2006/06/30
عالم ارامكو الامريكي: القول السديد في اخبار امبراطورية التوحيد
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 22-08-2005
منذ احداث 11 سبتمبر والنظام السعودي يبحث عن المصادر التاريخية التي تبرئه وتبرئ الدعوة الوهابية من تهمة الارهاب والتي روجتها مصادر الاعلام الغربية. وظهرت عدة كتب باللغة الانكليزية ممولة او تحت الاشراف غير المباشر لأجهزة الثقافة السعودية المحلية ولكنها تصب في مدار واحد اذ انها تتطرف في تلميع الصورة أمام جمهور متعطش لفهم اللغز السعودي وتفسيراته الدينية. مؤخرا اكتشفت دارة الملك عبد العزيز وهي من أهم الاجهزة التي تضفي غطاء اكاديميا علي النظام السعودي عن طريق نشر وطباعة مجلدات حسنة الصورة والانتاج ذات اوراق سميكة ملمعة اطروحة دكتوراه قديمة قدمت لجامعة امريكية عام 1948. كاتبها المستشرق الامريكي والمؤرخ الذي تميز بعمله في ارامكو كمدير لقسم البحوث والنشر جورج رنتز. لقد مرّ علي هذه الاطروحة اكثر من نصف قرن دون ان تري النور اذ انها بقيت حبيسة الرفوف في جامعة امريكية ولكن بالتعاون مع دور نشر صغيرة في لندن استطاعت هذه الدارة ان تنفض الغبار عما بلي من حكمة علماء ارامكو خاصة ان رنتز كان من الاوائل الذين نشروا وكتبوا عن دولة التوحيد في عصرها الذهبي ايام الداعية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( 1703 ـ 1792)، ساعد الدارة في هذه العملية الاستكشافية دار نشر تتخصص في ترويج وتسويق التراث السعودي القديم للعالم الانغلوسكسوني علي شكل كتب ثقيلة الوزن، ولكنها خفيفة المضمون أحسن ما تصلح له هو ان تتصدر طاولات القهوة في مكاتب الشركات التي تتعامل مع السعودية كالبنوك والمؤسسات الاقتصادية او كهدية يقدمها هذا الامير او ذاك لزواره من الدبلوماسيين الغربيين وغيرهم ممن يتعطش لفك لغز هذا البلد المدعو بالسعودية. اعادة اكتشاف اطروحة عالم ارامكو ما هو الا محاولة لاعادة تأهيل الدعوة الوهابية ودولة الموحدين وعلي يد ابن قس امريكي وظفته ارامكو للترجمة ومن ثم تطور في علمه حتي اصبح مؤرخ دولة التوحيد الاول المنخرط في سلك هذه الشركة. وبالاضافة الي عمله التاريخي كان جورج رنتز يتصدر قسم الابحاث والذي كان نشاطه ينحصر في انتاج الخطاب المشرعن لادعاءات النظام السعودي في الخمسينات من القرن الماضي والمتعلقة بسعودية الاراضي التي كانت ارامكو تشتم فيها رائحة نفط. فكلما اكتشف علماء الجيولوجيا هذه الرائحة في منطقة حدودية مع دول الجوار كلما تكفل جورج رنتز وطاقمه باكتشاف الجذور التاريخية لشعب هذه المنطقة والتي تربطهم بالنظام السعودي في العاصمة الرياض. وكلما تنازع النظام السعودي علي قطعة ارض مع حكومات تمتد من الكويت الي مسقط كلما حشد رنتز جهود طاقمه العلمي لاكتشاف مضارب بني عبس السعودية علي هذه الطعوس الرميلة او تلك وهلم جرا.
مؤرخو ارامكو كانوا موظفي شركة تحاول توسيع مساحة امتيازها وما كتبها التاريخية والاجتماعية والدينية الا محاولة لاضفاء شرعية اكاديمية علي طموحات اقتصادية بحتة هدفها الاول والاخير اكتشاف حقول نفطية جديدة في مناطق نائية حتي لو كانت هذه المناطق خارج حدود الدولة السعودية.
ما يهمنا هو الخطاب التاريخي الذي يؤرخ للدولة السعودية في القرن الثامن عشر الميلادي هذا التاريخ ارتبط بدعوة محمد بن عبد الوهاب. لم يكتف رنتز برمز الدولة اذ انه اطلق اسم امبراطورية التوحيد علي هذا الكيان الجديد. وتعتبر اطروحته هذه رسالة هدفها الاول والاخير تأصيل الجذور التاريخية للكيان السعودي الحديث والذي تعاقدت معه ارامكو في الثلاثينات من القرن المنصرم تمهيدا لدخول الولايات المتحدة في علاقات دبلوماسية مع الكيان السعودي بهدف حماية العقود النفطية. في هذه اللحظة التاريخية كان خطاب رنتز مهما جدا بالنسبة للجمهور الامريكي وخاصة علي صعيد القيادة، اذ انه محاولة هادفة لاقناع الادراة الامريكية وقتها بالعمق التاريخي للكيان الهش في الثلاثينات وعن طريق التركيز علي بداية امبراطورية التوحيد.
تأثر رنتز في طفولته بالخطاب الكنسي المستمد من كنسية Presbyterian اذ ان والده كان قسا يعمل في البحرية الامريكية وعندما انيط به اكتشاف اسرار اهل التوحيد في الجزيرة اعتقد ان خلفيته الدينية هذه تؤهله لاكتشاف اسرار الجزيرة اكثر من معاصرية كأمين الريحاني الماروني من اصل لبناني او جون فلبي البريطاني.
اعتمد رنتز في رسالته علي كتب ائمة الدعوة النجدية وخاصة العالم المؤرخ للدعوة ابن غنام ومن بعده مثل ابن بشر وهما مصدران منحازان للدعوة بالطبع.
قصة رنتز في اطروحته هذه اشبه ما تكون بحبكة نسجتها شركة هوليوود في افلام الخمسينات كفيلم بن هر او كليوباترا . ملخص القصة التاريخية هذه يدور حول شخصية العالم الذي خرج من الصحراء تائها بعد ان اعياه شرك اهله وخلانه وفسادهم الخلقي وانحطاطهم العقدي فدار في ارجاء المعمورة بحثا عن العلم واهله، ومن ثم عاد الي وطنه ليجد انحدارا ملحوظا في العبادة والعقيدة اشد خطرا من شرك كفار قريش قبل دعوة الرسل وخاصة دعوة محمد (صلعم) عندها حطت رحاله في مضارب الدرعية بعد ان نفته قريته ولفظه حاكمها فوجد فيها اذنا صاغية هيئتها امرأة/ زوجة الامير التي اقنعت زوجها بالرسالة الجديدة القديمة، اذ ان المخلص قد حلّ في المدينة يدعو اهلها الي التوحيد بعد ان استولت عليهم القبور والقباب والسحر والشعوذة. عندما تم العقد تصدر المصلح اسلمة المجتمع وبقي للحاكم بيت المال والسيف يرفعه في اكبر عملية تاريخية للهيمنة السياسية تحت ستار دولة التوحيد. وسمي هذا جهادا في سبيل الله ونشر التوحيد.
اسطورة رنتز هذه لا تتصدر الخطاب التاريخي في الغرب فحسب بل انها مؤصلة جذورها في كتب التاريخ المضلل والمدرس في المدارس السعودية وكذلك في خطاب مؤرخين عرب خضعوا لعملية التلقين هذه. اصبح مؤرخ ارامكو وعالمها مصدرا من مصادر البحث والتاريخ وقصته هذه قصة ليست فقط اسطورية بل هي خيالية هدفها الاول اضفاء شرعية البعد التاريخي لما سمي بالامبراطورية السعودية والتي لم يجف حبر توقيعها او بالاحري بصمتها علي عقد التنقيب عن النفط في مضاربها عام 1932. فبعدما كان جيل سابق من المستشرقين يؤرخ لشعب هذه الجزيرة من منطلق النبيل المتوحش البدوي الكريم الشرس الشهم الغدار، جاء عالم ارامكو لا ليكتشف النفط فقط بل ليكتشف الموحد المؤمن البسيط الذي يدفن امواته في حفرة رملية صغيرة بعيدة عن أبهة قياصرة الفرس والروم او من تأثر بهم في الامصار العربية المجاورة. جاء البروتستانتي الامريكي ليكتشف ان ائمة الدعوة النجدية يشاطرونه التوحيد الذي عرفه في كنائس بنسلفانيا وفيلادلفيا. فكما ان الهنود الحمر كانوا يسرحون ويمرحون ويتمرغون في دياناتهم وشعوذتهم وارواحهم السابقة يعبدونها ويطوفون حول اصنامها الي ان منّ الله عليهم بمبشرين يبشرون بدين جديد ليعيدهم الي الصراط المستقيم كذلك تخيل رنتز حال ابناء الجزيرة العربية قبل الدعوة الوهابية. مع الأسف هذا هو تصور التاريخ السعودي الحالي والذي تدرس خطوطه العريضة بهذا الشكل في كل مدرسة وحتي كل جامعة. رنتز كرس اول اسطورة تاريخية بحاجة الي تفكيك واعادة صياغة حتي يبرئ ابناء الجزيرة آباءهم واجدادهم من صفة الكفر التي وصفهم بها النظام السعودي وعلماؤه السابقون واللاحقون وتبناها مؤرخوهم الحاليون.
أما منظورة امبراطورية التوحيد التي تتصدر عنوان رسالة رنتز هذه فما هي إلا تضليل واضح وطمس لحقيقة الكيان السعودي الاول. فأي امبراطورية هذه تقضي اكثر من ثلاثين عاما في صراع مع امير مثل امير الرياض مثلا والذي قاوم الهيمنة السعودية الآتية من الدرعية؟ وأي امبراطورية توحيد هي تلك التي تدخل في صراع مع الامبراطورية العثمانية والتي هي علي الاقل اسميا تححكم في الجزيرة حينها. فهل امبراطورية التوحيد هذه محقة في رفع السيف و الخروج علي الخلافة الاسلامية في وقت كانت الامبراطورية المعرّفة علي انها كافرة في خطاب ائمة الدعوة النجدية والمقصود هنا الامبراطورية البريطانية، تصول وتجول علي شواطئ الخليج العربي. لقد ذهبت امبراطورية التوحيد الاولي هذه الي ابعد من ذلك عندما شهرت سيفها علي عساكر الخلافة وفتحت مضيفها لممثلي دولة الكفر حسب تعريفهم للآخر. لقد تجاوزت اطروحة رنتز امرا مهما الا وهو الجهاد علي طريقة امبراطورية التوحيد اذ ان احد مصادر رنتز يذكر كيف ان اهل الدرعية في سنة ما جاعوا بسبب القحط فجهزوا الرجال والعتاد لغزو مجموعة من الاعراب كانت قد خيمت خارج قريتهم. يذكرنا ابن غنام بهذه الحادثة ويقول انهم خرجوا بسيوفهم وانقضوا علي هؤلاء الاعراب والذين يعانون من نفس مشكلة الفقر ونهبوا غنمهم وفرغوا خيامهم من محتواها ثم عادوا الي ديارهم بالسلامة وتقاسموا الغنيمة حسب الشرع الاسلامي اذ ان للأمير حصة وللعالم حصة ولبقية رجال القرية حصة. نستغرب هنا كيف يكون هذا جهادا في سبيل أسلمة مجتمع الجزيرة؟ وصف ابن غنام نفسه يجعلنا نعتقد ان هذا التصرف أبعد ما يكون عن مفهوم الجهاد في سبيل الله وأقرب الي ممارسة اللصوص وقطاع الطرق. ان تصرف امبراطورية التوحيد هذا هو اقرب ما يكون لتصرف من تحاربهم هذه الدولة ممن وُصف وكأنه قبائل بدوية متوحشة ومفترسة يأكل الكبير الصغير ويفترس القوي الضعيف.
تتجاوز رسالة جورج رنتز امرا من اكثر الامور اهمية اذ انه يشاطر ائمة الدعوة النجدية السابقين واللاحقين صمتهم تجاه اكبر قضية وأهم امر الا وهو مبايعة عالم دين لأسرة بأكملها وحصر ولاية امر المسلمين بحاكم الدرعية وذريته من بعده دون أي اعتبار لمعادن من سيتولي الامور في المستقبل. مع الأسف سيظل هذا الامر معلقا ولن يتم حسمه الا اذا خرج من يسلط الضوء علي هذه الزلة التاريخية والخطأ الشرعي اذ ان المسلمين لم يعرفوا اتجاها فكريا كان صريحا في تكريس بيعة الجملة كما كرسها ائمة الدعوة النجدية وخاصة المنتمين الي محمد بن عبد الوهاب من آل الشيخ ومريديهم خلال القرنين الماضيين. لا يهم هذا الامر جورج رنتز بقدر ما يهمه استقرار الحكم في ارض النفط تحت امرة رجل واحد يكفل ويتعهد باحترام بنود اتفاقية النفط والتي كان يبحث جورج لها عمن يضمن استمراريتها في واشنطن والرياض. لقد وقع المؤرخ الامريكي في بئر نفط عميقة وتمرمغ في وحلها حتي فقد قدرته علي التمييز بين التاريخ والاسطورة، بين التوحيد والتوريث وبين الخطاب الدعائي والدخان الاسود المتصاعد من حقول النفط. بين أسلمة المجتمع وبين استعادة حكم الآباء والاجداد. بين الجهاد لنشر التوحيد ومنطق العصابات المتصارعة والمتطاحنة. بين ظاهرة سياسية دينية ظهرت في مرحلة تصارعت فيها قوي عالمية في البحر الاحمر والخليج برزت فيها اهمية طرق تجارية مهمة وخطوط حركة بحرية جديدة تصل بين المستعمر والمستعمرة في اوروبا وآسيا. من المفرح ان طيفا كبيرا من المؤرخين منهم هالة فتاح وانسكومب قد سلطوا الضوء علي هذه الحقبة وربطوا بين الاقليمي والعالمي في محاولة لخرق مقولات علماء ارامكو ومن يتبعهم في ضلالهم وتضليلهم لطيف كبير من المؤرخين.
اكتشاف هذه الاطروحة ونشرها بعد مرور نصف قرن لن يبثا فيها الحياة ولن يحسنا صورة قائمة علي الزيف والخداع مع الذات والآخر. لقد ولي عصر تاريخ القبور والقباب وكثير من ابناء الجزيرة اليوم ينشغلون باعادة كتابة تاريخهم معتمدين علي تفكيك تاريخ ارامكو بصيغته الانكليزية والمحلية. كذلك الكثير من العلماء المختصين بالعلم الشرعي من ابناء الجزيرة.
نراهم اليوم قد التحقوا بمجموعة كبيرة من علماء السنة والذين لم ترق لهم فكرة كون المسلمين كافة قبل دعوة ابن عبد الوهاب من الكفار او من اهل البدع والضلالات كما وصفهم هؤلاء وعلي رأسهم سليمان بن عبد الوهاب الذي تصدي لأخيه في دفاعه الشرعي عن اهل القبلة الذين وصفوا زورا بأنهم اهل كفر وضلالة.
بدل ان تصرف الدارة اموال النفط علي نفخ الروح في رسائل دكتوراه بالية تردد مقولات واهية كان عليها ان تفتح حوارا حقيقيا وصريحا حول ما حصل في الجزيرة في القرن الثامن عشر اذ ان للسوابق التاريخية لواحق عصرية ها هي تقلق اجهزة الأمن يوميا وتنغص عيشها. قبل ان ينخرط النظام السعودي في حربه علي الارهاب يجب ان يمحص ماضيه ويتعاطي فكريا وشرعيا مع موضوع خروجه هو علي امبراطورية كانت يوما ما تصنف من قبل الكثير من المسلمين علي انها امبراطورية اسلامية.
فهل يا تري من خرج في السابق كان خارجيا ومن خرج اليوم هو ايضا خارجي ينهل من نفس النبع الفياض؟ يجب علي الدارة ان تدير الحوار حول امور كثيرة اذا كانت تطمح ان تعد مستقبليا في عداد مراكز الابحاث والا ستبقي دارة لا تدور في رحاها سوي الابواق وطنينها ولا تصدع فيها الا كلمات ابن القس الامريكي.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

