2009/05/25
الأمن الفكري: عصمة الدولة واستباحة المجتمع
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 25-05-2009
رعت السعودية ممثلة بوزارة الداخلية مؤتمراً هدفه الأمن الفكري واختلاله واستباحته من قبل التيار الجهادي والذي عبر عنه من خلال اعمال العنف التي اندلعت منذ عام 2003 وتم احتواؤها مؤخراً بتفعيل الحل الامني اولاً، وثانياً من خلال مشاريع المناصحة والإرشاد. وتبين بعد رصد فعاليات المؤتمر وتحليل الخطاب الرسمي ان معضلة خلق الارهاب هي فكرية بالدرجة الأولى لذلك جاءت معالجتها من خلال التلقين واعادة تأهيل الفكر بطريقة تضمن أمن الدولة. وهذا اختزال للواقع والاسباب التي ادت الى تفشي ظاهرة الارهاب وانخراط الكثيرين في ترويج مصطلحات الجهاد وقيام بعضهم بتفعيل هذا الخطاب عن طريق ممارسة العنف. وقد تبين بعد انتهاء المؤتمر ان الدولة تصبو للحفاظ على أمنها قبل أمن المجتمع اذ ان خطابها ركز على معضلة التكفير الموجهة لها وليس للمجتمع. فالهوس الأمني للدولة والخوف من فتاوى التكفير التي طالتها في الماضي دفعاها للتعجيل في التعاطي مع معضلة الارهاب، حيث يتبين لنا أن التكفير بحد ذاته لم يكن يوماً ما مشكلة النظام السعودي واصبح مشكلة فقط عندما طبقته بعض الشرائح الاجتماعية عليها وحركت الكثيرين للخروج عليها بالسلاح. وخلال عقود طويلة ظل سلاح التكفير مستغلا من قبل النظام للتعاطي مع منافسيه واعدائه ولم تستدع هذه الحالة مؤتمرات أو قمما لمعالجته كما يحدث حاليا مما يجعلنا نتساءل ان كان التكفير بحد ذاته هو المعضلة او ان تصويب سهامه للنظام هو المشكلة الحقيقية.خلال القرن العشرين استفاد النظام السعودي من فتاوى التكفير التي اصدرتها مؤسسته الدينية والمتدربون في صفوفها من هذه الفتاوى والتي خرجت من اطارها الديني لتصبح سلاحاً سياسياً يستغل ضد المعارضين والمنافسين، مما يجعلنا نشكك في قيمة هذه الفتاوى واعتمادها على المراجع الدينية والنصوص الثابتة. وسكت النظام السعودي على هذه الفتاوى ان كانت تحترم مصلحته السياسية. فمن تكفير تيارات انتشرت في العالم العربي في الستينات مروراً بتكفير الكتاب والرؤساء الذين تبنوا هذه التيارات نجد انفسنا امام مخزون كبير من فتاوى وجهها اصحابها الى شخصيات اعتبرها النظام عدواً لدوداً. لم تسكت السعودية هذه الاصوات بل استمتعت بصداها طيلة عقود طويلة لانها اعتقدت ان هذه الاطروحات تصب في مصلحتها. وطالما ان سهام التكفير لم تطل النظام نفسه فإنها حق ديني يمارسه ما يسمى بأهل العلم وحرية فكرية تنبثق من قناعات واحكام شرعية. وحتى هذه اللحظة لا تزال فتاوى التكفير التي تتعرض للغير المعادي محتضنة من قبل السلطة، فلم يفصل عالم ولم تتم الاطاحة بشخصية لمجرد تطوعها بتكفير المجتمعات او الشخصيات او التيارات السياسية التي تعتبرها الدولة مصدراً لتهديد أمنها وسلامتها. وطالما ظلت السلطة السياسية تتمتع بعصمة ثابتة لا تطالها مثل هذه الفتاوى فهي لا تشكل خطراً على الأمن الفكري. وهذا قد ظهر جلياً في مؤتمرات الامن الفكري ومشاريع المناصحة فمن نظر السلطة بقي التيار الجهادي خارج اهتمامها ولم تعتبره يوماً ما تهديداً للفكر الا عندما اسقط عصمة الدولة ووجه فتاواه الى رموزها، هنا بدأت المشكلة من منطلق السلطة فطالما كان التكفير مسلطاً على المجتمع في الداخل والشخصيات السياسية العربية في الخارج اعتقدت انها في مأمن من خطر التكفير ولم تحرك ساكناً الا عندما اعارها التيار الجهادي اهتمامه وركز فتاواه عليها. هذه الازدواجية في تعاطي النظام مع معضلة التكفير تجعل المراقب يشكك في مسيرة التعاطي مع الأمن الفكري بمفهومه الشامل، فهل هو ينطلق من نظرة متكاملة ترى أن امن المجتمع الفكري جزء لا يتجزأ من امن الدولة، أم ان امن الدولة هو فوق كل المعايير والحسابات؟
مشكلة النظام السعودي تنبثق من هذه الثنائية المزيفة اذ لا توجد دولة آمنة في مجتمع مهدد بآراء تستبيحه وتلقى الامان وفقط عندما تتوجه هذه الآراء للنظام تصبح مصدرا للخطر والتهديد. استباحة المجتمع ورموزه بفتاوى محروسة من النظام لا بد لها ان تصل الى نهايتها المنطقية حيث تصيب النظام ذاته. ولا يمكن أن يكون تكفير المجتمع حلالا على البعض وحراما ان هو طال النظام. اذ انه في الحالة الاولى يعرف على أنه ضرورة شرعية ودينية وفي الحالة الثانية منكر يجب التخلص منه. فإن كان التكفير عملية شرعية تضبطها الضوابط المعروفة والمتبعة تاريخياً لماذا تصبح خطرا في الحالات النادرة عندما تصيب النظام نفسه؟ ولماذا ان استعمل التكفير ضد الآخرين هو حرية فكرية وان استعمل ضد النظام هو منزلق يهدد الدولة؟ من خلال دراساتنا للنظام وافرازاته الجهادية لم يتضح لنا أي ملامح اختلاف جوهرية بين فكر الدولة الديني والفكر الجهادي الا ما يتعلق بمشكلة التكفير الموجهة للنظام حيث بقيت فتاوى تكفير المجتمع والآخرين في ظل النظام دون محاسبة أو اهتمام. خذ مثلا تكفير علماء السعودية للتيارات القومية العربية خلال الستينات وتكفيرها للحركات اليسارية وزعماء عرب مثل جمال عبد الناصر وغيره وكلها كانت تصب في مصلحة النظام، لذلك التزمت السلطة الصمت بل هي تبنت هذه الفتاوى واصحابها وانشأت لهم المؤسسات ودعمتهم بالمال ليروجوا هذا الفكر من خلال منشورات ومطبوعات وكتب وزعت في العالم ومن آخرها فتاوى كفرت صدام حسين عندما بدأت عملية غزو الكويت، الى ما هنالك من أمثلة لا تزال مؤصلة في مراجع فكر الدولة الديني. مشكلة السعودية اليوم ليست مسألة تكفير مطلقة بل هي مشكلة الفصل بين تكفير الدولة وتكفير الآخرين. وان لم تحل السلطة هذه المشكلة فستظل رهينة ازدواجية لا بد لها أن تتكرر في المستقبل وان تم القضاء على التيار الجهادي حالياً بمساعدة رموز التكفير ذاتهم.
وان سلمنا جدلاً أن التكفير صفة ملازمة مرتبطة بالدين وعملية الفصل بين المسلم والآخر وهي صفة لا تلازم الاسلام فقط بل هي ظاهرة التصقت بديانات أخرى كالمسيحية مع اختلاف بسيط، اذ ان المسيحية عندما تكفر تخرج المجموعة والاشخاص من الكنيسة بينما يخرج التكفير في الاسلام من الأمة لعدم وجود كنيسة، الا ان الظاهرة قد اصبحت اليوم بمظلة النظام السعودي معروفة كتهديد للأمن الفكري فقط عندما تخرج من الاطار المسموح به وتتحول الى سمة من سمات فئات ضالة ومنحرفة. وقد انحرفت هذه الفئات فقط في توسيع مفهوم التكفير وتطبيقه على النظام لذلك جاءت عملية التأهيل تركز فقط على ما يسمى بسوء فهم، ولو كان التيار الجهادي مسلطاً اهتمامه على الآخرين في بقاع العالم لما تحول الى فئة ضالة أو منحرفة من منظور النظام السعودي بل انه قد يلقى الدعم والاحتضان. كذلك لو بقي يحارب من تحاربه الدولة ومهادناً لأصدقائها لما استدعيت مصطلحات كخوارج العصر وغيرها واسقطت عليه.
ان كانت هناك أزمة فكر في السعودية فهي وليدة لعملية انتقائية تمارسها السلطة حيث يتم انتقاء المناسب لأمن الدولة وترويج ما يخدم مصلحتها واستبعاد ما يهددها غير آبهة بتداعيات هذه العملية الانتقائية على المجتمع. لقد اصبح التكفير في السعودية عملية سياسية خرجت من إطارها الديني بمساعدة النظام المشغول حالياً باعادة صياغتها حتى تعود الى سياقها. وان كان النظام جاداً في تفعيل مفهوم الأمن الفكري لا بد له أن يتخلى عن السياسة الانتقائية ويتصدى للتكفير ان طال المجتمع وليس فقط تلك الفتاوى التي صدرت وطالته واعترضت على سياسته الداخلية والخارجية. فلا تقوم الدولة باعتقال مكفريها واحتضان مكفري الغير الذين لا ترتاح اليهم أو تعتبرهم اعداءها، عندها فقط تكون الدولة قد تبنت مفهوما شاملا للأمن الفكري بأبعاده الحقيقية التي تضمن الأمن للإنسان والمجموعة. الأمن الفكري بمفهومه الشامل لا يترعرع في ظل نظام قمعي يحجر على البشر قدرتهم في التعبير عن انتاجهم ومخيلتهم وكذلك يمنعهم من الوصول الى الآخرين بفكرهم وانتاجهم، ولا يتحقق الأمن الفكري بنشرات اخبارية مطولة ترصد انجازات وهمية للنظام بل بعملية نقدية تفسح المجال للرأي والرأي الآخر من خلال مؤتمرات حوارية مفتوحة يتجرأ فيها المجتمعون على النقد والمساءلة وليس على تثبيت عصمة النظام وحكمته. عندما يجد الرأي الآخر طريقه الى العلن ويفتح المجال لمناقشته وطرحه لن يضطر البعض الى التخفي خلف فتاوى التكفير الثقيلة التي قد تؤدي الى حمل السلاح او الى طرح افكار تهدد السلم الاجتماعي أو أمن الدولة. وإن صمتت اصوات مكفري النظام في المساجد وحلقات الدرس الا انها ستعود وتظهر وستجد في العوالم الافتراضية مرتعاً آمناً تصل من خلاله الى ملايين من البشر رغم كل مؤسسات الحجب وما يصرف عليها. رواج هذه الفتاوى هو بالدرجة الاولى نتيجة لعقود من القمع الفكري والحجر على الحوار العلني والعملية الانتقائية التي مارسها النظام تجاه مسألة التكفير حيث كان يقبل بتكفير الآخرين واستباحة المجتمع دون أن يعير هذه القضية اهتمامه.
كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
http://www.madawialrasheed.org
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- February 2012
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الربيع العربي: اسئلة الماضي… اجوبة المستقبل
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة

