2006/06/30
السعودية: طقوس السياسة وسياسة الطقوس
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 15-08-2005
اثبت النظام السعودي انه ككل الأنظمة العربية القديمة والحديثة بحاجة الي مقولات وطقوس تساعده علي توطيد شرعيته.
فرغم محاولات النظام اقناع رعيته انه المثال الحي للدولة الاسلامية المعاصرة الا انه يظل يحتاج الي العنصر المرئي وخاصة في زمن تتصدر الصورة الحية المكانة الاولي في مخيلة الشعوب بعد ان انتشر استعمال الاعلام المرئي. فبينما كانت أنظمة العرب تبني شرعياتها علي مقولات محاربة الاستعمار وطرد المستعمر كان النظام السعودي ينسج صورا مستمدة من المخيلة الدينية، اذ انه استطاع ان يحول الطقوس والشعائر الدينية الي طقوس سياسية بحتة مهمتها الاولي والاخيرة ترسيخ شرعية النظام بطريقة مرئية تكون اقوي بكثير من قدرة الكلمة علي فعل هذه المهمة. هذا التحول في مفهوم الطقس الديني ساعد النظام علي خلق وعي يربط بين مفهوم الدولة الدينية ومظاهر الدين دون التمحيص في ماهية الرابط. كان لطقوس السياسة هذه سياسة مدبرة ومؤدلجة اذ انها تعتمد علي قدرة الطقس في خلق نوع من التمويه يولد اقتناعــــا بدينية الدولة.
استطاع النظام السعودي ان يعتاش لفترة طويلة علي الطقوس خاصة وانها دوماً تكون ظاهرة ومرئية للمتفرج والمشارك سوية. ولد النظام مجتمعاً يعتبر ممارسة الشعائر وعرضها علي الملأ واقامتها علي مرأي ومسمع الجمهور مقياسا وحيدا لهذه الدينية. ظهرت اهمية الطقس مؤخراً في لحظة مبايعة ولي العهد الامير عبد الله ملكا علي البلاد. اثبتت هذه البيعة بشكل جلي ان المجتمع هو بالفعل مجتمع للطقوس الدينية. لا يخفي علي الجميع ان بيعة الملك هذه تختلف اختلافاً جوهرياً عن بيعات تاريخية كبيعة الانبياء وغيرها من البيعات الاسلامية الماضية، ولكن لم يتردد الاعلام السعودي وما يسمي بعلماء الدين من اجراء مقارنات تاريخية تعرض علي الشاشات التلفزيونية هدفها ترسيخ مفهوم البيعة الاسلامية للنظام واقناع الجمهور ان هذه البيعة التاريخية التي تحصل في القرن الواحد والعشرين ما هي الا امتدادا لممارسات المسلمين الاوائل. لقد وصلت الوقاحة الفكرية والاستهزاء بالانبياء والتاريخ القديم الي درجة اجراء مقارنة بين بيعات الانبياء وبيعة حالية لا تعتمد علي اي بعد تاريخي أو شرعي. فمنذ متي كان المسلم يبايع اسرة او افرادها بالجملة. وفي اي نص ديني ثبتت بيعة القياصرة والملوك. لقد فرغت البيعة ومفهومها ولم يبق منها الا الطقس الديني. هذا الطقس امتاز بميزات غريبة اذ انه بدأ بمبايعة فرد او فردين من قبل افراد العائلة ومن ثم عرض القرار علي ما سمي بالوجهاء او اهل الحل والعقد وعلي رأسهم علماء الدين اذ ان هؤلاء هم من يضفي الشرعية علي هذا الطقس والذي لا يكتمل الا بوجودهم ولو الشكلي. يستطيع هؤلاء ان يسخروا علمهم الشرعي في سبيل اضفاء البركة والنعمة خاصة عندما يشرحون للرعية مفهوم الطقس وضرورته ويرتلون الجمل المستمدة من حقبة تاريخية قديمة لاضفاء نوع معين من القدسية والتي هي بالنتيجة عملية تضليل واضحة المعالم. ان استعمال النص الديني في مناسبة ما سمي ببيعة الملك ما هو الا استهلاك مفضوح للدين ونصوصه. وبغياب الخلفية الشرعية لمثل هذه البيعة يتشبث هؤلاء بالطقس ومظهره وكلماته ليتجاوزوا الواقع الحقيقي للنظام وبيعته الحالية والسابقة ومدي قربها او بعدها من النمط الذي يكمن في الذاكرة الدينية والذي تتحدث عنه النصوص الشرعية.
انحصرت اسلامية النظام السعودي بالطقوس الدينية وهذا لا ينطبق علي البيعة فقط بل تتصدر الطقوس وهمينتها علي الخير العام كل مناسبة من حج وصلاة وصيام وغيرها من الطقوس المعروفة. وليس من الغريب ان يستغل النظام هذه المناسبات والشعائر لترويض النفوس وتعويدها وتدريبها علي نمط معين يقلص الدين ويختزله في عمارة المساجد وسقاية الحاج بينما يتجاهل ما هو اكبر من ذلك واعظم. كلنا نعلم ان حتي المجتمعات التي تطبق العلمانية تضطر الدولة الي المشاركة في الخير العام الديني ففي بريطانيا مثلا تدفع الدولة مبالغ كبيرة من الخزينة العامة لمساعدة المدارس الدينية وخاصة التابعة للكنيسة البريطانية وكذلك تمول الكثير من المشاريع الدينية وتدخل في شراكة مع بعض الجهات ذات التوجه الديني. لذلك ليس بالفخر ان يتصدر النظام السعودي المشاريع الدينية والتي تبهر الناظر اليها فالدولة الدينية لا يقتصر مفهومها علي المظهر الديني بينما يطمس جوهرها.
سياسياً اثبت النظام السعودي علمانيته. هو بالفعل نظام يفصل بين الدين والدولة، الأول يبقي مطبقاً اجتماعيا فقط اما شؤون الدولة الاقتصادية والسياسية فهي تدار دون اعتبار للدين رغم الطقوس الظاهرة والشكليات والتراتيل المتكررة. خذ مثلا القضاء. من المعترف به ان الدول تحترم سيادة قانون واحد يطبق علي أرضها ولا تقبل ان تتواجد عدة مصادر للتشريع اذ ان هذا يخل بمبدأ السيادة المرتبطة بالدولة وحدودها. ففي السعودية الكل يعلم ان الزواج والطلاق والإرث وربما بعض السرقات التافهة والأمور الاخلاقية كلها تخضع للشريعة الاسلامية، أما الأمور التجارية والاقتصادية فتخضع لسلسلة انظمة وضعية مرتبطة بمراسيم ملكية وكذلك مؤخراً القضايا الاعلامية حيث لها محاكمها الخاصة بها وهلم جرا. التعددية القضائية والتشريعية هذه حالة فريدة خلقت وضعاً لا تعرفه الدول الاخري وان عرفته فهي تعترف به كما يحصل في الدول العربية الاخري والتي تصر دساتيرها علي ان الاسلام هو دينها ولا تحتفظ الا بقوانين الاحوال الشخصية بينما تسن قوانينها الخاصة الوضعية في المجالات الحياتية الاخري.
هذه التعددية السعودية افقدت القضاء مصداقيته ونسفت مقولات الاحتكام الي الشريعة والتي تتردد من باب الدعاية والتضليل وقد زاد الطين بلة موضوع ما يسمي بالعفو الملكي، هذا العفو ما هو الا دليل قاطع علي مهزلة ما يسمي القضاء. هذا القضاء الذي يجرم ابرياء بعد تلقي الاتهامات من النظام والبحث عن ادلة شرعية لاثبات جرائمهم المزعومة ومن ثم يأتي العفو ليكرس المكارم الملكية التي تأتي علي حساب هذه الهيكلية المسماة محاكم شرعية. ليت النظام يكرس مكارمه علي حساب شيء آخر وليس التلاعب بالقضاة والشرع الذي يزعمون انهم يطبقونه. ان يصيب النظام اهدافه علي حساب هذه المؤسسة هو دليل قاطع علي تجنيد مؤسسة يجب ان تكون مستقلة في سبيل خدمة مصالح آنية وسمعات في طور التبلور. القضاء كغيره من الأمور الجوهرية تحول علي ايدي النظام السعودي الي طقس آخر من طقوس الدين والتي تستغل ابشع استغلال في سبيل بناء شرعيات خيالية تنسجها آلة اعلامية ومؤسسة دينية وحلقات ثقافية همها الاول والأخير اقناع الجميع ان مجتمع الطقوس الدينية يحكم من قبل الدولة الدينية.
استغلال النظام السعودي للدين وشرعيته قد نجح في تحويل دين سماوي جمع بين جوهر عالمي يصلح لكل زمان ومكان وطريقة حياة نظمتها قوانين وقيود معروفة للجميع الي دين يختزل في طقوس دينية تعرض علي الجميع.
وبهذا التحول استطاع النظام ان يقرب بين الاسلام الممارس في بلد كالسعودية والدين اليهودي المعروف بانه نمط واضح من انماط الديانات التي يغلب فيها الطقس الديني علي كل شيء آخر. فبينما المسيحية مثلاً تخلت عن كثير من الطقوس خاصة بمفهومها البروتستانتي نجد ان اليهودية الارثوذكسية بقيت تدور في فلك الطقوس وقيودها. جاء الاسلام ليجمع بين روحانية الدين والجانب التعبدي الطقسي وبذلك تميز عن هاتين السابقتين التاريخيتين اي اليهودية والمسيحية. الاولي اغرقت نفسها في تفاصيل العبادات والحرام والحلال اما الثانية فتجاهلت العبادات واغرقت في الروحانيات والتي ورثتها من فلسفات قديمة كالفلسفة اليونانية. وعلي يد النظام السعودي نجد ان الاسلام في المملكة بدأ يقترب من النمط اليهودي اكثر فأكثر وتم تفصيل وتأصيل جزئيات العبادة حتي غرق المجتمع بأمور ابعدت الاسلام عن وسطيته. فشغل المجتمع بأسره بموضوع دخول المرحاض وبأي قدم يبدأ المرء هذا الدخول او بموضوع الرموش المستعارة هل هي حلال ام حرام اما موضوع البيعة وموضوع الملكية وموضوع الدولة الاسلامية فبقيت موضوعات محرمة لا يتطرقها اي عالم الا بما يكرس شرعية النظام. وبينما كثرت موضوعات الدكتوراه التي تناقش الطقوس الدينية كالطهارة مثلا نجد قحطا ثقافيا متعلقا بموضوعات تحرج النظام ولو من بعيد.
فما فائدة الجامعات الاسلامية اذا كانت لا تنتج الفكر الذي يسلط الضوء علي اهم الأمور التي اقلقت المجتمعات الاسلامية الماضية والحاضرة وتسببت في شتات فكري بل حتي في مآس كبيرة. هؤلاء الذين يتصدرون الجبهة الرافضة لكل شيء وفكر غريب ـ اين هي يا تري اطروحاتهم الشرعية التي تفصل لنا مفهوم الدولة الاسلامية وان وجدت ـ اين هي يا تري؟ لن يستطيعوا ان يقنعوا الجميع ان الدولة الرشيدة الحالية هي نمط متأخر زمنياً ولكنه في جوهره ما هو الا تجسيد لدولة الانبياء والموحدين. ان في هذا تجنيا واضحا علي تاريخنا وعقولنا وقدرتنا علي المقارنة والاستنتاج. عندما كان المجتمع يتلقي الحكمة والكلمة بطريقة شفوية ترددها السنة علماء محليين محدودي النظرة والقدرة ربما تقبل هذا المجتمع التفسيرات الاحادية والتنظير السياسي المستتر تحت عباءة الدين. اما اليوم فالوضع يختلف اختلافا كليا اذ ان المجتمع يتعرض لهجمة اعلامية وفرتها التكنولوجيا الحديثة. اعادت للاسلام تعدديته والتي كانت ملازمة له منذ ايامه الاولي. اليوم لا احد يحتكر التفسير الديني ولا حتي الطقوس الدينية وعندما يبني النظام السعودي شرعيته علي مركزية اقامة الشعائر يستطيع الجميع ان يري بأم عينه كيف تقام هذه الشعائر بعفوية في السنغال وماليزيا والهند وغيرها دون ان تجند طقوس الاسلام لمشاريع سياسية بحتة. هذا التجنيد القبيح له انعكاسات خطيرة علي تطور المفهوم الديني ذاته حيث انه ولد ردة فعل اولي وثانية. الاولي هي نمو جيل كبير يختصر الاسلام ورسالته بظهور الرجل بمظهر من يقيم الطقوس ظاهريا فقط اذ ان ممارسة الطقس نفسه اصبحت بديلا عن ممارسة الدين كرسالة. هذه الرسالة طمستها ممارسات النظام ذاته. فاذا شوهد رجل في المسجد يصلي مع المصلين يتسارع الجميع لابداء احكامهم ومنها تزكيته واعطاؤه بطاقة براءة من كل جرم قد يرتكبه خارج المسجد. اما ردة الفعل الثانية فتجلت في رفض جيل آخر لجميع الطقوس الدينية والتعامل معها علي انها ضرب من النفاق والرياء يستغله النظام لاصابة اهداف خاصة به وليس بالعبادة.
ردات الفعل هذه ما هي الا نتاج طبيعي لعقود من الزمن تم فيها تحويل الدين كخطاب ورسالة وشعائر الي آلية تستهلك يومياً من قبل نظام يبحث عن شرعية في مجتمع بدأ يفصل بين الطقوس الدينية المستهلكة من قبل النظام وبين ماهية هذه الطقوس ومغزاها الحقيقي.
لن ينجح النظام السعودي في دروسه الدينية والتي تقارن يوميا بين بيعة الانبياء القديمة وبيعته الحديثة مهما حشد اطياف العلماء وطوع النصوص ولكنه بالفعل نجح في ارساء دعائم مجتمع الطقوس الدينية في النظام العلماني. فكلما ترسخت علمانية النظام كلما تطورت فنون الطقوس واستهلاكها. لقد حقق النظام نجاحا باهرا في التقريب بين الاديان عندما قرب بين الاسلام ودين سابق يعتمد اعتمادا كليا علي الطقس ويسقط غيره من حيثيات الاديان ورسالتها العالمية. لم يحصل هذا التقارب عن طريق مؤتمرات عالمية تجمع بين اهل العمائم والحاخامات والرهبان بل عن طريق ممارسات يومية اختزلت الرسالة المحمدية بطقس او طقسين وجردتها من جوهرهاوجندتها لمشروع دنيوي سياسي ضيق. وان استمرت المتاجرة المفضوحة بالاسلام وشعائره ستذوب الفوارق بين ديننا ودين الاورثوذوكس من بني اسرائيل.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

