2009/06/29
الكوبري: حصاد الاصلاح السعودي
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 29-06-2009
دخلت في نقاش حول انجازات الأعوام الأربعة السابقة مع احد الكتاب السعوديين على قناة فضائية وتناولنا قضية الإصلاح السياسي، وانتهى الحوار الى موضوع الكوبري وشبكة الطرق السريعة المعبدة التي تربط مدن المملكة خاصة تلك التي تم انجازها خلال عهد الملك عبدالله. ونستغرب الالتباس الذي يحصل عند البعض خاصة اولئك الذين يخلطون بين مفهومين احدهما يتناول الاصلاح السياسي وآخر يستشهد بانجازات مادية منها تطوير البنية التحتية بما فيها 'الكباري' والمطارات وغيرهما من مرافق الحياة. لا يزال مفهوم الاصلاح مغلفاً بمعايير الانجاز المادي المرئي ولا يتجاوزه الى جوهر الاصلاح السياسي الذي طالب به الكثيرون في السعودية وصاغوا العرائض من أجل تبلور مفهومه وجمعوا التواقيع المطالبة به ودخل بعضهم السجن وحرم آخرون من ابسط الحقوق بسبب الحراك الذي قاموا به.
هذه المطالب الاصلاحية تجاوزت موضوع الكوبري وتطرقت الى ما هو اكثر شمولية حيث طرحت وثائق الاصلاح رؤية واقعية لتغيير حقيقي لا يزال حتى هذه اللحظة معلقاً ومتوقفاً على ارادة عليا لم تستجب له واكتفت بنظرية الصبر والتدرج ومقولة ان المجتمع ليس مهيئاً لقفزة تنقل النظام السياسي الى مرحلة الانفتاح المرجو الذي ايضاً يتجاوز موضوع ادخال السينما والمسرح الى ما هو أهم كالمشاركة السياسية وسيادة القانون وفصل السلطات وأي تغير جوهري حصل في العالم كان نتيجة حراك شعبي تنخرط فيه النخب والمجتمع المدني لمدة عقود طويلة ترضخ تحت ضغطه القيادة السياسية وتتنازل فيه عن استئثارها بالسلطة وبما أن السعودية بتركيبتها الحالية الاجتماعية واقتصادها الريعي قد أخرا هذا الحراك الا انه كان متلازماً مع تثبيت الدولة الحديثة ولم ينقطع ابداً. ولكن هذا الحراك لا تقابله رغبة حقيقية في التغير السياسي والنقلة النوعية من قبل المحتكرين للسياسة في البلاد. اكتفت القيادة بالتنمية والتي رافقتها طفرة نفطية خاصة في السنوات الماضية مما جعلها تختبئ خلف الانجازات المادية لتؤجل الاستجابة لمطالب الاصلاح السياسي فتوقفت عجلته رغم بعض المطالب التي لم تجد مكاناً سوى صفحات الانترنت لتعبر عن رغبة حقيقية وقفزة نوعية في تركيبة الحكم الداخلي.
وظلت هذه المطالب بعيدة عن اضواء الاعلام الرسمي الذي لم ينشر حتى هذه اللحظة خبر هذه المطالب أو التعليق عليها من قبل أي مسؤول رفيع المستوى. يحصل هذا على خلفية ادعاءات رسمية بانفتاح الصحافة السعودية ويبدو انها اليوم اكثر انشغالاً بالشأن الايراني من انشغالها بالشارع السعودي ومطالب نخبه الاصلاحية. وينشغل هذا الاعلام بالانتخابات الايرانية ونتيجتها اكثر من انشغاله بالغاء الانتخابات السعودية في بلديات محلية أو قمع الحريات في بلد تعتبر فيه مصادرة حقوق الانسان من مسؤوليات النظام. ويتبجح الاعلام السعودي بنكبة الديمقراطية في ايران وقمع الاصلاحيين وتيارهم في شوارع طهران بينما يظل مصير المعتقلين السعوديين على خلفية دعوة للمظاهرات أيام احداث غزة مجهولاً لا يتطرق له الاعلام السعودي بل أنه يعتم عليه ويتجاهله ناهيك عن قضية المساجين الذين لم يقدموا الى محاكمة حتى هذه اللحظة رغم مرور اكثر من عامين على اعتقالهم بحجة انهم كانوا ينوون تأسيس حزب سياسي. فمظاهرات ايران ثورة على حكم الملالي كما يزعم الاعلام السعودي بينما مظاهراتنا فتنة وفساد في الارض تستدعي فتاوى التحريم والقمع المنظم. فالنظام السعودي. من خلال اعلامه الممول رسمياً بدأ يعطي دروساً في الديمقراطية المعدومة في الداخل السعودي ودروسه الموجهة الى الداخل لا تتجاوز صور الانجاز العظيم الذي يمر فوق الكوبري المزعوم والمدن الصناعية المبعثرة على أرض الواقع والتي اتفق المحللون الاقتصاديون على أن هدفها الأول تنويع الدخل والاستثمار للدولة وليس ايجاد فرص عمل حقيقية للمواطنين وسيكون مصيرها كمصير المدن القديمة التي بنيت بعد طفرة السبعينات من القرن المنصرم.
وحتى ان استبدلنا انجازات التنمية واعتبرناها بديلاً حقيقياً للاصلاح السياسي فسنجد اننا لا زلنا في مرحلة متخلفة عندما نتعاطى مع التنمية البشرية. فجامعاتنا التي صرفت عليها الملايين تبقى حتى هذه اللحظة في مؤخرة المراكز الثقافية ونسبة الفساد تعد من اعلى النسب في العالم وقمع الحريات يستشري بل يزداد خاصة وأن معطيات القرن الحالي قد جاءت بوسائل اتصال حديثة تزامنت مع تطوير تقنيات جديدة في نفس الوقت. فما يكسبه المجتمع عن طريق انخراطه بوسائل الاتصال الحديثة تأخذه منه الدولة بوسائل اخرى هدفها الحجر على هذه الوسائل وحجبها تحت الذريعة المعروفة وهي الحفاظ على الامن الاجتماعي واخلاق الأمة ولكن يبقى الهدف الرئيسي هو التضييق على حريات المجتمع وكذلك قدرته على تنظيم نفسه في مجالات بعيدة عن سلطوية النظام والآلة القمعية.
استطاع النظام السعودي ان يقنع شرائح كبيرة في المجتمع السعودي ان الاصلاح لا يأتي الا من فوق وان ظهرت معالمه المقننة فسيكون هبة تقدمها السلطة كما تشاء وعندما تشاء لأن حراك المجتمع يشق الصف وينذر بعواقب وخيمة كالفتنة والانقسام والفوضى. فيتحول المجتمع تحت هذه المنظومة الى مترقب للهبة الاصلاحية التي تدل على حكمة فطرية للقيادة حيث هي وحدها من يقرر مكانها وزمانها وتفاصيلها وأي خطوة اصلاحية تعلن تتلقفها وسائل الاعلام الرسمي وتعتبرها مفاجأة كبرى وشطحة اصلاحية مدروسة تشكر عليها ويتحول عزل هذا المسؤول أو ذاك واستبداله بآخر إلى ثورة حقيقية ستغير مسار المؤسسات الحكومية ورؤيتها المستقبلية. ويخلق هذا النوع من الدعاية المدروسة حالة تأهب وانتظار عند الكثيرين الذين يصابون باحباط مستمر بعد الاعلان عن انجازات الادارة ومشاريعها التنموية. والكل يذكر مسرحية الانتخابات السعودية والتي صورها الكثيرون وكأنها استمرارية لتجربة سابقة. فالتقفها الاعلام الداخلي والخارجي الذي بقي صامتاً مؤخراً عندما تم الغاؤها بأمر خاص. وبقية عملية الالغاء مدفونة لم يمر عليها الاعلام السعودي ولم يكرس لها حلقة نقاشية واحدة. وبينما ننشغل بتفاصيل الدستور الايراني ومرشده الأعلى لا ننتبه الى عملية توزيع الادوار واستئثار البعض بمناصب عليا في الدولة لأكثر من نصف قرن في بلادنا. نشرح الدستور الايراني ونختبئ خلف شعارات عريضة تحاول اقناعنا أن دستورنا القرآن واكثر ما نطمح له هو نظام اساسي صدر على عجل في بداية التسعينات تحت ضغوط محلية وخارجية. كان هدفه الأول تعريف المجتمع بحق أسرة تحكمه وشخصيات تنتظر دورها في تبوؤ اعلى منصب في الدولة. لقد حان الوقت لأن نترك ايران لشعبها اذ اثبت هذا الشعب قدرة فائقة على تدبير مصلحته وحراك شعبي قديم أطاح بدكتاتورية لها جذورها التاريخية ونلتفت لمأساتنا ومأساة مؤسساتنا التي تحولت الى بؤر همها الأول حماية النظام وليس المجتمع بل هي متهمة اليوم بالعمل ضد المجتمع وقهره وتقليص استقلاليته وحراكه. وعندما نفصل فقط موضوع التنمية المادية وانجازاتها المزعومة عن قضية الاصلاح السياسي سنجد انفسنا أمام واقع مزر حيث تخلفت المملكة ليس عن محيطها العالمي بل عن محيطها الخليجي في كثير من الأمور ومن أهمها تطوير المؤسسات الكفيلة باشراك المجتمع في تقرير مصيره ومصير ثروته وسياسته الخارجية وطالما ظلت الحريات مصادرة وخاصة الحريات السياسية سنظل نردد شعارات باهتة تستغل إعلامياً وسنظل نحكم من قبل شركة عائلية تعاني اليوم من معضلة كثرة المساهمين. فالاوطان لا تبنيها الشعارات بل تبنيها مؤسسات نزيهة مستقلة لها ديمومة تبقى بعد فناء الاشخاص. وعندها فقط ربما ننخرط في حلقات دروس الديمقراطية التي نوزعها على العالم والجيران على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد. وقبل أن نستهزئ بتجارب الشعوب الأخرى وننبش تعثر ديمقراطيتها لنبدأ مشوارنا الطويل على كوبري التنمية السياسية الحقيقية. وكما هي مطبات الكوبري الذي يصل المدن بعضها ببعض سنجد أن اكبر مطب للاصلاح السياسي قد وضعه المسؤول الكبير الذي توج عهده بشد الاحزمة وتقنين عدد المستأثرين بالسلطة وصلاحياتهما ومواردهم التي يستمدونها من خزينة الدولة. لقد تلاشت هذه الشعارات ما ان ظهرت ولم يبق منها سوى الاصداء المبهمة وحالة إحباط دفعت البعض في الداخل السعودي إما للتقوقع والاختفاء أو لتصعيد لهجة المطالب الاصلاحية التي لا تلقى اذناً صاغية.
كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
http://www.madawialrasheed.org
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

