بمشروع طائف جديد لحل أزمة العراق وورطة الولايات المتحدة عسي ولعل ان تكون له قطعة من الكعكة والتي ستوزع ويعاد توزيعها حسب الظروف. وربما يحيي مشروعه المرفوض والذي اصدره منذ فترة وطالب علي اساسه بارسال قوات عربية الي العراق من اجل حل الازمة او بالاحري اعادة التوازن للخلل الذي حصل نتيجة تسليم العراق الي دولة الجوار. فرص نجاح هذا المشروع ربما تكون أقل من مشروع اقامة حسينية في بريدة اذا اخذ النظام السعودي بنصائح مؤسسة الازمات واوصلها الي نتيجتها المنطقية تحت ضغــــوط امريكية ربما.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

