2009/06/15
السينما السعودية: كوميديا تختصر الزمان والمكان
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 15-06-2009
عادت السينما الى الساحة السعودية بعد غياب طويل ليعود معها الجدل والاستقطاب والتناحر بين مؤيد متلهف ومعارض متشنج. 'مناحي' اسم الفيلم الذي يتنقل في المدن السعودية يعرض شخصية كوميدية انتزعتها شركة روتانا من التراث واصبحت اضحوكة اختصرت الزمان والمكان حيث ان مناحي البدوي قد واجهته صعوبات ومشقات في الانتقال من حياة البداوة والتخلف الى العصر الحديث بمراكزه التجارية ولغته الاقتصادية. وسُحب البساط من تحت قدميه ووجد نفسه في عالم غريب فجاءت ردود فعله مضحكة ومسلية. لم يعترض المعترضون على فكرة مناحي بل اعترضوا على السينما والتي اعتبروها مفسدة للمجتمع تماما كما اعترضوا في السابق على الهاتف والتلفزيون وحتى السيارة ناهيك عن تعليم البنات الى ما هنالك من معارك قد خسروها في الماضي وسيخسرونها في المستقبل. لقد خاض هؤلاء منذ تأسيس الدولة معارك صغيرة بعد انتهاء المعركة الكبيرة وبرهنوا على انهم غير قادرين على التصدي للمشروع الكبير الذي أفرز مناحي وجعله اليوم اضحوكة يتلهف الكثير من الجمهور السعودي على مشاهدتها رغم الاعتراضات وعملية المداهمة لقاعات السينما التي تحمل اسماء قادة البلد والمتحكمين في مصيرها.
ما يهمنا في الفيلم السعودي المتنقل هو موضوعه وشخصية بطله اذ ان مناحي يلخص لنا التحولات السياسية والاجتماعية التي خاضتها السعودية في القرن العشرين. مناحي البدوي المضحك اليوم هو بطل المسرحية السعودية الكبيرة التي بدأت عندما قرر مؤسس الدولة بمساعدة الطاقم الديني المعروف ان مناحي انسان خارج عن القانون والنظام والشرع والاسلام. في بداية هذه المسرحية تم تكفير مناحي اذ ان اسلامه ناقص وتشوبه الكثير من البدع والخرافات. فمناحي لا يتزوج على طريقتهم بل له أعرافه وتقاليده. وان دخل في مشاجرات وقضايا لم يكن يلجأ الى محاكمهم وقضاتهم وان اقتص من احد فله طريقته واسلوبه الخاص. كان مناحي يعيش استقلالية تخافها السلطة المركزية. فولاؤه ليس بالمضمون بل هو متقلب حسب تقلب مصلحة مناحي الآنية. وهو مستعد لأن يغير موقفه دون سابق انذار. اقتضت المسرحية السعودية الكبيرة ان يدجن مناحي وتقلم اظافره ويقص ريشه حتى لا يحلق ويخرج عن اطار المركز.
استحدثوا له اسلوب التوعية والإرشاد تحت ذريعة أسلمته واعادته الى الطريق الصواب. فأرسلوا له المعلم والمرشد والقاضي ولكن أهم من ذلك كانت المسرحية تتطلب تجنيد مناحي وجعله اداة عسكرية في يد السلطة، تستعملها في مشروعها ومسرحيتها الكبيرة. وبالفعل انخرط هذا البدوي كبطل كبير في المسرحية الكبيرة فعلموه الزراعة والفلاحة رغم كونه لا يميل لمثل هذه الحرف واسلوب الحياة المرتبط بها. وعندما بدأت وفود العمالة الاجنبية تصل الى المملكة فضل مناحي ان يستأجر عاملا ويدفع اجره على ان ينخرط في حرث الارض. فمقامه ظل يتأرجح بين التغني بابله وماعزه والاستمتاع بقصائد الماضي يستهلكها كما يستهلك اكواب القهوة والشاي.
ظل مناحي البدوي على هامش المدينة بعد ان خمدت المعركة وبين الحين والحين استنفر مناحي وتمرد على مسرحية انتهت بانتهاء دوره واكتشف مناحي ان مخرج المسرحية لا يريد منه الا فولكلوره الشعبي من ناقة وجمل وبيت شعر ورقصات وقصائد تمجد المخرج الكبير. وعرف مناحي ان موقعه من الاعراب قد تغير بتغيير الظروف السياسية. والمسرحية كانت منذ بدايتها مسرحية حضر وليس بدوا وكانت هذه المسرحية مقلبا لمناحي الذي بدأت هجرته الى المدينة طلبا للرزق والتعليم او حتى الاستجداء عند عتبات القصور ومراكز الصدقات. وجد مناحي نفسه على هامش المدينة وفي أزقتها وانخرط اول ما انخرط في قيادة السيارة ووجد فيها حريته المنشودة حيث تنقل بين المدن وداخلها تماما كما كان يتنقل في الماضي من مرعى الى آخر. اشتغل سائقا وعاملا حتى جاءت المنافسة من قبل العمالة الاجنبية الاكثر طوعا اذ ان فردية مناحي واستقلاليته كانتا تزعجان اكثر الناس تفهما لتراث مناحي وتاريخه.
حاول مناحي الانخراط في التعليم لكنه ظل متمردا في الفصل والشارع وتدنى مستواه التعليمي وفرص العمل المتوفرة له. وبدأ الباحثون يعرفونه من ضمن الطبقات الفقيرة او المهمشة التي تساهم في ما يسمى 'بترييف المدن' وكلها مصطلحات غريبة عجيبة على مناحي وقومه. كل ما يعرفه هو استبعاده من المسرحية الكبيرة بعد ان ادى الدور المطلوب ليس هذا فحسب بل هو متهم اليوم بالتشدد والتزمت او بالفساد والانخراط في عمليات تهريب المخدرات والاسلحة الى ما هنالك من اتهامات جائرة.
عندما سقط مناحي من المعادلة لم يكن يعرف انه سيكون اليوم قصة مضحكة وكوميديا ساخرة يتسابق عليها الكثير من المتفرجين او المنددين الشاجبين ليس لقصة مناحي بل للوعاء الذي وضعت فيه. قاعة السينما اصبحت اليوم ساحة معركة خاسرة اذ ان مخرج المسرحية السعودية الكبيرة قد قرر ان بها فائدة طالما انها ظلت توفر تسلية ولهوا لحشد كبير من الجمهور. فما المانع من ان تعرض قاعات السينما الى الجمهور أفلاما كفيلم مناحي الكوميدي. وان كان الاعتراض على امكانية الاختلاط بين الجنسين في عتمة القاعة. فلماذا لا تخصص مواعيد معينة لكل جنس تماما كما كانت القاعدة متبعة في قوانين زيارة حديقة الحيوان في العاصمة الرياض؟
فيلم مناحي ليس مجرد عمل فني بل هو جزء لا يتجزأ من المسرحية السعودية الحقيقية التي عاشتها البلاد. ففي المسرحية الحقيقية عملية اقصاء فعلية لجمهور كبير شارك في صياغة السلطة وانخرط في مشروعها ليجد نفسه بعد ذلك في ادنى الهرم الاجتماعي. سلبته الدولة استقلاليته وقيادته بعد ان حولت هذه القيادة الى شيوخ تابعين وموالين وفي المقابل وفرت لهم معاشات تجعلهم خاضعين للمركز السياسي وتابعين للمخرج الكبير. وليس من المستغرب ان يجد مناحي نفسه غير قادر على التأقلم مع الوضع الجديد. فتصدر منه زلات مضحكة وأفعال مسلية للجمهور فهو غريب في موطنه. وهذا أشد انواع الغربة صعوبة كما ذكر ادوارد سعيد.
قد نفهم غربة من انتقل من بلاده وتجاوز حدودها الى حدود غريبة لكن تجربته لا تقاس بتلك التي تنتج عن الغربة في الوطن حيث تتغير الجغرافيا وتتحول المسيرة الى أنماط غير مألوفة رغم ان الوجوه هي ذاتها. غربة مناحي والتي ينتج عنها بعض المواقف والسلوكيات المضحكة هي غربة شريحة كبيرة في السعودية وجدت نفسها على هامش الاخراج والانتاج رغم انها كانت في بداية المشروع السعودي اساسية ولولاها لما وجدت المسرحية الكبيرة. لقد تجاوزت التنمية مناحي وغيره وحصد ثمارها الكثيرون الذين هم اليوم يعتبرون مناحي اضحوكة ومهزلة تستحق المشاهدة. قصة مناحي المضحكة المبكية ليست خصوصية سعودية بل سنجده في كثير من المسرحيات العربية الكبيرة المسماة بدول ولمناحي اصدقاء كثر يشاركونه تجربته ومأساته. مناحي ليس بشخص بل مجموعات بشرية تحولت الى هوامش على صفحات تاريخية كتب سطورها الغير. وربما قد نسي البعض هذه المجموعات ولكنها اليوم ربما تقرر مستقبل الكيانات العربية القادمة بحراكها ان توفرت لها لغة الحراك ومساحات من الحرية ولو الضيقة. ولكن ستبقى هذه الشرائح المهمشة المقصاة بؤرة قد تنفجر ان ظلت منسية لا نتذكرها إلا في الافلام الكوميدية أو مهرجانات الفولكلور الشعبي او في مظاهرات الولاء والتبجيل. لا يمكن ان يبقى مناحي خارج إطار التاريخ وهو اليوم بحاجة الى اعادة تأهيل وتدريب حتى يستفيد وينهض بنفسه وبمجموعته ولا يبقى اسطورة شعبية تتقاذفها الاهواء ومشاريع الفن وتستفيد منها شركات اعلامية تبني مجدها على ماضي مناحي وحاضره ومستقبله.
'كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
http://www.madawialrasheed.org
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

