2006/06/30
السعودية: مصير المشاركات السياسية في المجتمع المدان
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 28-07-2005
تعيش السعودية صيفا حارا ترافقه حالة انتظار وسكون ربما تبدده مطاردات امنية هنا وهناك او اعتقالات في هذه المدينة او تلك. ولكن تبقي الامور الملحة كالاصلاح السياسي ومستقبل المشاركة السياسية من المسائل المعلقة والتي لن تحسم في القريب العاجل. تصور الآلة الاعلامية العربية والمحلية ان هذه المسائل مرتبطة بتتويج ولي العهد في منصب الملك بعد وفاة الملك فهد، اذ ان هناك الكثير من المعلقين السياسيين من يروج لهذه الفكرة ويطرحها كبصيص امل علي خلفية الركود السياسي وحالة الاحتضار التي تمر بها المملكة حكما ومجتمعا.
يعول هؤلاء علي قدرة ولي العهد ان يجتمع تحت عباءته طيف كبير من الامراء واعيان المجتمع والذين تم اقصاؤهم من قبل حزب الملك واخوته للضغط علي هذه المجموعة للقبول ببعض الاصلاحات السياسية. يجب ان نقول لهؤلاء انهم يبنون قصورا في الرمال لعدة اسباب اولها تصويرهم لولي العهد بصورة المصلح الذي تجاوز عصره وشطح شطحات كبيرة في سبيل بناء الخلفية المؤسساتية لتثبيت المشاركة السياسية واخراط طيف كبير من المجتمع في صنع القرار. يبنون هؤلاء تصورهم علي زيارة قام بها الاصلاحيون الدستوريون لبلاطه، حيث وجدوا الترحيب والتقدير وربما هذه مقدمة للتضليل. اذ ان ولي العهد اثبت عدم قدرته علي مواجهة الحزب الاخر ولا يوجد لدينا اي دليل يثبت انه سيكون قادرا علي التصدي للمجموعة الاخري حتي لو توج في منصب الملك ناهيك عن موضوع كونه قادرا علي تصور اصلاح شامل مستقبلي. ويبدو ان العائلة الحاكمة بكافة اجنحتها المحلقة منها والمقلمة اتفقت علي استغلال الاصلاحيين الدستوريين وتجنيدهم في سبيل مواجهة العنف الذي اندلع عام 2003 و2004 فالمثقفون والصحافيون وغيرهم من اصحاب القلم هم وحدهم القادرون علي تلفيق وتلميع مصطلحات حديثة منها الوطنية و الوحدة و الالتفاف حول القيادة و القبول بالآخر ومحاربة الاقصائية واستبدال هذه المصطلحات لتحل محل خطاب ديني تقليدي كان المجتمع قد تعود عليه منذ اجيال بعيدة، تحت ضغط العنف تصدر ما سمي بالمثقفين صفحات الجرائد وكانت مهمتهم استبدال المصطلحات الدينية كمصطلح الكافر ، المبتدع ، الضال ، الجاهل ، الفاسق ، الفاجر وغيره بمصطلحاتهم الحديثة.
لم تكلف هذه المهمة النظام اكثر من اذن صاغية وزيارة فيها شيء من الحفاوة والتقدير. ظن الجميع عندها انهم قد وقعوا علي المصطلح المنتظر المخلص الجديد الذي سينتشل المجتمع من ركوده ولكنهم احسنوا الظن ولم لا اذ انهم هم انفسهم ممن اثبت حرصا حقيقيا علي انتشال المجتمع والدولة من مخاطر ومطبات اصبحت مكشوفة للجميع. لقد وظف النظام هؤلاء المصلحين في حربه مع خصومه ومن ثم زج بهم في السجن فانتهت حقبة العرائض الاصلاحية والبيانات الاعلامية والمقابلات الصحافية علي الفضائيات العربية بسرعة خارقة واسكت النظام هؤلاء باسلوبه المعروف لان مهمتهم قد انتهت وحان الوقت بعد انحسار موجة العنف للحكم ان يكشر عن انيابه ويظهر حقيقته للجميع. اليوم حسم النظام خلافه مع الولايات المتحدة. هذا الخلاف الذي كان مثل زوبعة في فنجان وها هو اليوم قد عاد مطأطئ الرأس الي بيت الطاعة الامريكي، فانتقاد من النوع الخفيف وتهزيء سطحي يصدر من قبل كوندوليزا رايس لن يعكر الاجواء بل هو يخدم امريكا والنظام معا وليس المصلحين المسجونين. يظهر النظام نفسه ازاء هذه التصريحات انه نظام مستقل لا يخضع للضغوط الخارجية وتظهر امريكا نفسها انها مستاءة من انتهاكات الانسان وحقوقه في السعودية. اما الاصلاحيون فيخسرون رصيدهم ان تبنت الولايات المتحدة كحكومة قضيتهم في مجتمع تعلم ان لا ينخدع بنفاق الولايات المتحدة او حليفها المحلي. اذن ليس من مصلحة الاصلاحيين ان تدافع عنهم كوندوليزا او غيرها في هذه المرحلة خاصة بعد ان خسرت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية مصداقيتها واثبتت انها كانت وما تزال تراهن علي انظمة القمع الجاثمة علي صدور العرب ومنها النظام السعودي.
ما هو اذن مصير المشاركة السياسية الحقيقية في بلد كالسعودية وفي هذه الحقبة التاريخية بالذات؟ اصلاحيون في المعتقل الداخلي واصلاحيون في الخارج وجماعات كانت اصلاحية سابقا ولكنها مستقطبة حاليا دون ان تحصل علي مطالبها العريضة وان حصلت علي بعض الصلاحيات الشخصية وجندت نفسها كناطقة غير رسمية باسم النظام تدافع عنه مستميتة في سبيل ارضائه وكسب وده ناهيك عن عنف يظهر ويخمد ولكنه لم ينته هذا بالاضافة الي مؤسسة دينية لها صلاحيات في استعراض عضلاتها علي المجتمع وتستثني من هذا الاستعراض النظام ورموزه ومؤسسة دينية اخري قلصت نفسها بعد تجربة مريرة من المواجهة مع النظام خرجت بعدها متشظية جندها النظام في معركة داخلية تدور رحاها بين اصدقاء الامس ورفاق الدرب السابقين. هذه المؤسسة غير الرسمية وان اتيحت لها حريات الآن الا ان هذه الحريات مرتبطة بمدي استعداد رموز هذه المؤسسة للدفاع عن النظام من اجل هزيمة خصومه من كل الاطياف الاصلاحية او الجهادية في الداخل والخارج فبعد ضربات التسعينات من قبل النظام لهذه المجموعة نراها اليوم قد خضعت لعملية تهذيب، وتأديب لا نعلم ان كانت تستطيع ان تعيد صياغة نفسها وتخرج من مرحلة ركودها هي ايضا اما ما يسمي بالاطياف الليبرالية نراها قد جعلت من قضية المرأة همها الكبير وشغلها الشاغل ودخلت في عراك مميت ضد من فسقها واتهمها باسلامها البعض يقيس نصره بمدي استعداد النظام لاقرار حق المرأة في قيادة السيارة.
هل يا تري قطع الجميع الأمل باصلاح سياسي حقيقي ولذلك قرروا اقناع انفسهم ان الاصلاح الاجتماعي هو الحل لذلك تصدرت اعمالهم التربوية الدعوية ان كانوا من الاسلاميين او حملاتهم الدعائية التثقيفية واحيانا التهجمية علي المجتمع وما سمي بتخلفه من قبل الليبراليين المجال العام يلهون انفسهم بمشروع لا يخضع لارادتهم وحدهم فقط. الاصلاح الاجتماعي المزعوم والذي يعتقدون انه سيؤدي بالنهاية الي الاصلاح السياسي المرتقب لا يتحقق في ظل الوضع القائم لاسباب عديدة اهمها كون مشاريع التربية والدعوة والتثقيف تتجاوز كل ما يهدد احتكار السلطة ولا يهييء الا نفوسا تتعامل مع المجتمع وكأنه مجتمع مدان ويتناسي اصحاب التثقيف والدعوة ان المشكلة الحقيقية وراء تباطؤ المجتمع في طلب الاصلاح الحقيقي هي تعطيل الاصلاح السياسي نفسه وشل المجتمع وحراكه وحرمانه من مؤسسات مستقلة غير خاضعة لارادة النظام وموظفيه خاصة من يشار اليه زورا وبهتانا بأنهم نخبة من اهل الحل والعقد. هذه ليست نخبة بل هي مجموعة انتخبت من قبل النظام بسبب ولائها المطلق وهي تستلم منه مخصصات وتعتاش من فضله عليها همها الاول والاخير بعد ان وصلت هي نفسها الي الحلقة المقربة من النظام ان تستبعد اي مجموعة اخري تنافسها وتحلم بالتقرب من حلقة الحكم بل هي المروجة الاولي والاخيرة لثقافة تدين المجتمع وتجرده من قدرته علي المطالبة بالمشاركة السياسية. بينما النظام يتفرج علي مسرحية من اخراجه وتمثيل المواطنين انفسهم نري ان الاسلاميين والليبراليين في السعودية يجتمعون علي امر واحد فقط هو ادانة المجتمع. اليوم خطابهم يركز علي هذه النقطة بعد ان فشلوا في قدرتهم ليس علي ادانة النظام بل علي نقده نقدا لا يقودهم الي السجن.
اليوم اسلاميو السعودية في الداخل يدينون المجتمع ويعتبرون قبليته ومناطقيته وفساده كمجتمع وكأشخاص واتكاليته وانهزاميته هي الاسباب التي تؤدي الي تخلفه ويعتبرون انفسهم انهم هم من سيصلحه ويخلصه من هذه الآفات. وهم في ذلك لا يختلفون عن جيل سابق من الوعاظ الذين كانوا ايضا متفقين علي ادانة المجتمع وان اختلفت المصطلحات المستعملة فهؤلاء اعتبروا اباء واجداد المجتمع الحالي كفرة مشركين مبدعين ضالين الي ما هنالك من ابجديات تتهم المجتمع بعقيدته وشعائره وطقوسه. اسلاميو اليوم يختلفون عن هؤلاء السابقين كونهم يعتبرون التركيبة الاجتماعية هي المسؤولة عن التخلف.
يتفق مع هؤلاء الليبراليون الذين هم ايضا يدينون المجتمع ويحملونه مسؤولية التخلف والغلو والتطرف والارهاب ويستشهدون بخطبة جمعة وحلقة وعظ او مركز صيفي لتكتمل الادانة وتوجد الاسباب المزعومة والتي تقف ضد الاصلاح الاجتماعي الذي يرجونه، فهم يحاسبون المجتمع علي جهله ويتعالون عليه معتمدين علي ثقافة مزعومة يتداولونها في مجالس مغلقة كنخبة فكرية متقوقعة في ابراج عاجية تظهر دوما علي صفحات جرائد والمواقع الالكترونية فاقدة لمصداقية في المجتمع. هم يحاسبون المجتمع علي جهله ولا يحاسبون من يمنعهم هم انفسهم من التواصل مع شرائح المجتمع. اليس النظام السعودي هو من يحرمهم من هذا التواصل من خلال تحريم انشاء الجمعيات الفكرية الاجتماعية والسياسية المستقلة كليا عن الدولة؟ فهم ينتقدون العنجهية والعنصرية القبلية المبنية علي رابطة الدم والقرية ولكنهم لا يرون عنصريتهم الثقافية ونظرتهم الدونية للمجتمع الذي لا يشاطرهم ابجديات ثقافتهم المزعومة.
مع الاسف التيار الاسلامي والليبرالي يدين المجتمع هذه الادانة لا تصب في مصلحة اي عمل اصلاحي جماعي كذلك لا تصب في مصلحة تقوية المجتمع. المجتمع يقوي ليس فقط بانشاء مؤسسة ثقافية اومنتدي حواري او جمعية حقوق انسان بل يقوي المجتمع بتقوية الفرد والقضاء علي جهله المزعوم من قبل النخب الاستعلائية فكرية ليبرالية او اسلامية كانت.
مصير المشاركة السياسية سيكون مجهولا ان لم تغير النخب الثقافية بكافة اطيافها موقفها من المجتمع فلا تدينه بسبب جهله بل تحاول ان تدين من يقف حجر عثرة في سبيل التواصل مع هذا المجتمع وتقويته. يجب علي هؤلاء ان يكفوا عن ترديد شعارات واهية كالمطالبة بالمؤسسات المدنية ويجب ان يعلموا ان من السهل جدا علي النظام ان يستقطب اي مؤسسة مستقلة داخل حدوده بل حتي خارج هذه الحدود اذ ان امكانياته ما تزال كبيرة ورغبته في السيطرة علي كل ما هو مستقل جامحة. لقد اثبتت تجارب العالم العربي حيث وجدت اشباه مؤسسات المجتمع المدني مدي قدرة هذه الانظمة علي السيطرة وامتصاص اي مشروع مستقل بل وتسخير مثل هذه المشاريع في خدمة النظام، فما اسهل ان يرخص لجريدة مستقلة ومن ثم تقيد بقوانين قمعية تكمم الافواه وتكسر الاقلام وكذلك من السهل ان يرخص لجمعية حقوق انسان مستقلة ومن ثم تلجم وتبتلي بشخصيات قيادية تفرض عليها من فوق.
الحل الوحيد لمن يعتبر نفسه مهتما بالشأن السعودي وله من الثقافة والقدرة علي صياغة ما يقلق المجتمع وما يرغب في اصلاحه هو ان يكف عن ادانة المجتمع لان المجتمع المدان لا يصلح لاي نوع من المشاركة السياسية وصنع القرار. المجتمع المدان هو مجتمع محطم فاقد لشخصيته مشكك في قدرته علي تحمل المسؤولية. المجتمع المدان مجتمع ينغمس في الخطيئة لانها متوقعة منه. المجتمع المدان مجتمع مشغول بادانته يحقد علي من يدينه، تنمو فيه غريزة الانتقام ويحتقن فيه العنف حتي ينفجر بالشكل الذي انفجر فيه خلال الاعوام السابقة وما زال ينفجر. المجتمع المدان يري ان خلاصه يكمن في انتحار جماعي له وللمجتمع الذي يدينه. المجتمع المدان هو نفسه المجتمع الذي يشنق ذاته بدل ان يشنقه من احتكر هذه المهمة لعقود طويلة. ان اي اصلاح، سياسيا كان ام اجتماعيا يجب ان يبدأ بتقوية الانسان وليس ادانته. خلال الفترة الحالية فُقد هذا الهدف في مغبة التضليل السياسي الممارس من قبل النظام السعودي وما يسمي باهل الحل والعقد المرتبطين به. كل من يدين المجتمع والافراد فيه هو مسؤول عن محنة الشباب. تقوية الانسان تبدأ في المنزل وفي الطفولة وفي المدرسة وعلي مقاعد الدراسة وفي المسجد والشارع وملعب الكرة وحلقات القرابة والصداقة وليس في مؤسسات وهيئات ومراكز حوار وطنية ام لا وطنية. هذه المؤسسات غير كفيلة باحتضان الجميع المتعلم والجاهل الكبير والصغير. عندما يقوي الانسان يستطيع ان يري بأم عينه من هو المسؤول عن تهميشه وفقدانه اهم حقوقه وهي ممارسة انسانية في اطار ينصفه من جور الآخر المسمي مثقفا او عالما او صاحب شأن. عندما يقوي الانسان يستطيع ان يتخلص من مشكلة العنف الموجهة لذاته ولمجتمعه ويسلط هذا العنف علي من يستحقه ومن كان مسؤولا عن تجريده من انسانيته. لن تنتهي موجة العنف السياسي في السعودية الا اذا توقفت ادانة المجتمع وقوي الانسان عندها فقط يبدأ الاصلاح السياسي والمشاركة الفعلية في صنع القرار. فقط الانسان القوي يخلق المؤسسة القوية التي بقوتها لا تستطيع ان تتجاوزه بل حتي تكسر ارادته وتجعله عبدا لها. عندها فقط تتحول المؤسسة والدولة اهم المؤسسات من بيروقراطية جائرة الي حيز يخدم الانسان وليس العكس.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

