2006/06/30

السعودية: من المسؤول عن عنف الاقلية ولا مبالاة الاكثرية

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 19-09-2005

حوادث مدينة الدمام الاخيرة والمواجهة العنيفة بين التيار الجهادي والنظام السعودي نقطة ساخنة في سلسلة طويلة من المواجهات كانت اولها في منتصف التسعينات عندما تم تفجير مبان تابعة للأمن والحرس الوطني يقطنها خبراء امريكيون. منذ تلك الفترة لم تعش السعودية لحظة أمن واستقرار. تدهور الوضع وتوالت التفجيرات والمطاردات الامنية بشكل ملحوظ بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) وازدادت حدة المواجهة بعد احتلال افغانستان ومن ثم العراق. فمنذ عام 2003 تتكرر احداث العنف والتي لم تعد محصورة في منطقة معينة او حي من احياء العاصمة، بل انتشرت ظاهرة العنف الي مدن اخري صغيرة وكبيرة. استطاعت قوات النظام ان تحرز تقدما في السيطرة علي الوضع واكتشاف مخابيء للاسلحة ومن ثم القضاء علي قياديي القاعدة في جزيرة العرب بدأ بقتل يوسف العيري ومن ثم التخلص من المقرن والعتيبي والعوفي وتصفية عدد كبير ممن يعرف بالمطلوبين الارهابيين. اذا صدقنا مقولات النظام وتتبعنا قوائمه ولوائحه الارهابية نجد اننا بصدد مجموعة هي اقلية بالفعل ولكنها قادرة علي توجيه ضربات موجعة للنظام يذهب ضحيتها الابرياء من المواطنين والمقيمين ورجال الامن. السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة الحرجة من هو المسؤول يا تري عن تفاقم العنف بهذا الشكل وعلي يد هـذه الاقلية؟
اما السؤال الثاني والمهم ايضا لماذا يا تري نحن نواجه لا مبالاة او حتي الصمت من قبل الاكثرية. ونستثني من هذه الاكثرية المجتمعية بعض الرموز المكلفة بالتصدي لعنف الاقلية كرجال المؤسسة الدينية وبعض رموز ما يسمي بالصحوة الاسلامية بالاضافة الي بعض الاعلاميين والكتاب والصحافيين. لكننا نتلمس ان غالبية المجتمع تقف موقف المتفرج اللامبالي فلا حراك اجتماعيا تبلور ولا مظاهرات قامت ولا تنديد شعبيا عارما تدفق تأييدا للنظام في معاركه مع الجهاديين. لماذا يا تري ظل عنف الاقلية مواجها بلا مبالاة الاكثرية او حتي صمتها؟ ومن هو المسؤول عن هذه المعادلة؟ لقد استطاع الاعلام المحدود وتغطيته لاحداث الدمام خلال ثلاثة ايام متتالية ان يلتقط صور وجوه لا مبالية تري العنف بأم عينيها تتجمع وتحتشد ومن ثم تتفرق وتنفض عن موقع الحدث مرددة لا حول ولا قوة الا بالله. هل اصبح عنف الاقلية ظاهرة روتينية اعتاد عليها المجتمع ام ان هذا المجتمع لا يعتقد ان الامر يعنيه اذ ان العنف المشاهد والممارس يعتبر من خصوصيات الدولة وهي اعلم بخفاياه وبطريقة معالجته؟ هل يا تري تعتبر سلسلة التفجيرات والمواجهات الامنية عمليات ضد الدولة او النظام فقط وليس المقصود بها المجتمع وضربه كما تصور الالة الاعلامية للنظام؟ اسئلة كثيرة لكنها تسلط الضوء علي ظاهرة غريبة تحتاج الي تفسير. وهنا تختلط الدعاية بالموضوعية. منذ انفجار العنف الممارس من قبل هذه الاقلية تصدرت اقلام كثيرة لشرحها. مختصو الارهاب يشرحون الوضع وكأنه نتاج طبيعي لتفسيرات دينية معينة قد طغت علي المناهج التعليمية الدينية في السعودية. فبعد ان اعلنت الولايات المتحدة مسؤولية المناهج السعودية في تفريخ الارهاب سارع موظفو النظام الي تغيير ما اعتبروه تشجيعا علي العنف والمقاومة والجهاد. وبذلك اوجدوا الدليل الحاسم والذي يساند المقولات التي تتهم الاسلام وتعاليمه. فكما اعتبرت الولايات المتحدة الكتب الدينية والتفسيرات المهيمنة في السعودية انها المصدر المسؤول الاول والاخير تبنت الدولة هذا الخطاب وتجاوبت مع دعوات تغيير المناهج. ولم لا ومثل هذه الاتهامات تبرئها هي واساليبها القمعية من مسؤولية العنف الحاصل في البلد.
بعد المناهج جاء دور الفقر والبطالة اذ اعتبرا انهما المسؤولان عن العنف وثورة الشباب بل حتي جرائمه. وطمأنت الدولة شعبها ان السعودة وصناديق الفقر كفيلتان بالقضاء علي عنف الاقلية هذا.
لقد فشلت مقولة مسؤولية المناهج التعليمية ومسؤولية الفقر في تفسير ظاهرة العنف. المحللون اليوم يراجعون نظرياتهم السابقة ولكن ليس لاحد منهم خاصة في الداخل السعودي قدرة علي رفع اصبع الاتهام في وجه النظام. ومع الاسف من هو اليوم قادر علي الصراحة والمواجهة خرج ليعلن ان المجتمع والنظام والفرد كلهم مسؤولون عن الكارثة هذه. هذا التعميم لن يحل الازمة لأن المشكلة ليست في المجتمع بل في النظام. النظام السعودي هو المسؤول الاول والاخير عن عنف الاقلية وكذلك هو المسؤول عن لا مبالاة الاكثرية. الحقيقة ربما هي مرة وجارحة ولكنها قد تكون بداية لحل الازمة خاصة بعد ان يتبين لنا كيف تطورت الامور ووصلت الي هذه النتيجة. من هذه الحقيقة ما يلي:
1 ـ منذ بدايته كان النظام السعودي نظاما مبنيا علي القهر وليس علي العقد الاجتماعي لذلك كانت ممارسة العنف من قبل النظام هو النمط السائد بل حتي المشرعن من قبل جهات معروفة استطاعت ان تضفي شرعية علي عنف الدولة واحتكارها بالالة القمعية. فتبلور حكم جبري سياسته واستراتيجيته ممارسة العنف تجاه الآخر. اصبح العنف ظاهرة طبيعية بعد ان تم تطبيعها خلال عقود طويلة. في مثل هذه البيئة كان من المستحيل لأي معارضة ان تتبع نهجا مخالفا لنهج النظام او مختلفا عنه. عنف النظام يولد عنف المجتمع. وعنف الاقلية المعاصر ما هو الا امتداد تاريخي للمواجهات العنيفة السابقة والتي حصلت في فترات ماضية. عندما يغيب العقد الاجتماعي بل ينفرط بين الحاكم والمحكوم وعندما يلجأ الاول لممارسة العنف تجاه الثاني نجد اننا نقع في فخ دوامة لها بداية ولكن نهايتها غير معروفة. لقد حدد النظام منذ نعومة اظفاره اصول واستراتيجية اللعبة السياسية لذلك لم يكن هناك مفر من العنف والعنف المضاد.
2 ـ عنف الاقلية نتاج طبيعي للفجوة الحاصلة بين الخطـــاب الديني الثقافي الرافض لمهادنة الاخر مستعمرا كان ام مخالفا للــــــرأي وممارسة النظام السياسية المحلية والخارجية.
هذا الخطاب الديني ليس بالجديد وكذلك ليس هو من صنع النظام ولكنه موجود في المخزون الثقافي والحضاري الاسلامي منذ اربعة عشر قرنا. يبقي هذا المخزون موجودا يُفعل عندما تشعر الامة بخطر يحدق بها فآيات الجهاد وعدم موالاة الكفار تُفعل في وقت الضعف والهزيمة تماما كما حصل خلال الهجمة الاستعمارية كتلك التي تعرضت لها شمال افريقيا ومصر وغيره من البلدان الاسلامية كاندونيسيا وماليزيا واجزاء من الهند وباكستان. كذلك تفعل تفسيرات الصلح والتسامح والقبول بالاخر عندما كانت تشعر الامة بقوتها وعزتها كما حصل في عصور سابقة سبقت عصر الانحطاط والهزيمة. في السعودية اليوم عنف الاقلية هو وليد هذه الحقبة التاريخية. فرغم ثروات النظام السعودي ورمزية الجغرافيا الذي كان قد سيطر عليها نراه فاقدا لسيادته وقراره الاقتصادي والسياسي. شلل النظام ما هو الا جزء لا يتجزأ من ظاهرة العنف بل هو سبب حقيقي خلف تفشيها. تعاني السعودية من هذه المشكلة اكثر من غيرها من الدول العربية والاسلامية اذ ان لخطابها الديني خصوصية فهو قائم علي مقولات تفعل تفسيرات المقاومة والمواجهة وعدم المهادنة رغم ان هذا الخطاب الديني ابتلي بلاء حقيقيا بقيادة سياسية موالية لمن يعتبره هذا الخطاب من عداد اعداء الامة منذ اليوم الاول. لم ينقلب الخطاب الديني علي النظام السياسي السعودي الا عندما اتسعت الفجوة بين النظرية والممارسة تماما كما حصل في العشرينات من القرن المنصرم والسبعينات والتسعينات وكما هو حاصل الان. الخطاب الديني يهادن النظام السعودي ولكنه ينفجر بقوة عنيفة كلما طفح الكيل وتظهر فيه اقلية تستعمل نفس اسلوب العنف الذي مارسه النظام وما يزال يمارسه.
3 ـ النظام مسؤول عن عنف الاقلية لأنه منذ البداية اعتبر هدف الخطاب الديني ترويض المجتمع وتعويده علي قبول التبعية. ونتج عن ذلك مشروع أسلمة الاستبداد وليس اسلمة المجتمع لان المجتمع كان مسلما شاء النظام ام ابي. فبدلا من تطوير الخطاب الديني الذي ينمي ويقوي الفرد والمجتمع ويعرفه بحقوقه المدنية ومركزية العدالة والشوري نري ان خطاب الخنوع والارجاء وحتي اللامبالاة تطور وتصدر حلقات العلم والاعلام.
في هذه المرحلة خنق اي اطار للتعبير عن الاختلاف او حتي الرفض والمعارضة ولم يبق الا متنفس العنف تمارسه الدولة كما تمارسه الاطياف المعارضة لسياسة الدولة. فبينما حملت الاقلية السلاح في وجه النظام بقيت الاكثرية صامتة لا مبالية غيبت نفسها بعد ان غيبتها آلة النظام القمعية.
4 ـ النظام مسؤول عن القضاء علي فعاليات المجتمع الاهلي التقليدية كمجالس القبائل والعوائل وحلقات المساجد وجماعات التجارة والحرف والتي كانت في مجملها تكتلات تقليدية تعتمد علي مصالح محلية ضيقة ولكنها كانت تحمي الافراد من خلال انضمامهم الي المجموعة. استعمل النظام الخطاب التحضيري والحداثي للقضاء علي مثل هذه المجموعات دون ان يوفر متنفسا حديثا وقنوات عصرية للتجمع وممارسة الاستقلالية كمؤسسات المجتمع المدني. حاول النظام ان يقمع كل هذه التجمعات ليخلق مجتمعا بلا معارضة سياسية او فكرية. لم يكن يعلم النظام ان لهذه السياسة عواقب وخيمة يدفع رجال الامن ثمنها يوميا. اي مجتمع بلا معارضة سياسية سلمية هو مجتمع قابل ان ينفجر اي لحظة. مثل هذه المعارضة تمتص الغضب او التململ قبل ان يتحول الي قنبلة موقوتة ومتنقلة. لم يتحمل النظام اي نوع من المعارضة السلمية لذلك هو اليوم يواجه عنف الاقلية. لقد انقطعت كل السبل وسدت كل الطرق في الماضي والحاضر امام التعبير عن الرأي، ولو وجدت مثل هذه السبل وتوفرت الاجواء التي تشجع الحوار والنقد لما ظهرت بوادر العنف الدموي. المجتمعات البشرية لا تختار العنف والقتل لذاته وانما هي دوما تستعمله كوسيلة لغاية وبانعدام الوسائل السلمية الشرعية لم يبق سوي الوسيلة الدموية.
عنف النظام السابق قد افرز اكثرية صامتة استقالت من مسؤوليتها لان النظام عودها علي القبول بمبدأ ترك الشأن العام للحاكم من منطلق الحاكم أدري بالمصلحة ومن لم يعمل بموجب هذا المنطلق يتهم باثارة الفتنة والتطاول علي ولي الامر والتدخل في امور لا تعنيه. وان ظهرت بوادر تشير الي تطاول منظم ناتج عن تكتل اجتماعي او ثقافي فالمصير هو السجن والقمع. لذلك لا يجب ان نلوم المجتمع ونحاسبه علي لا مبالاته بعد ان اتضح لنا مسؤولية النظام في افراز شرائح تفعل فقط الجانب الحيواني من اكل وشرب وزواج واستهلاك وتتجاهل جانبها الانساني ورسالتها في هذا العالم. اللامبالاة هذه ليست نتيجة كسل وتخاذل كذلك هي ليست نتيجة ثروة نفطية ظهرت فجأة ولكنها نتيجة عقود طويلة مارس خلالها النظام برمجة هادفة لاقصاء الفرد والمجتمع وابعاده عن صنع القرار الا من اظهر ولاء مطلقا للسلطة السياسية وقدرة خارقة علي تفعيل اوامره ومتطلباته.
مواجهات الدمام لم تكن الاولي من نوعها ومع الاسف لن تكون الاخيرة طالما ان الحقائق السابقة الذكر لا تزال قائمة والممارسات السياسية مستمرة في شذوذها وتجاهلها للمجتمع. لقد خلق النظام نفسه حلقة العنف المفرغة ومهد الطريق لعنف الاقلية ولا مبالاة الاكثرية.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية