2009/09/28

السعودية: معضلة التنمية المسيجة

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 28-09-2009

كان افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية حدثاً اعلامياً سياسياً اكثر منه اكاديمياً حيث تم التركيز على كلفة الجامعة ومعداتها وتقنيتها وكونها تتوج رؤية اصلاحية جديدة دشنها الملك. وجاءت الجامعة كنقلة مستقبلية بديلة لنقلات كانت متوقعة على صعيد التنمية البشرية والسياسية والاجتماعية. وركز الاعلام السعودي على نقطة الاختلاط المتوقع في الجامعة وكأنه الأهم في مسيرة تعليمية تخالف ما هو متبع حالياً في مرافق التعليم الموجودة. وهو وحده ما سيفتح المجال لثورة تعليمية قادمة.

لقد افتقد الجدل حول الجامعة ركيزة مهمة اتسمت بها مشاريع التنمية السعودية منذ بدئها والتي توجتها شركة ارامكو منذ بدء عملها في السعودية في الثلاثينات من القرن المنصرم. قامت التنمية على مبدأ تسييج كل ما هو جديد وغريب عن محيطه الاجتماعي. وكانت نظرية السياج الذي فرضته أرامكو على عمالها الأجانب تكرس هذا المبدأ حيث خلقت منذ أيامها الأولى جداراً يعزلها عن محيطها وانشأت مجمعات سكنية لعمالها وموظفيها فنمت المدن والمخيمات بعيداً عن الرقابة الاجتماعية وبمعزل عنها. وحتى بعد سعودة مؤسسات ارامكو ظل مبدأ السياج معتمداً بل حتى انه تحول الى نمط يتبع في مناطق مختلفة. وحتى هذه اللحظة تظل المجمعات السكنية المسيجة والتي يقطنها الاجانب الغربيون هي المأوى الذي يفضلونه بينما يتوزع العمال ذوو الدخل المحدود على أحياء خاصة فقيرة. لقد خلقت التنمية المسيجة ازدواجية وشرخا في المجتمع السعودي حيث تطورت واحات تقنية ومهارات متقدمة معزولة عن محيطها ورغم ان المجتمع السعودي قد استفاد من انجازات ومدخول النفط خلال السنوات الماضية وخاصة من الناحية المادية والتكنولوجية الا انه ظل منعزلاً عن الفكر الذي يقف خلف هذه الانجازات. ولم يكن من المستغرب ان يحدث انفصام مجتمعي لم تتخلص منه السعودية حيث يعتبر البعض هذه المرافق التنموية واحات فيها من الحرية ما هو غير موجود على الساحة الاجتماعية. اما البعض الآخر اعتبرها بؤر فساد تخالف طبيعة المجتمع. ولم تكن مفاجأة كبيرة عندما طال العنف مثل هذه المجمعات منذ التسعينات حيث استهدفت من قبل القاعدة. وتأتي الجامعة الجديدة لتكرس مبدأ التنمية المسيجة والتي ستكون حمايتها وحماية العاملين بها من اكبر الهموم السعودية خاصة وانها تبشر بنمط معيشي يختلف تماماً عن مفاهيم المجتمع وتقاليده. وبينما جامعات العالم تكتفي ببعض العاملين الذين يضمنون أمن المباني الجامعية لحمايتها من السرقة والعبث الا ان الجامعة السعودية الجديدة ستحتاج الى فرق أمنية لتضمن عدم اقتحامها من قبل المعترضين على توجهها الاجتماعي وليس

العلمي او الاكاديمي. ويظهر ذلك بوضوح من خلال مراقبة اي نشاط جديد ادخلته القيادة السعودية ولو كان فنياً او فكرياً فمن مسرح الى سينما مروراً بمعرض كتاب يظل الامن مرافقاً للأنشطة المختلفة وهاجساً يرافق افتتاح المرافق الجديدة. بالاضافة الى معضلة الأمن وأهم منها هو كون التنمية المسيجة مدخلاً لترسيخ ازدواجية اجتماعية واقتصادية حيث تنمو طبقة متعلمة ومتمكنة من اجادة التعامل مع التقنيات الحديثة ومؤهلة علمياً ولغوياً وتعيش بمعزل عن محيطها وتستفيد من فرص عمل متقدمة على حساب اكثرية اكتسبت مهارات محدودة او حتى منعدمة نتيجة انخراطها بمؤسسات تعليمية قديمة مترهلة وغير قادرة على تهيئة جيل جديد يقتحم السوق الاقتصادية الحديثة لما تتطلبه من مهارات متقدمة وتقنيات عالية المستوى. تعمق التنمية المسيجة هذه الطبقية التي تتجاوز ابعادها الناحية الاقتصادية وتطال تركيبة المجتمع في الصميم. فتخلق اقلية متمكنة وأكثرية مهمشة. تصبح الاولى واجهة تخفي الوضع المزري للثانية وتستغل الاولى كواجهة اعلامية تقدم للعالم علّها تحجب واقع المجتمع وتخلف فرص التعليم المتاحة له والمرافق الاقتصادية المحدودة المتوفرة له.

ويرافق هذا الشرخ الاجتماعي شرخ فكري وسلوكي مرتبط بالفرص المتاحة الجديدة حيث تنعزل الاقلية في نمط عيشها وتفكيرها عن الاكثرية بل انها تفضل العيش في مجمعات معزولة حيث تستطيع ان تعيش حسب مبادئ جديدة ومعطيات لا يسمح المجتمع بممارستها خارج اسوار المجمع السكني او الواحة العلمية من مدرسة مختلطة مرورا بقيادة السيارة. تماما كما يحصل حاليا في المراكز السكنية التابعة للمنشآت النفطية. ستظل السعودية تعيش حالة انفصام اجتماعي مرتبطة بمبدأ التنمية المسيجة التي تمثل الجامعة الجديدة نموذجا له. ولهذا الانفصام تداعيات مهمة على تطور المجتمع في المستقبل. وتستهلك هذه المبادرة من الجهد والمال على حساب التنمية المفتوحة التي تستوعب اكبر شرائح اجتماعية دون ان تعزلها في منشآت نائية بعيدة عن الاعين. وتم التسويق للجامعة على انها للعالم بأجمعه بينما هي معزولة عن مجتمعها القريب بفكرها والسلوكيات التي تروج لها ومن هنا جاء استقبال الطلبة من الخارج الذين تتكفل الدولة بمصاريف تعليمهم وقد تجاوز عددهم عدد الطلبة السعوديين المنخرطين في السنة الدراسية الاولى. وبينما تصرف الاموال الطائلة على البعثات الدراسية للطلبة السعوديين في الخارج نجد الدولة تؤمن التعليم المجاني لطلبة الخارج المتقدمين الى مقاعد البحث في جامعتنا الجديدة. وحتى هذه اللحظة لم نسمع ان جامعة عالمية قد سمحت للسعوديين بالتعليم المجاني بينما ارتبط تسويق المشروع الجديد بهذه الهبة. وربما تفتقد السعودية حاليا الى عدد كبير من الطلبة المهيئين للبحث العلمي العالي على مستوى الماجستير والدكتوراه حاليا لذلك توجب استقبال هذا العدد الكبير من الطلبة الاجانب.

مما يطرح سؤالا عن امكانية مؤسسات التعليم القديمة توفير المؤهلات العالية التي تمكن الطالب من الانخراط في صرح علمي متطور وكان على الحالمين بهذا المشروع الجديد ان يربطوه بمؤسسة تحضيرية تؤمن عددا معقولا من الطلاب الذين يهيئون للدراسات العليا. وكما تستورد القطاعات الاقتصادية والعلمية كوادر التعليم من الخارج يبدو ان الجامعة بدأت باستيراد الطلبة مع طاقم التدريس ورئيس الجامعة.

تطرح فكرة الجامعة المسيجة معضلة قديمة هي علاقة التطور العلمي بالحالة الفكرية والاجتماعية. ونحن نعلم ان صروح البحث العلمي العالمية والجامعات العريقة كانت قبل ان تخترع الانجازات العلمية صروحا فكرية. ومعظم هذه الجامعات كانت في السابق مدارس للنقاش الديني. خذ مثلا تاريخ اعرق جامعتين في بريطانيا وهما جامعة كيمبردج واكسفورد حيث نمت سجالات دينية وفكرية مهدت لاختراعات علمية فتحولت هذه الجامعات من مراكز لاهوتية الى مراكز علمية حديثة استطاعت ان تجمع بين الدين والفلسفة والاختراع العلمي تحت سقف واحد. عندها فقط استطاعت هذه الجامعات ان تنهض بمجتمعها وتعمم تجربتها على جامعات اخرى استفادت من سجالاتها وانجازاتها واستقطبت الكوادر التعليمية والمهارات من بلدان العالم المختلفة.

ففكرة الجامعة تتجاوز المختبر المسيج والكافيتريا المختلطة والمعدات الحديثة والمبنى العتيد والكمبيوتر الجديد الى ما هو اكثر جوهرية ومركزية. الحرية الفكرية هي قاعدة الجامعة الاولى والاخيرة حيث تضمن للباحث تجاوز الحدود مهما كان اختصاصه ومجاله. فيقفز ويشطح باختراعه علميا كان ام انسانيا دون وصاية فوقية او بهرجة اعلامية والقيد الوحيد المفروض عليه هو ما تفرضه اخلاقية البحث العلمي التي يحددها المجتمع بمؤسساته. فتفتح مجالات البحث الواسعة ضمن حدود اخلاقيات تكرسها قوانين البحث العلمي. عندها فقط يستفيد المجتمع من اي اختراع او انجاز ولا يظل هذا التقدم واحة معزولة عن مجتمعها تصرف عليها الاموال الطائلة دون ان تصل فائدتها الى محيطها. علاقة الجامعة بمجتمعها علاقة عضوية ابعد ما تكون عن مشروع التنمية المسيجة.

' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

 

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية