2010/06/14

الفراغ العربي والبحث عن البطل

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 14-06-2010

في مرحلة الخمود والركود والتهميش تبحث الشعوب دوما عن المخلص الذي ينتشلها من ازماتها المتعددة فتنتظر هذا المخلص ان يطل عليها بشعار او فكرة او خطوة جريئة تعيد لها ما تفتقده من امل وتطلع الى مستقبل افضل. علها تنفض عن نفسها وطأة الانتظار الطويل وخيبة الامل فتأتي شخصية البطل لتحتكر حيزا مهما في الفكر الجمعي والضمير الباطني فتتعلق بانجازه حقيقيا كان أم وهميا وهي لا تفرق بين الحالتين لانها فقدت قدرتها على تحديد الوقائع والتفكير بحلول عملية لحالة الخيبة واليأس فتتعلق بالوهم علها بذلك تداوي جراحها وتصفق لطيف كبير من المخلصين وان كان ليس في استطاعتهم تقديم الوليمة الكبرى والخلاص المرجو.

وبعد ان ازاح النظام العربي نفسه من خارطة التأثير على المسرح العالمي وانسحب وتقوقع خلف فشله المستمر انصرفت الجماهير عنه وراحت تنظر الى ابعد من حدودها لتتعلق بشخصيات تستنجد بها علها تلعب دور المخلص. وفرغت الساحة العربية الرسمية من شخصية البطل لذلك اتجهت المجتمعات الى الخارج علها تجد على الساحة الاقليمية من يبث فيها الامل الذي وحده يجعل الشعوب تستمر في مسيرتها. ومن هنا جاء تعلق العرب باسطورة البطل وان لم تجده في الداخل الا ان عملية البحث تستمر في الخارج وتصفق الجماهير لبطل جديد يظهر على الساحة عله يجد المخرج لازمات حالية استعصت على ابطال الامل او الحاليين الذين فشلوا في حشد الرأي العام خلفهم واكتفوا بالجلوس على كراسي حكم اصابها الوهن من ثقل الجالسين واسترخائهم. جاء اسطول الحرية ليفضح الكثير من المتخاذلين العرب رغم رمزيته الا ان هذا الاسطول اعاد القضية العالقة الى صدر قائمة الاحداث واجبر المتخاذلين انفسهم ان يدبلجوا الكلمات ويصفوا الحروف بعد ان انكشف زيفهم ومماطلتهم وتخاذلهم بل تعاونهم مع نظام عالمي تواطأ مع سلطة جائرة. فرضت حصارا مميتا على اكثر من مليون نسمة. وبعد ان اقفلت الحدود البرية استنجد اصحاب الخير بالبحر عله يفك ازمة حرجة ومأساة انسانية كبيرة.

لن نستغرب ان صفقت الجماهير العربية لتركيا ولغيرها ممن استطاع ان يبرز على الساحة الدولية كمناصر لقضايا العرب ورغم التحليلات التي ملأت الصحف العربية والتي شككت في نوايا تركيا وسلطت الضوء على مخططاتها وحذرت الجماهير من مرحلة استعمار جديدة واعادة للعثمانية السابقة الا ان تحذيرات المرجفين لم تستطع حتى هذه اللحظة ان تقنع الجماهير انهم سيواجهون خطرا قادما يأتيهم هذه المرة من عودة دولة عثمانية تبسط هيمنتها على الامة العربية. وستدخل هذه المرة من بوابة فلسطين. هذا الهراء الاعلامي يصطدم بوعي عربي شامل اذ انه يعرف كيف ان ابطال العرب السابقين هم ايضا تاجروا بالقضية ورفعوا الشعارات المستنفرة. منهم من وعد الجمهور بصلاة في المسجد الاقصى ومنهم من استنفر ليرمي اليهود في البحر ومنهم من رفع راية الجهاد الا ان تلك المحاولات والوعود البائسة اصطدمت بالواقع وتبددت الاحلام وتبعثرت الاوراق وعادت الجماهير الى مرحلة الانتظار. اليوم تركيا ومنظماتها الانسانية التي نفذت مشروع اسطول الحرية وسال دم ابنائها في سبيل هذا المشروع لم تأت بوعود براقة او احلام خيالية. كان المشروع محدودا وله هدف واضح وصريح هو تخفيف معاناة انسانية وفك حصار عبثي لا تزال انظمة عربية معروفة طرفا مساهما فيه. ورغم ان المحاولة لم تنجح في فك الحصار كليا الا انها استطاعت ان تكشف الاقنعة العربية الرسمية ومن هنا جاء الهجوم الاعلامي الشرس ليذكر الجماهير بالقمع العثماني السابق وطمس الهوية والتنكيل من قبل المستعمر. لقد اربك اسطول الحرية النظام العربي الرسمي المنكشف اصلا امام شعبه والعالم بأجمعه فلم يجد الملاذ الآمن الا على صفحات صحفه الرسمية وقنواته الفضائية ليعيد الذاكرة التاريخية الى الوراء عله ينتقص من اهمية الاسطول ويصرف الجماهير عن التصفيق لبطل جديد بعد ان انعدمت فيهم معاني البطولة والنخوة. فراح احدهم يذكرنا بالاموال التي صرفت في السابق على المقاومة الفلسطينية ويستحضر الاحصاءات والدواوين علها تنجده في محاولة بائسة للدفاع عن انظمة فشلت حتى هذه اللحظة في كسب قضاياها الداخلية ناهيك عن القضية الفلسطينية العالقة. لن نلوم المجتمعات العربية ان هي تعلقت بالبطل اذ انها ربما فقدت الامل في ابطالها وهي لا تصفق لهم ولا تتجمهر للقائهم الا اذا جرت الى الميادين واروقة المؤتمرات جرا وان كان بعضهم يخوض الانتخابات فهو يتلقى هبة مقابل صوته اما من كان منهم لا يؤمن بالانتخاب كنظرية او ممارسة فهو ينتظر التصفيق مقابل فتات يسكبه على الجمهور وتبرع يتكرم به بين الحين والحين.

ان غياب العرب كقوة فاعلة في المجتمع الدولي والفراغ الحالي يجعل العربي مهووساً بالبطل المخلص وان لم يجده في الداخل فسيظل يبحث عنه في الخارج. وهذه صفة ملازمة للمجتمعات الضعيفة والتي اضعفتها انظمتها وجردتها من الحرية التي تجعلها تبحث عن القوة في مؤسساتها وانجازاتها وليس بالشخصية البطلة. هذا الفراغ والعدم هما المسؤولان عن التوجه الى المخلص والذي لن تفرزه مجتمعات فاقدة لحريتها وكرامتها وقوتها. وان كانت بعض المجتمعات العربية استطاعت ان تتجاوز انظمتها وتأخذ زمام المبادرة الا انها تظل حالات استثنائية لا تزال في طور النمو بينما تبقى الاكثرية العربية وخاصة الرسمية على هامش التاريخ ينظر اليها المجتمع الدولي على انها سوق تجارية وفرصة استثمارية ويعول عليها المجتمع الدولي في كبح الآمال ومحاربة التطرف. لا يعترف المجتمع الدولي بالانظمة العربية الا من بابين باب الفرص الاقتصادية وباب محاربة اي محاولة تقوض المصالح العالمية في المنطقة. فمن منظور المجتمع العالمي هناك ابطال عرب كثر ولكن من منظور الجماهير العربية هناك الفراغ والعدم. وقد استمرت هذه الازدواجية منذ ان تبلور النظام العربي الرسمي في القرن المنصرم ولا يزال حتى هذه اللحظة غير قادر على ان ينفض غبار التبعية ويعيد لنفسه مركزية فقدها منذ زمن. لن يتخلى المجتمع العربي عن هوسه بالبطل الا اذا استطاع ان يحرر نفسه من ثقل الشخصيات ويبني المؤسسات التي تستمر بعد الافراد فيأتي الشخص ويذهب بينما تبقى المؤسسات المبنية على اسس قوية هي الملاذ الآمن لعودة العرب الى المنصة الدولية كقوة فاعلة في المحافل العالمية. من شرط هذه المؤسسات انها تمثل المجتمع ولا تمثل عليه وتقمعه. وبغياب مثل هذا الانجاز سيظل وهم البطولة مسيطراً على المخيلة الجماعية وحالة الانتظار مهيمنة على العقلية والنفسية العربية. ان كانت تركيا اليوم فرضت نفسها على المجتمع الدولي فهي لم تفرضه بالبطل بل انها فرضته نتيجة تطور مؤسساتها والتي وان تعثرت في السابق الا انها اليوم ترتكز على اسس تضمن استمرارية قوتها فالقوة عملية تراكمية وليست بطولة آنية تزول بزوال البطل.

اما ابطال العرب السابقون واللاحقون فقد اسكرتهم آفات تضخم الانا واصداء تصفيق الجماهير فنسوا ان يتركوا ارثاً لا يندثر بزوالهم عن الساحة.

وها هي شعوبهم التي تعودت على صورة البطل تبحث دون ان تجد شخصية جديدة تملأ الفراغ الحالي. لن يستعيد العرب مكانتهم في المجتمع الدولي الا اذا وجد كل منهم البطل في ذاته وفي انجازه عندها فقط سيكف عن البحث المستمر عن بطولات خارجية تأتي وتذهب دون ان تترك اثراً ملموساً او انجازاً يتلاشى دون اثر. فتعليق الآمال على المخلص المنتظر هو عملية اتكالية فرضها الواقع الحالي وستزول عندما تستتب معطيات البطولات الجماعية والتي هي الوحيدة المخلصة من حالة التهميش والانحسار.

فالبطولات الجماعية ستخلق الدول بجيشها واقتصادها تماما كما حصل في دولة تركيا الحالية وستفرض نفسها على المجتمع الدولي على اساس مؤسساتها وليست شخصيات قيادتها.

ليس للنظام العربي الحالي امل في اختراق القوى الاقليمية التي برزت مؤخراً على الساحة الا بنهضة المجتمعات ذاتها فليبحث كل منا عن بطل في داخله لتتويج مرحلة جديدة نكف فيها عن التصفيق والتعلق بالمخلص الوهمي.


كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

http://www.madawialrasheed.org

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية