2010/08/29
السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
تناقلت وسائل الاعلام السعودية خبر انشاء اربع مدن اصلاحية قد تشكل نقلة نوعية في طبيعة العنابر السعودية. وجاء هذا القرار على خلفية تقارير عالمية عن طبيعة السجون السعودية وتردي معاملة السجناء فيها وبيانات صدرت من الداخل ادانت السجون والسجانين وصبت الاهتمام على طبيعة معاملة السجناء وحرمانهم من ابسط الحقوق. وبعد نشر الخبر الجديد تكاثرت التعليقات الالكترونية والتي اختفى معظمها بعد لحظات ربما لانها كانت تهكمية او غير مقتنعة بالخبر الرسمي المتعلق بالمدن الاصلاحية الجديدة.
لا نلوم المتلقين لمثل هذه الاخبار الرسمية عندما يشككون ويتهكمون على مضمونها وهم يختفون خلف اسماء مستعارة اذ انهم ربما يصبحون من سكان العنابر الجديدة ان هم كتبوا وعلقوا مستعملين اسماءهم الحقيقية.
تعتزم السعودية انشاء مدن اصلاحية في عدة مدن كبيرة. ويبدو ان هذه المشاريع التي تأتي تحت مظلة وزارة الداخلية ستكون صروحا جديدة تقع بين موقعين. فمن جهة هي اشبه ما تكون بالمنتجعات السياحية ومن جهة اخرى هي مراكز تدريبية وتعليمية وصناعية. لقد جاء وصف المشاريع القادمة وكأنها مساحات أمل وفسحة وتربية وارشاد لا تهيئ السجين للدخول في معترك الحياة الدنيوية بل هي تضمن له مكانا في الآخرة خاصة بعد التركيز على العلوم الدينية والشرعية وتحفيظ القرآن والسنة النبوية الشريفة. بالفعل حسب الخبر الرسمي ستتحول عنابر السعودية الى مدن تفوق في بنيتها التحتية وخدماتها اليومية ومشاريعها التنموية ما يقدم للمواطنين في أحياء كثيرة في العاصمة او غيرها من المدن المعروفة. وربما تمنى احد المعلقين على الخبر ان يكون من نزلاء العنابر الجديدة التي تبشر بحياة يومية مليئة بالنشاطات الرياضية والترفيهية والرسم وتعلم الحرف بالاضافة الى العمل المضمون في المزارع والمصانع حيث لا توجد بطالة بين المساجين ولا طلبات عمل جماعية يتعارك عليها المساجين. تنشط الآلة الاعلامية السعودية في بناء الوهم وبيعه الى المجتمع بل انها بتصويرها لعنابر السعودية الجديدة قد تخلق لدى الكثيرين الرغبة في ترتيب هروب جماعي لمثل هذه المشاريع الاصلاحية المزعومة. وقد يتمنى البعض ان يصبح من النزلاء الدائمين حيث سيتوفر لهم من الخدمات ما لا يتوفر للأحرار والطلقاء والأبرياء. قد تتحول الجريمة التي تنتهي بالمحاكمة والسجن الى فرصة تاريخية تقود صاحبها الى احد العنابر الحديثة تحت مظلة وزارة الداخلية وميزانيتها الوفيرة التي ستسخرها لمثل هذه المشاريع. قد يتساءل البعض عن مدى توفر الخدمات بكافة أشكالها للأبرياء قبل السجناء خاصة وأن المدن السعودية حالياً تعتبر حاضنة لأحياء تنعدم فيها أبسط الخدمات كالمياه والكهرباء ناهيك عن الكوارث التي سجلت خلال العام الحالي والتي أودت بحياة الكثير من المواطنين نتيجة سوء التخطيط وانعدام مستلزمات الحياة في المدن الكبرى هذا بالاضافة الى انعدام مثل هذه الخدمات في المناطق النائية والتي لا تتوفر فيها المدارس والخدمات الصحية. وقد سلطت بعض الجهات الحقوقية والانسانية الضوء على حالات الفقر وانعدام الفرص لشريحة كبيرة من النساء والاطفال للنهوض بأنفسهم خاصة وان حتى الصدقات لا تصلهم في أماكن تواجدهم. وهذا يظل نقطة سوداء في تاريخ السعودية الحديث حيث تنعم الدولة بموارد نفطية واقتصادية تفوق بكثير ما يصرف على البرامج التنموية المزعومة. وقبل ان تتكاثر النعم والهبات الملكية على المجرمين والسجناء لا بد ان ينعم الابرياء بمثل هذه المدن الاصلاحية في هذه اللحظة التاريخية حيث تكبر الفجوة بين أغنياء المملكة وفقرائها. اذ تظل شريحة كبيرة من المجتمع تعيش تحت خط الفقر في بلد ينعم بأكبر اقتصاد وموارد. وقد يتساءل طيف آخر لماذا لا تتحول السعودية الى عنبر اصلاحي تماماً كما هو مخطط له من قبل وزارة الداخلية وان كانت هذه الوزارة قد نجحت بالفعل في تحويل البلاد الى عنبر تنقصه الحريات. لماذا لا تكمل معروفها وتوفر الخدمات الترفيهية والتعليمية والتدريبية التي تزعم انشاءها في السجون الاصلاحية. عندها ستنعدم الفجوة بين السجون وخارجها لان من المضحك المبكي ان يكون العنبر اكثر تجهيزا وتقدما وتطورا من محيطه وبيئته وحتى لا تكون السعودية الدولة النشاز يجب عليها ان تردم الفجوة بين العنبر وخارجه حتى تقطع الطريق على اولئك الذين ربما يطمحون الى جريمة تقودهم الى عنبر خارق كعنابر وزارة الداخلية الجديدة بعد ان ضاقت بهم الفرص او فاتهم قطار الثروة وتأهيل الذات بالعلم والعمل.
وقبل ان تبتهج هيئات حقوق الانسان الرسمية في السعودية بمشروع اصلاح العنابر عليها ان تطالب الجهات الرسمية بتوسيع مصطلح ومفهوم العنبر ليشمل المدن الكبيرة والمناطق النائية لتطال الخدمات تلك الشرائح التي خرجت من التاريخ وتخلت عنها اجهزة الدولة حتى تردى فيها مستوى التعليم والصحة ولا تزال تعيش على ضوء فوانيس متنقلة في بلاد الاضواء. وان كانت مملكة الانسانية وهو لقب السعودية الجديد والذي ارتبط بعهد الملك عبدالله مستعدة لتحديث عنابرها لماذا تظل بعض مناطق المملكة خارج الانسانية المزعومة وهل من المعقول ان ينعم المجرم بخدمات تفوق تلك المتوفرة لكثير من الابرياء؟
في كل بلاد العالم تعتبر السجون مرآة تعكس مفاهيم متأصلة وثقافة معينة تكون طاغية في المجتمع كذلك هي مبنية على تجارب يمتزج فيها القانون بنظرة المجتمع للمجرم الذي يعزل عن المجتمع اما لحماية المجتمع او لعقاب يفرض عليه نتيجة عمل ما يخرق القانون. وبينما كان المجرم في السابق يعزل ويفرض عليه الكثير من القيود الصارمة نجده اليوم يعتبر مادة من الممكن اصلاحها وتغييرها واعادة تأهيلها خلال فترة يحرم فيها المرء من الحرية ولكنه يخضع لعملية اعادة تثقيف يخرج بعدها من السجن الى المجتمع ويعيد بناء حياته من جديد. تعتبر هذه النظرة نظرة جديدة تبنتها الدول فقط في العقود القليلة الماضية واليوم تحاول السعودية ان تلتحق بالركب العالمي خاصة بعد ان فضحتها المؤسسات الحقوقية العالمية وسلطت الاضواء على الوضع في سجونها وانعدام ابسط الحقوق فيها ناهيك عن حالات التعذيب الجسدي والنفسي. لن تستطيع المدن الاصلاحية وحدها ان تغير الوضع في السجون اذ ان التغيير الجذري يتطلب ثقافة تختلف تماماً عن الثقافة السائدة والتي تعتمد على تقييد الحريات العامة خارج السجن ناهيك عن داخله. وفي مجتمع يتعرض لسلطة الدولة المطلقة من الصعب ان تتحول فيه العنابر الى صروح علمية وثقافية وترفيهية وان كانت القوة المطلقة تفرض نمطاً سلوكياً فجاً تمارسه بعض الشرائح المتمكنة ضد الشرائح الضعيفة. فمن الصعب تغيير سلوكيات مجتمع بأكمله خاصة وان العنف والتسلط والاستهتار بحقوق الناس أصبحت ممارسات يومية لم تنفع محاضرات الوعظ والارشاد في الحد من تفشيها على مستوى الدولة والمجتمع. وأهم من ذلك أصبح الكذب والاستهتار بعقول الناس من شيم الدولة حتى انها اليوم تتجرأ على عقول المواطنين بأخبار العنابر الحديثة التي ستنشئها خلال الاعوام القليلة القادمة والمشاريع التي قد يسيل لعاب الابرياء امامها فما بالك بالمجرمين الذين يتوقعون حياة براقة وراحة دائمة واستجماما طويل المدى في عنابر وزارة الداخلية القادمة. آمل ان لا تغري هذه العنابر اصحاب القلوب الضعيفة فيحجزون اماكنهم مسبقاً في صروح وهمية.
' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- February 2012
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الربيع العربي: اسئلة الماضي… اجوبة المستقبل
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة

