2006/06/30

السعودية: تسخير الطاقة الطبيعية لترويض الطاقة البشرية

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 05-09-2005

بدأ العهد الجديد في السعودية بسلسلة من الاجراءات والقرارات الملكية الهادفة الي امتصاص بعض النقمة الشعبية والتململ الحاصل نتيجة ما يراه المواطن من تناقضات كانحسار قدرته الشرائية في دولة وصل سعر النفط فيها الي اكثر من 67 دولاراً للبرميل. وبما ان الدولة هي اكبر موظف في السعودية من خلال امتصاصها لليد العاملة في كافة المجالات نري العهد الجديد دشن فترته القادمة بالاعلان عن زيادة مقدارها 15% لرواتب القطاع العام. اعتبرت هذه الزيادة مكرمة ملكية تطال موظفي الشركة السعودية الكبيرة اذ انها لم تأت نتيجة ضغوط مارسها الشعب عن طريق اتحادات عمالية او مؤسسات مجتمع مدني اذ تبقي هذه من المحظورات، فالنظام ما زال يرفض انشاء أي نوع من التكتلات الاجتماعية المستقلة والتي تكون في المستقبل منطلقا لممارسة حق المشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي الذي يعكس الرغبة الشعبية وليس الارادة الملكية.
جاء قرار الزيادة هذا ليكرس طريقة التعامل مع المجتمع في دولة ريعية كالدولة السعودية. تقوم هذه الدولة علي مبدأ امتلاكها للارض وما عليها من موارد طبيعية وبشرية، فهي تشتري الخبرات العالمية والمعرفة والتكنولوجيا التي تساعدها علي تحويل الطاقة الطبيعية من كنوز خفية الي قدرة شرائية تشتري بها الولاء المطلق فهي تستطيع عن طريق الريع ان تكافئ من سخر طاقاته البشرية في خدمتها وتمنع المكافأة عمن حبس ولاءه وتغني باستقلاليته. معادلة تسخير الطاقة الطبيعية لترويض الطاقة البشرية لا تحتاج الي تنظير سياسي او مقولات معقدة اذ انها تعتمد علي بساطة الطبيعة البشرية والتي اول ما تهتم به هو تأمين ديمومة الحياة وضمان لقمة العيش للفرد والمجموعة. يطلب النظام الريعي من مواطنيه ان يفعلوا هذه الطبيعة البشرية اذ تصبح معادلة الولاء مقابل لقمة العيش المعادلة الوحيدة التي يتم فيها تأطير العلاقة بين النظام والمحكوم من قبل هذا النظام. لا مجال في هذه المعادلة لمناقشة حقوق المحكوم اذ انه ليس بالكيان المستقل بل هو تابع وتابعيته ليست محصورة فقط في صبغة السعودي علي هويته وكأنها لوغو Logo الشركة الكبيرة المنتمي لها، بل تابعية المحكوم تتأصل في كونه يعتمد اعتمادا كليا علي الحاكم في تأمين لقمة عيشه، هذه التبعية اخطر بكثير من حمل اللوغو والتغني به والتنظير له واصباغ شرعية واهية عليه.
التبعية للشركة السعودية لا تقتصر علي الطريقة المباشرة كالتوظيف في الوزارات ومؤسسات النظام الاقتصادية والادارية والدينية والتعليمية وغيره من الاخطبوط البيروقراطي الكبير الذي استشري واستنزف الطاقة الطبيعية خاصة عندما تدني سعر هذه الطاقة في الاعوام السابقة. ولكن رغم ان هذه البيروقراطية الكبيرة تمتص الكثير من الدخل القومي الا اننا نجدها قائمة علي مفارقة واضحة اذ ان الشركة لا تؤمن الا بالتمايز والتمييز بين دخل ذوي المراتب الرفيعة، وهؤلاء الذين يوجدون في اسفل السلم الهرمي هذا. فلا مقولات العدالة الاجتماعية ولا مقولات محاربة الفقر قادرة علي ردم الهوة بين الموظف الكبير ونظيره الصغير فتبقي رواتب الموظفين ودرجاتهم رهينة منطق خفي تقرره رؤوس الشركة وليس السوق الحرة.
التوظيف في الشركة ليس الا نمطا واحدا تستغله الانظمة الريعية اذ انها ايضا تعتمد علي السيطرة علي القطاع الخاص من اجل ترويضه هو ايضا وتجنيده لخدمتها. الدولة الريعية لا تتحمل وجود اقتصاد مستقل خارج عن سيطرتها ولا طبقات اجتماعية تبني ثروات خارجة عن ارادته. يبقي القطاع الخاص في نظام كالنظام السعودي قطاعا محدود الاستقلالية، فالدولة هي من يرخص له بالعمل ويقيده بقوانين ربما لا تطبق الا عليه، وهي من تكافئه وربما تشتري خدماته، اذ ان قدرتها الشرائية تفوق قدرة اي فئة اجتماعية اخري ومشاريعها اكبر من اي مشروع يتم الاتفاق عليه. لذلك تشير دراسات عن القطاع الخاص السعودي الي محدودية قدرة هذا القطاع علي العمل المستقل وفشله في انتاج طبقة ثرية مستقلة في ثرائها عن الدولة الريعية. تميز هذا القطاع باحتكار بعض العائلات المعروفة بولائها للنظام السعودي والتي افسح لها المجال لبناء ثروات كبيرة مقابل استمرارية هذا الولاء. فرغم انها تحسب علي القطاع الخاص الا انها في الحقيقة تعيش وتعتاش علي مكرمة القطاع العام. تعتمد الدولة الريعية في مقولاتها علي انها المركز المسؤول عن توزيع الثروة القومية ولكن هذا التوزيع يجب ان يمر عبر قنواتها المعروفة ويخضع لقوانينها المفروضة والتي اهمها الولاء المطلق ورفض اي محاولة لتقوية المجتمع من خلال مؤسسات مستقلة. تقيس هذه الدولة انجازها بمقياس التمدن والتطور فكلما ازدادت الكيلومترات المعبدة وبرزت ناطحات السحاب في المدن الصحراوية كلما اعتبرت الدولة انها العنصر المحضر والمطور في المجتمع. تبقي هذه المشاريع الاعمارية رمزا لتوزيع الثروة وتحسين حياة المواطنين وتمكينا للرفاهية. تتجاهل هذه الدولة اليد العاملة الاجنبية والتي ساهمت في الاعمار وكذلك تتجاهل الفرق بين التنمية المادية والتنمية البشرية الحقيقية التي تقوم علي تقوية الفرد وتمكينه حتي يتحول الي سلطة قادرة علي التحرر فكريا وسياسيا من هيمنة الدولة القمعية. يتجاهل هذا الخلط ان النمط التاريخي لتقوية الفرد المادية لم تأتي الا بعد محاولات طويلة لتقويته المعنوية، هذا النمط قد قُلبت مسيرته في الدولة الريعية التي أتت بالمستشفي قبل ان تأتي بالطبيب واستوردت الطائرة قبل ان تخرج طياريين، وليس من المعقول ان لا تلتحق الدولة الريعية بركب التنمية المادية لمجرد انها لا تمتلك طاقة بشرية تستطيع ان تبني هذه التنمية لذلك كانت مضطرة منذ نعومة اظفارها ان تنخرط في مسارها اي التنمية وتحولها لعنصر آخر يضفي عليها شرعية جديدة كدولة واهبة للأمن والمال والنمو الحضاري. اصبح المجتمع بكافة اطيافه رهينا للتنمية والتي بدل ان تقويه ساهمت في استعباده وبدل ان تحرره من العوز والفقر جعلته حبيسا للمعادلة التي تفرض عليه تقديم ذاته وترويض استقلاليته في سبيل خدمة كيان الدولة الريعية.
من أهم خصائص الدولة الريعية انها تختصر الفرد وتحوله الي مستهلك لخدماتها يعتاش علي مكارمها ليس له الحق في التذمر او التململ اذا تقلصت الاجور وتدهورت الخدمات واحترقت المدارس وفشلت القطاعات الاقتصادية ليس في زيادة اجره بل حتي في توظيفه كذلك ليس له الحق في المطالبة بصناعة القرار وتدبير اموره حسب ما يراه هو وليس حسب ما تراه الدولة الريعية اذ ان هذه الدولة خارجة عن نطاق المحاسبة. فهي لا تعتمد في خزينتها علي ما تجنيه من ضرائب ومكوس بل تعتمد علي ثروة طبيعة لا تعترف بجهد المجتمع في استخراجها وتحويلها الي سيولة مالية. بالطبع اعتمدت الدولة الريعية علي اليد العاملة الاجنبية في بداية عهدها لاستخراج هذه الطاقة الطبيعية ولكنها مع الزمن اضطرت ان تفسح المجال لليد العاملة المحلية اكثر فأكثر لتوسيع نطاق الولاء خاصة بعد ان اكتسبت هذه اليد العاملة شيئا من المهارات والخبرات، رغم هذا ظلت المعادلة المعروفة سارية المفعول.
تميزت الدولة الريعية ايضا برفضها المستمر لنداءات تطالب بتغيير سياسي وجوهري لمفهوم الراعي والرعية والعلاقة بينهما. الدولة الريعية لا تنظر الي الفرد ككائن له حقوق وواجبات اذ انها تختزل الحقوق بفتات تستطيع ان تستغني عنه في سبيل توطيد دعائمها كالزيادة في الرواتب السابقة الذكر. فزيادة الـ15% كفيلة بالتذكير بمبدأ الدولة، مقابل مبلغ بسيط يستطيع النظام ان يعبئ آلته الاعلامية المحلية والعالمية لتطبل لمشروع اعادة توزيع الثروة النفطية علي أسس عادلة. فالاستهلاك الاعلامي للخبر بالاضافة الي قدرته علي اعادة المنظورة والتذكير بها تفوق الثمن الحقيقي لمثل هذه الزيادة والمكاسب المرجوة لا بد ان تكون قادرة علي تبرير مثل هذا التصرف. اما واجبات المواطن فهي ايضا تختزل في تقديم السمع والطاعة وعدم السؤال او التساؤل عن امور اعتبرت انها خارج نطاق اختصاصه وصلاحياته.
من مميزات الدولة الريعية انها هي ايضا تطبق نفس المبدأ مع اجنحتها المختلفة وتضطر الي استعمال الاسلوب ذاته مع ابنائها لتكسب ولاءهم المطلق من مبدأ المشاركة في الثروة خاصة بعد ان اتضح ان المشاركة في السياسة ربما تكون غير قابلة للممارسة الفعلية. تضطر الدولة ان توزع الحصص علي الامراء معتمدة علي مبدأ القرب او البعد من الفرع الرئيسي فكلما اقتربت الاعراق والانساب كلما اقتربت القدرة علي المنافسة لذلك تضطر الدولة ان تدفع مبلغا باهظا لمن هو قريب جدا منها وتقلص المبلغ كلما بعدت الانساب عن الفرع الرئيسي. نتساءل عند هذه اللحظة وبمناسبة زيادة رواتب موظفي الدولة ما هو يا تري حجم الزيادة المرتقبة لمخصصات الامراء الشهرية خاصة انهم هم ايضا ربما يعانون من تقلص قدرتهم الاستهلاكية والشرائية في زمن ارتفعت فيه الاسعار وخاصة اسعار النفط والذي تعتمد عليه طائراتهم الخاصة التي تطوف العواصم الاوروبية في فصل الصيف ومراكبهم البحرية والتي يضيق بها البحر الابيض المتوسط خلال موسم الاجازات والعطل؟
نعرف انهم لن يستثنوا من مكارم ملكية مستقبلية اذ ان الدولة الريعية لا تملك الخيار في هذا المجال وهي دوما مضطرة ان تكافئ الولاء من داخل الاسرة وخارجها حتي لا ينفض عنها الجميع وتبقي وحيدة دون بعد اسري وشعبي يتبلور بعد توزيع الفائض من مردود الطاقة الطبيعية. ونعتقد ان القيادة الجديدة تختلف عن العصر البائد حيث انها تحاول جاهدة توسيع رقعة شعبيتها داخل الاسرة وخارجها اذ انها تحتاج الي اكثر من 15% زيادة رواتب لتكرس الولاء المتوقع. مع الاسف اصبح منطق الدولة الريعية المنطق المعتمد في تحديد العلاقة بين الحكم والمحكوم. ولكن تختلف الطفرة النفطية الحالية عن سابقتها والتي حصلت بعد تضاعف اسعار النفط في اوائل السبعينات.
الطفرة الاولي بهرت المجتمع، حيث تسابق افراده في الحصول علي الكسب المشروع مستغلين مرحلة اقتصادية حولت حياتهم بشكل جذري، اما الطفرة الحالية فتتصف بتهافت غريب ورغبة في اثراء سريع شرعي او غير شرعي، حيث ينتشر الفساد في الدوائر العامة والخاصة بشكل غير طبيعي لأن الكل يعرف ان للطفرات منطقها الخاص، فهي تأتي من حيث لا تعلمون ولكنها تختفي فجأة وبدون سابق انذار من قبل من تعلمون.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية