2009/11/30

السعودية: النهضة النسائية الحقيقية ما زالت بعيدة المنال

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 30-11-2009

بعد قراءة كتاب روبرت لاسي داخل المملكة يشد انتباه المتصفح صورة للملك عبدالله بن عبد العزيز وتعليق الكاتب عليها جمعت الصورة صورة الملك وقد احاطت به مجموعة نسائية بعضهن وقفن الى جانبه واخريات افترشن الارض وجاء تعليق الكاتب كما يلي: 'الفيس وجمهوره' مستحضرا فكرة ملك الروك الفيس برسلي وحريمه اللاتي فتنتهن موسيقاه وبعضهن كن يستميتن في حضور حفلاته وترديد كلمات اغنياته هذا بالاضافة الى اعجابهن بشكله وذكوريته.

لا ندري ان كان سيسمح للكتاب بدخول المملكة ومن الارجح ان يدخل هذا الكتاب الى مكاتب ودارات الثقافة رغم استحضار ملك الروك والصاق اسمه تحت صورة خادم الحرمين الشريفين. اذ ان الكتاب يمثل اسمى اطروحات الدفاع عن الملك وتمجيد عهده واصلاحاته وليس به اي نظرة تحليلية او واقعية تقييمية للاصلاحات المزعومة. ورغم ان الكتاب يخاطب الناطقين بالانكليزية الا انه سيترجم وسيروج له في السعودية وغيرها كوثيقة تكرس موقع الكتاب في موقع الخطاب الملكي حيث تخرج القيادة السعودية من طي صفحاته بصورة زاهية وردية على خلفية مجتمع يصور انه متخلف متعصب لن يستطيع احد سوى القيادة الملكية تقليص مدى تخلفه وتعصبه الديني.

ويطرح الكتاب امثلة حية عن النهوض بالمرأة من تعيينات على مستوى رفيع لامرأة واخرى تؤصل لمشاركة المرأة في المرافق الحيوية مما يجعلنا نسلط الضوء على الحراك النسائي الحالي في السعودية والذي يصور للعالم الخارجي على انه نقلة جبارة ومحاولة نهوض بالعنصر النسوي تحت مظلة القيادة الرشيدة. ورغم انف المعترضين والممانعين وخاصة العناصر الدينية التي تطلق التنديد بين الحين والحين ولكن صوتها يخمد وتعاقب بالعزل والاقصاء. يبقى موضوع المرأة ومشاركتها بالحياة العامة موضوعا شائكا ومعقدا ولكن هناك ملاحظات مهمة على التسطيح الحاصل في المقالات الصحافية المحلية وآراء الكتاب الغربيين والذين ينحصر هدفهم في تلميع صورة العرش دون الانتباه الى ثلاثة عناصر ساهمت في التهميش لدور المرأة في النهضة والمشاركة الاجتماعية.

العنصر الاول والاهم هو دور الدولة والتي استغلت المرأة واقصاءها لتثبت شرعية دينية مرئية. لقد استغلت الدولة السعودية موضوع المرأة وجندته اما لتثبت شرعية دينية واما لتثبيت دورها الريادي في النهضة.

فكانت تحجر على المرأة عندما تتعرض شرعيتها للاهتزاز تماما كما حصل بعد حادثة جهيمان عام 1979 وهي اليوم بعد ان اهتزت شرعيتها من الخارج على خلفية انتقادات المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) نجدها تجاهد في سبيل تبديد الصورة النمطية عن الوضع الاجتماعي وتحاول ان ترسم لنفسها صورة حضارية جديدة على اكتاف النساء.

هذا التأرجح الحاصل اليوم يميل الى استغلال رمزية العنصر الانثوي من اجل تحقيق مكاسب تكون ابعد من المرأة ذاتها وحقوقها. وتبدو الدولة انها مستعدة لان تستأصل موضوع المرأة من ايدي السابقين الذين كانوا يحددون حيز عملها ومشاركتها في الشأن العام.

والسعودية في ذلك تخطو خلف من سبقها من الانظمة القمعية التي تحاول ان تستغل موضوع المرأة لكسب بعض الانتصارات. فكم عرفت المنطقة العربية والاسلامية من شخصيات دكتاتورية شدت على يد النساء ومكنتهن من بعض الحقوق رغم قمعها المستشري. وهنا عندنا امثلة تاريخية مهمة كتجربة اتاتورك في تركيا وشاه ايران وغيرهما من الشخصيات العربية التي تبوأت كراسي الحكم في الجمهوريات العسكرية العربية اليسارية منها والقومية. حيث الكل تشدق بحرية المرأة وحقوقها واعطائها حق الانتخاب رغم كون هذه الانظمة كانت ولا تزال اقصائية للرجل والمرأة معا. وتلتحق السعودية في المركب الذي جربته الشعوب العربية سابقا وهي اليوم تحاول ان تستفرد بموضوع المرأة وتقرير مصيرها وهي بذلك تحاول ان تقصي الفعاليات السعودية الاخرى التي احتكرت الحديث في مصير المرأة وتحديد الاطار الذي يعرف موقعها في المجتمع كالعائلة والسلطة الدينية.

وتعمل السعودية وقيادتها في استبدال البطريركية العائلية والدينية ببطريركية الدولة وان كانت بطريركية المجتمع المتمثلة بسلطة الاب والذكور قادرة على توفير حيز قد تتوفر فيه فرص النقاش والحوار وبعض الحقوق. الا ان بطريركية الدولة هي بيروقراطية جامدة وصارمة وستجد بعض النساء انفسهن غير قادرات على التعاطي مع هذه الصرامة بنفس الاسلوب الذي تتعامل فيه المرأة مع بطريركية الأب والمجتمع في حنايا الاسرة. تجد المرأة ان كانت متمكنة تعليمياً من استنزاع بعض الحقوق وكثير من نساء السعودية حصلن على هذه الحقوق بالتفاوض مع ذكور العائلة وحتى نسائها ووجدت النساء الكثير من التمكين والابداع والمؤازرة من المجموعة الذكورية في العائلة.

والسؤال المطروح هنا يدور حول قدرة المرأة على التفاوض مع الدولة ومؤسساتها بنفس الاسلوب الذي تتبعه مع العائلة والارحام. عندما تنزع الدولة عن الاسرة حق حقرير مصير بناتهن وتصبح المتحكم الاول والاخير في مصير المرأة نجد النساء يفقدن القدرة على التفاوض والنقاش وخاصة نساء السعودية اللواتي يفتقدن لمؤسسات خاصة بهن تتحدث باسمهن حيث تمثل هذه المؤسسات فعاليات ضاغطة على القيادة لاكتساب حقوق شرعية وليست رمزية.

بانعدام المؤسسات النسائية ما عدا الجمعيات الخيرية التي تتصرف ضمن اطار تحدده الدولة وذكورها نجد ان فرص النهضة النسائية الحقيقية مازالت بعيدة المنال. قد تغري السلطة المرأة ببعض المناصب ولكنهن يقعن في فخ السلطة اذ انهن يصبحن رمزاً فقط لمدى تحضر القيادة وليس معياراً تقاس به انجازات المرأة ومدى استجابة النظام لحقوقهن ومشاركتهن في الشأن العام.

وان ظلت المرأة تستدعى كمستشارة في موضوع المرأة فقط ستظل نساء السعودية كغيرهن من نساء العالم العربي الذي حصرت السلطات مشاركتهن في موضوعات تخص المرأة فقط. وهذه مشاركة ناقصة غير قادرة بالنهوض بمجتمع متكامل.

ثانياً: نلاحظ ان الانظمة الشمولية مستعدة لاستحضار العنصر النسائي في خطاباتها وتشريعاتها لأن ذلك لا يشكل خطراً حقيقياً على مسيرتها الاقصائية للمجتمع برجاله ونسائه وما تعطيه للمرأة بشكل فتات لا يقوض دعائم التسلطية السياسية باشكالها المختلفة بل هو مجال تستحضره في حقبات تاريخية وتحت ضغوط سياسية آنية ان زالت هذه الضغوطات نجد ان السلطة تنسى موضوع المرأة وتتجاهله بل هي مستعدة لان تنتكس في تشريعاتها وتعيد موضوع حقوق المرأة الى ارشيف السلطة حيث يخمد حتى موعد الجولة السياسة القادمة. فتحجر على المرأة وتقلص مكاسبها السابقة ان كانت شرعية النظام تتطلب مثل هذه الاستراتيجية او تفسح المجال لبعض العناصر السياسية الفاعلة لتقوم بالمهمة نيابة عنها.

هذا التذبذب المرتبط بمتطلبات السلطة يعتبر تأرجحاً تتطلبه السياسة ومعاييرها وليس التزاماً بنهضة نسوية. حقيقة لا رجوع عنها او تخلفا عن مسيرتها. وطالما ظلت السعودية تفتقد لمؤسسات تمثل المرأة باستقلالية وشفافية لن تنفع التعيينات الآنية او صور تستحضر شعبية ملك الروك الامريكي.

ثالثاً: اقصاء المرأة في بلد كالسعودية مرتبط بالنفط واقتصاده حيث أخر النفط وصناعته مشاركة المرأة في مجالات اقتصادية اخرى ومقارنة مع دول اخرى كالهند مثلاً نجد ان حتميات مشاركة المرأة الاقتصادية قد فرضت على القيادة التعاطي مع حقوق المرأة العاملة في المصانع والمرافق التجارية وغيرها بينما كانت الصناعة النفطية صناعة ذكورية بحتة لم تستطع المرأة ان تخترقها لطبيعتها الخاصة وان دخلتها نجدها تدخل كمساعدة في دور ثانوي وهامشي وبما ان معظم نساء السعودية يعملن في التعليم او المجال الطبي نجد هذه الادوار في مجملها تحمل طيات الاهتمام بالآخر والتربية. وكلها ادوار لعبتها كامتداد لدورها كمربية وأم ومنشئة للاجيال.

وطالما ظلت المرأة السعودية غير منظمة في مؤسسات مستقلة لا تخضع لطبيعة العلاقات بين القيادة والمجتمع وغير منسقة باتحادات عمالية حتى في التربية والتعليم، ستظل غير قادرة على التحول الى قوة فعالة وقادرة على فرض حقوقها على اجندة المسؤولين وان ظلت المرأة تلعب دور المستشارة في شؤون المرأة فقط لن تستطيع ان تشارك في تصور نهضة حقيقية للمجتمع برجاله ونسائه واطفاله.

وستظل شعارات مناصرة نون النسوة شعارات براقة تماماً كما هو شعار نصرة اهل السنة.


' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية