2006/06/30
رحيل الملك فهد… ومحاسبة المرحلة
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 04-08-2005
منذ اكثر من عقد من الزمن والجزيرة العربية تحكم من قبل خمسة ملوك ومنذ يوم الاثنين الموافق 1 آب (اغسطس) 2005 اصبحت تحكم من قبل اربعة ملوك. لن نمجد الفقيد كما فعلت الفضائيات والجرائد المملوكة من قبل النظام السعودي، لن نظهره بمظهر العفيف الطاهر المدبر لشؤون الوطن صاحب التنمية والتقدم، اذ اننا نؤمن بأن الكمال لله وحده. لن نخلد ذكراه كما تخلد سيرة الانبياء فهذا ما لا تقبل به عقيدتنا ومنهجنا. كذلك لن نستعرض شخصيته من باب تعداد مساوئه وزلاته كما فعلت بعض الجرائد الغربية. هذا الغرب والذي ارتمي في احضانه مليكنا لمدة ثلاثة عقود هو نفسه اليوم يسلط الاضواء علي زلاته والتي في مجملها كان الغرب مسرحا لها. لن نفعل هذا لاننا نتقيد بقيود تمنعنا من التشهير بالموتي خاصة واننا نعلم ان الله وحده هو من سيحاسبهم في آخرتهم. وبهذا الاسلوب نرفض ان نتدني الي المستوي الذي يتبعه النظام والذي يشهر بمعارضيه في حياتهم ومماتهم فنحن أرقي من ان ننزل الي هذا المستوي والاسلوب في التعامل مع من لا يتفق معنا ولا يجمع علي آرائنا.
بدلا من هذا كله سنحاسب مرحلة تاريخية، وان كان الملك صاحب القرار الاول والاخير في هندستها ورسم ملامحها الا انه يعتمد في بلورتها علي طاقم كبير من المساعدين والابناء والاخوة وغيره.
داخليا: ارتبطت العقود الثلاثة الماضية باقتصاد متذبذب اذ انه ارتبط بسلعة واحدة سعرها قد ينخفض الي ثمانية دولارات ويرتفع الي ستين دولارا. امام هذه الحقيقة ولد اقتصاد بقي رهينة هذه السلعة والطلب عليها. فشل النظام في ايجاد حل لهذه المشكلة والتي افقرته في منتصف الثمانينات واوائل التسعينات وها هي اليوم قد اغنته بعد الصعود الكبير في اسعار هذه السلعة. لم يستطع النظام ان يحد من اعتماد اقتصاده علي هذه السلعة ولم يستطع ان يتحكم بالاسعار الا اذا كان انخفاضها في مصلحة الغير.
ضخت مضخاته المزيد والمزيد عام 1990 ومن ثم عام 2001 ومن ثم الآن حتي لا يتأثر الاقتصاد العالمي ولكن هل من فكر في مخزون البلد وفي مستقبله وفي مستقبل الجيل الشاب القادم؟
اجتماعيا، دخل المجتمع عصر الآفات الاجتماعية فكثرت الجرائم وحالات الانتحار والادمان والاضطراب النفسي ناهيك عن حالات الطلاق والعنوسة والشذوذ وغيره. هذه الآفات فندت مقولات العفة والطهارة والتدين اذ انها صدمت الاباء بأبنائهم وثكلت الامهات. طبعا لا احد يعتبر المجتمع مجتمع ملائكة ولكن علي خلفية المقولات التالية انصدم الجميع بحجم الكارثة ومدي انتشارها بين اطياف المجتمع المختلفة والمتباينة. شباب يتسكع في الشوارع ومطاردات في المدن ومغازلات في مراكز تجارية وجرائم قتل هنا وهناك. ونحن هنا لسنا بصدد مجتمع صناعي تأتي ثروته علي حساب بعض الممارسات الاجتماعية بل نحن بصدد مجتمع ما زال يعتبر الاواصر العائلية والمثاليات منهجه. ماذا حدث يا تري؟ غناء فاحش مارسه الامراء وحلقات الولاء علي مرأي ومسمع الاكثرية. تفشي البذخ وانتشرت الاستهلاكية في طبقات المجتمع التي اصابها الثراء علي خلفية اقتصادية غير متصفة بالثراء. فبينما كان الدخل القومي ينخفض في الثمانينات كان دخل افراد الاسرة الحاكمة يزداد وقصورهم تنتشر من الرياض الي جدة مرورا بلندن وباريس وجنيف وغيره من عواصم العالم ومنتجعاته. لم يستوعب المجتمع هذه التناقضات. اصبح منهج الثراء السريع الشرعي وغير الشرعي هو النمط المتبع ليس فقط من قبل الامراء بل حتي من قبل من لف لفهم. اختلطت الامور في عقول الكثير بعضهم التحق بالركب يسرق وينهب ويبني قصورا في الداخل والخارج وبعضهم لاذ بالمخدرات واخرون تقوقعوا مفضلين الانزواء علي الانخراط في عملية جمع الاموال السريعة. اصبحت النساء سلعة تباع وتشتري والمهور ترتفع وتنخفض وكأننا في سوق النخاسة. لم نعد نكتفي بزيجات شرعية بل ظهرت علينا انواع اخري لم نكن نسمع عنها او ندري بها. وتصدر المشرعون يشرعون لها ويحللونها تارة لامتصاص العنوسة وتارة لرغبات خفية والله اعلم. انبهر المجتمع بالثراء السريع والويل الويل لمن لم يلتحق بالقافلة فلا علم يعطي المرء قيمة في سوق الرجال والذي صنع مؤخرا ولا أصل ولا سيرة حسنة. اصبحت الامور تقاس بالمال والمال فقط. اصبح الكرم مرضاة للجميع ومفخرة يزايد بها علي الاخرين. اصبحت الصدقة وسيلة في كسب الارصدة وليس اطعاما للمسكين. اصبحت الصلاة مسرحية للمشاهدين. اصبح تحفيظ القرآن مهرجانا للأمراء. اصبح الحج طقسا من طقوس السياسة وليس من طقوس الدين. اصبحت الفتوي مرسوما ملكيا وليس اجتهادا علميا. اصبحت الثقافة سعودية بعد ان كانت اسلامية ثم عربية. كنا امة اسلامية اصبحنا وطنا ومن ثم بدأنا نبحث عن هوية. كنا قبائل بدوية شرسة متوحشة اصبحنا فجأة وبقدرة قادر خليجيين. استبدلنا الهوية المنتزعة من الدين والثقافة بجغرافيا معظمنا بعيد عنها. ولكنها كانت ارادة الغير والتي كان لها ما كان. طلب منا ان نصبح خليجيين فأنشأنا مجلسا وجلسنا فيه او بالاصح جلسنا عليه واليوم بدأ هذا المجلس يتصدع وعلي يد من؟ هؤلاء الذين امرونا ان نشيده انفسهم. هم ذاتهم بدأوا يسحبون عفشه قطعة قطعة اذ ان مهمتــــــه قد انتهت.
خارجيا: تميزت مرحلتنا التاريخية هذه بانجرارنا وراء الغير في سبيل الحفاظ علي نظام قضي علي كل مؤسساته المستقلة وشيدت آلته القمعية ـ استوردنا اكثر الآلات قدرة علي التضليل والقتل، استعملنا الاولي كأبواق اعلامية والثانية لقهر المجتمع المحلي. عاوننا علي هذه المهمة اقوي دولة في العالم باعونا آلات تجسس وتنصت فشلت في اكتشاف خطط الغير ومطامعهم ولكنها نجحت نجاحا تاما في مراقبة المحلي المجرد من القوة والارادة. اشترينا طائرات ودبابات لا تطير ولا تسير الا في اجواء مدننا المحلية وشوارع القري النائية. دفعنا ثمنا باهظا لأن السوبرماركت محتكرة من قبل مجموعة ضيقة لا تتسع للآخرين.
خلال هذه المرحلة التاريخية ضربنا اكبر دولتين اسلاميتين من حيث الموارد والقدرة البشرية بعضهم ببعض ووقفنا نمول الضربة بملايين الدولارات علي امل ان تهلك الحرب الدولتين ومن ثم نخرج من المأساة كما تخرج الشعرة من العجين. لكن هيهات للمؤامرة ان تنجح. وقعنا في فخ مؤامراتنا خلف الكواليس. وصدمنا عندما التفت علينا أصدقاء اضداد جمعتهم المؤامرة وفرقتهم المصلحة. وعندما طاح الفأس بالرأس التفتنا الي حليفنا نطلب الاغاثة. فأتي ملبيا ودفعنا الثمن الغالي. وانحدرنا الي الحضيض وخسرنا الهيبة والسمعة ولكننا انتصرنا حسب التعريف الرسمي لمعني النصر.
ولم لا ننتصر اذ ان النصر اليوم يقاس بمدي بقائنا علي الكراسي وتربعنا علي العروش؟
خلال هذه الفترة رابطنا علي كل ثغر. في نيكاراغوا جاهدنا بأموالنا ونفطنا. لم نعتبر جهادنا في هذا البلد فرض كفاية بل كان فرض عين عينته السي. اي. ايه لنا لنخرجها من عدم مرونة قوانينها المحلية والتي تحرم عليها دفع مبلغ اكثر من ثلاثين مليون دولار لحبك المؤامرات ضد انظمة لا تحبها. نحن لا نتقيد بمثل هذه الجزئيات لذلك جهادنا في نيكاراغوا كان من باب مساعدة الصديق. كذلك جاهدنا علي ثغور اسلام اباد وقندهار وغيره ليس حرصا علي اخواننا المسلمين من البشتون والبلوش وغيره بل من باب حرصنا علي تنفيذ مشاريع الغير. هذه المرة كان جهادنا بالمال والرجال. صدرنا الفائض البشري والذي قد يخل بالامن المحلي الي تورا بورا علنا نتجاوز مرحلة صعبة. جندنا المجتمع واطيافه وتذكرنا مرة اخري اننا مسلمون وبدأت القوافل ولكنها عادت. نعم عادت ليس لنفتخر بانجازها الحضاري ونصرها المبين بل عادت لتجد نفسها انها فجأة تحولت من مجموعة كانت يوما ما تسمي جهادية الي مجموعة تسمي اليوم بالارهابية. من كان مجاهدا في الثمانينات هو اليوم المجرم الارهابي الابن العاق ـ الجاهل بالعلم الشرعي المضلل المفسد في الارض. نصبنا انظمة بدعمنا واموالنا واعترفنا بهذه الانظـمة وطبلنا لها لانها نموذج الدولة الاسلامية المعاصرة لنعود ونسحب اعترافنا فجأة وبسرعة بهلوانية. ومرة اخري طلب منا اسيادنا ان نسحب الاعتراف بعد ان كان قد غض البصر. اثبتنا اننا برغماتيون من الدرجة الاولي رغم مقولاتنا التي تمجد احترامنا لشرع ثابت غير متحول او متغير. بعثنا من جنسناهم واغدقنا عليهم الاموال لكل دولة وحكومة ونصبناهم رؤساء ووزراء من باب الاخوة وسحبنا جنسيتنا من ابناء بلدنا ومن له جذور قديمة في تربتها. هؤلاء نسحب جنسياتهم ونلفظهم الي الخارج لانهم مصدر ازعاج لنا. لم نفرق بين من يستعمل القلم ومن يلوح بالسيف، الكل سواسية اذ انهم اما فئات ضالة او عملاء. نحن نحتكر العمالة ولا نقبل بالمنافسة حتي وان اتت من داخل الشركة ذاتها ومن المساهمين فيها.
في هذه المرحلة تكرس موقعنا من الاعراب فنحن لسنا بالمجتمع بل نحن مصدر نفط وموقع استراتيجي لا اكثر ولا اقل. لم نعد وطنا رغم تشدقنا بهذه المصطلحات بل نحن بئر عميق يفرغ يوما بعد يوم وجسر تعبره القوات الغازية في طريقها الي بلدان الجوار. نحن من حول الـPax americana من حلم الي واقع. نحن لم نكتف بوجود عسكري بعيد خلف الافق بل اردنا علاقة حميمة في الاحضان وفي عقر دارنا اذ اننا اهل الكرم والشهامة. لكن هذه الشهامة تكسرت عند ابواب بغداد خلال اعوام الحصار. تكرمنا بأجوائنا وارضنا لتجويع اطفال العراق وتركيع اكثر الشعوب العربية عزة وكرامة. كنا نتبادل القبل مع قيادة هذا الشعب ونقيم المعسكرات الصحراوية لمن هرب الي ارضنا ودخل حدودنا. في اجتماعات القمم نتهم البعض بالعمالة وننسي تاريخنا الحافل. فهل استقطاب الزعماء العرب وعبوديتهم لمن استعبدنا ومن ثم خلف الكواليس نكيد لهم ونمول معارضاتهم هنا وهناك؟
هل يا تري انتهت هذه المرحلة التاريخية يوم الاثنين؟ بالطبع لا. الشركات المساهمة عمرها طويل، خاصة انها بنمطها الذي تبلور خلال العقود الماضية قادرة علي التوريث الذي يؤدي الي استمرارية المنهج رغم ان الاسلوب والطريقة لتفعيل الخطوط العريضة قد تختلف بعض الشيء من رئيس مجلس ادارة الي آخر. هناك من يفضل الاسلوب المباشر كالقمع والسجن ومنهم من يميل الي المراوغة وشراء الولاء وغيره من اساليب الاستقطاب. وهناك من يجمع بين هذين الاسلوبين بعضهم من يدين غلونا ومنهم من يدين انفتاحنا وبعضهم من يحاول اقناعنا اننا امة وسط. بعد استعراضنا لهذه المرحلة التاريخية نتساءل اين الوسط؟ هل الوسط هو تمجيد الاموات؟ هل الوسط قصور شامخة واحياء فقيرة؟ هل الوسط امبراطورية اعلامية تمتد من واشنطن الي الرياض مرورا بصفحات مشتراة من مجلة الاكونومينست و اللوموند و الفايننشال تايمز .
في زمن تحول فيه الوطن الي مهرجان لا نستعجب ان رقص مرجان. ولكن السؤال المطروح الآن علي اي نغمة وايقاع ستعاد صياغة الاوطان.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي