2009/03/04

السـعوديـة إلــى أيــن؟ (1)

مقال نشر في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 26-02-2009


واجهت الدولة السعودية، في فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، ضغطاً متزايداً لجهة تعديل لهجة الإصلاح والقيام بسلسلة تدابير ووعود إصلاحية، رغم أن ليس من بينها ما فرض تحديّاً جديّاً على حكم آل سعود. وتشمل تلك التدابير: الإفساح في المجال أمام منظمات المجتمع المدني شبه المستقلة، وانتخابات بلدية محدودة، وحرية صحافة نسبية. وكان إصلاح العائلة المالكة لجهة التعامل مع الإشكالية المستقبلية المحتملة لتوارث العرش، جزءاً من التيار الإصلاحي العام. يتناول القسم الأول من هذا الفصل الإصلاحات المعتمدة من قبل الدولة، والهدف منها هو تحديث الحكم التسلطي دون المخاطرة بالتفريط بحصة كبيرة من السلطة لمصلحة الجمهور(1).
وبالقدر نفسه، أبدى المجتمع السعودي حراكاً وفعالية اجتماعية غير مسبوقة، محثوثاً بالعولمة المتزايدة، وانتشار خطاب الدمقرطة، وحقوق الإنسان والأقليات، والمطالبة بالمشاركة السياسية. وعلى المستوى المحلي، فإن صدمة العنف الإرهابي وضعت المثقفين السعوديين وجهاً لوجه مع رسوبات (عيوب) الأوضاع الدينية، والسياسية والاقتصادية، والتي هيأت أرضية خصبة للعنف الذي تفجّر في القرن الحادي والعشرين.
وقد طالب الأكاديميون، وعلماء الدين، والمحامون، والكتّاب، والصحافيون، والنساء، والأقليات جميعاً بإصلاحات جديدة في الحكم لجهة نبذ الممارسات التسلّطية التقليدية من القهر، والمراقبة، والإقصاء، والاستزلام. ويناقش القسم الآخر من هذا الفصل، الحراك الاجتماعي المنصبّ على الإصلاحات والتطلّعات الجديدة، المتباينة مع تلك التي نشأت في سياق الاحتجاجات الإسلاموية في التسعينيات من القرن الماضي.
أجندة الدولة في الإصلاح
توصّلت الحكومة، بعد مواجهة هجمات العنف الإرهابية، الى أن الأمن وأجهزة المباحث قادرة على التعامل مع بعض جوانب المشكلة فحسب، وتبقى في مسيس حاجة الى تجنيد/تطويع المجتمع نفسه لمكافحة التهديد والدفاع عن البلاد. وقد لجأت الحكومة الى العلماء وأساتذة الجامعات والكتّاب والصحافيين على أمل تطويعهم في المنبر المؤسس حديثاً، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. وفي أغسطس 2003، أعلنت الحكومة عن إعداد منصّة جديدة تحتشد عليها مجموعة مختارة بعناية من المثقفين وأساتذة جامعيين للانخراط في مناظرة مفتوحة حول الضغط الاجتماعي والقضايا الدينية والثقافية، وفق أجندة معدّة سلفاً. وأصدرت الحكومة بياناً حول اللقاء الأول، جذبت إليه نخبة البلاد. وبوحي من روح الأخوة الإسلامية، عقد هؤلاء نقاشات حول الشؤون الوطنية، وتوصّلوا إلى توصيات بنّاءة لتعزيز التمسّك بالعقيدة الإسلامية، وتأكيد الوحدة الوطنية.. وكان الهدف الرئيسي من ذلك هو مواجهة التطرّف وتهيئة مناخ مواتٍٍ يسهم في إبراز المواقف الحكيمة وإنارة الأفكار الرافضة للإرهاب والفكر الإرهابي.. فالحوار لن يقبل بتحويل الحرية إلى إساءة قبيحة، بمناداة الإسم أو مهاجمة العلماء الأخيار والوطنيين(2).
وحدّد البيان معايير لجلسات الحوار المستقبلية، فيما استبعد أي ذكر للإصلاحات السياسية، التي قد تشكّل تحدّياً لحكم آل سعود.
وأصبحت لقاءات الحوار الوطني حدثاً/مناسبة سنوية، تقام في مدن مختلفة. فقد جرت لقاءات في الرياض، والمدينة، ومكة، وجدة، وبريدة، والدمام. وفي كل عام، تعلن اللجنة المنظّمة المعيّنة من قبل الحكومة موضوعاً جديداً للمداولة وتدعو متحدّثين، لإعداد كلّمات ذات صلة بالموضوع المعيّن سلفاً. وشملت الموضوعات: الإرهاب والتطرف، والغلو الديني والاعتدال، والتسامح الديني والاختلاف، ومشاكل الشباب، والتعليم، والعمال، وحقوق المرأة. وبعد مناقشات تستغرق عدّة أيام، تنتهي اللقاءات بسلسلة من التوصيات، التي تبقى غير ملزمة ودونما هيئة تنفيذية للإشراف على وضعها في حيز التنفيذ. وتدرج التوصيات عادة في رسالة تقدّم إلى الملك. وبحسب السكرتير العام للحوار الوطني، فيصل بن معمر، فإن التوصيّات هي إرشادية وليست استشارية، ولكن (هناك أفكار مازالت قيد الدراسة حالياً لجهة أخذها بالاعتبار العملاني الجدّي، والكل يدعو إلى تنفيذ التوصيات وفق جدول زمني)(3).
وبات معلوماً أن التوصيات تلك ستقدّم إلى الأجهزة الحكومية ذات العلاقة وصنّاع السياسات.
وفي بداية انطلاقها، كانت لقاءات الحوار الوطني تجري بصورة مغلقة، ولكن بعد سنوات قليلة أصبحت تبثّ على التلفزيون. وأصبح اللقاء المعدّ بعناية مناسبة عامة تستقطب المعلّقين، والمناصرين، والنقّاد. ومع انتشار منتديات حوارية على شبكة الإنترنت، وكذلك وسائل جديدة في تقنية الاتصال، مثل رسائل الجوّال، واليوتيوب، بات ممكناً بالنسبة للسعوديين خارج اللقاءات السنوّية المناظرة ومناقشة مؤهّلات هذه المنابر المؤسسة حديثاً.
وقد عقدت أولى جلسات الحوار الوطني في الرياض في يونيو 2003، أي بعد شهر من أول انفجار إرهابي كبير ضرب العاصمة الرياض، وعقب ثلاثة شهور من احتلال العراق. وفرض هول الهجوم الإرهابي وظلال الاحتلال (الأميركي للعراق) شكلاً محدداً لموضوعات وأجندة اللقاء. وفيما لم يتم تقديم توصيات بصيغ محدّدة، فإن نداءات من أجل احترام القيادة والوحدة الوطنية صدرت من الجلسة التحضيرية الأولى التي نظّمتها لجنة الحوار الوطني.
وعقد لقاء الحوار الوطني الثاني في مكة في ديسمبر 2003. وكان موضوع النقاش يدور حول التطرف والاعتدال، ما يعكس أجندة الحكومة لمكافحة الإرهاب والخروج ببيان يدين العنف ويرفض خطابه الأيديولوجي. وشارك في اللقاء ستون أستاذاً جامعياً وخبيراً في مختلف الحقول، تشمل متخصّصين في الشريعة الإسلامية وعلماء اجتماع، وعلماء نفس، ومتخصّصين في الإعلام، وتربويّين. وقد كثّف علماء الدين المشاركون في اللقاء اهتمامهم على مقاربة (الوسطية) من منظور إسلامي، فيما قدّم علماء النفس تنظيرات حول اختلال شخصية العنصر الإرهابي، وسلّط علماء الاجتماع الضوء على العوامل البيئية والاجتماعية والتعليمية المساعدة، وشدّد علماء الاقتصاد على حميمية علاقة التهميش والحرمان الاقتصادي، وأضاء علماء السياسة على أهمية المشاركة وحقوق الإنسان، أما خبراء الإعلام فناقشوا دور الإعلام، وحرية التعبير، وتغطية الخطب الدينية. وبعد عدّة جلسات من المداولة، تم الإعلان عن ثماني عشرة توصية، شدّدت، بعيداً عما ذكر، على الحاجة للوحدة الوطنية والتسامح إزاء الاختلاف. ووجّهت بعض التوصيات الاهتمام نحو الحاجة للتوافق على تعريفات للمفاهيم الإسلامية التي ترسم حدوداً فاصلة بين المسلمين وغير المسلمين. وبحسب إحدى التوصيات، فإن انتشار الفتاوى غير المنضبطة والأحكام الدينية يلزم تقييده وإخضاعه للسيطرة والفحص. توصيات أخرى طالبت بتوسعة نطاق المشاركة السياسية عبر الانتخابات ومؤسسات المجتمع المدني. وفي موضوعة الإرهاب، حظيت بالتأييد الجماعي توصية بإعادة تأهيل وتدريب أولئك الذين ندموا على انخراطهم في العنف. وفي العموم، فإن اللقاء عضّد إجراءات الحكومة بتجنيد مؤسسات وأشخاص يساهمون في الشأن العام عبر الخطب، والمطبوعات، والمحاضرات، والتعاليم والعمل الاجتماعي لدعم الدولة في جهودها لوضع نهاية لموجة العنف التي تفجّرت في السعودية(4).
لقاءات الحوار الوطني المتعاقبة تعاملت مع قضايا المرأة، ودورها في المجتمع ومساهماتها فيه (يونيو 2004). وشاركت المرأة في اللقاء، وقدّمت وجهات نظرها في موضوعات ذات صلة بوضعهن الحالي وآفاق المستقبل الاقتصادي في البلاد، حيث تشكّل النساء غالبية متخرجي الجامعات، فيما تبقى مهمّشة في قوة العمل.
وقد اندلعت صدامات بين أولئك الذين يناصرون المزيد من الأدوار التقليدية للنساء وأولئك الذين يتطلّعون نحو مشاركة أكبر وظهور إعلامي، وقد واجه هؤلاء تهمة تعميم الأجندة الغربية، بغرض زعزعة استقرار المجتمع وتهديد النقاء والأصالة الإسلامية. وانتهت المناقشات دون النظر، بصورة جديّة، في التحدي الرئيسي باستيعاب العدد المتزايد من النساء المتعلّمات في الاقتصاد السعودي. واعتقدت بعض المشاركات بأن المحافظين والتقليديين اختطفوا اللقاء، الأمر الذي حثّهن على إرسال قائمة منفصلة من التوصيات إلى ولي العهد (آنذاك) عبد الله، الذي استقبل بصورة خاصة مجموعة صغيرة من المندوبات/الموفدات.
لقاءات الحوار حول الشباب، ونزوعهم الراديكالي، والبطالة الحالية، والتنمية المستقبلية كانت موضوعات ذات أهمية ضئيلة وفاترة. وقد طالب المشاركون بتقدير دور الشباب السعودي، الذين يشكّلون الأغلبية في البعد السكاني للبلاد، والذين يمكن أن يلعبوه في المستقبل، ويتطلب ذلك تشجيعاً ودعماً عبر برامج الشباب، والتدريب، والتوظيف. وتعتبر تلك الإجراءات إجراءات وقائية ضد اللامبالاة والضجر، وكلاهما قد يفضي إلى التطرف والسلوك التدميري المناوئ لكل ما هو اجتماعي.
وكان لدى الحكومة هدفان من مأسسة اللقاءات الحوارية، منها ثمانية لقاءات جرت في فترات سابقة. أولاً، جاءت المأسسة تلك كرد فعل على كثافة الاهتمام الإعلامي الدولي حول السعودية عقب حوادث الحادي عشر من سبتمبر. إن صورة السعودية بوصفها مجتمعاً مغلقاً وسريّاً، بقدر محدود من المناظرة المفتوحة، قد تطلب تصحيحاً بل وقلباً. وفيما سمحت الحكومة لوسائل الإعلام الدولية والعالمية للقيام، ولأول مرة، بتحقيقات صحافية على أراضيها، فإنها سعت إلى خلق أجواء انفتاح وشفافية عبر حوار منضبط واستطلاع رأي.
ثانياً، حرصت الحكومة على تجنيد المجتمع المدني لتحمّل مسؤولية تضييق الخناق على التطرف والعنف في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
وكان الإرهاب أحد الموضوعات المتواترة في كل جلسات الحوار الوطني، وهذا يؤكد دور الحوار الوطني كمنصّة، حيث يدين المشاركون من خلفيات فكرية واحترافية متنوّعة العنف، ويعملون النظر في توجّهاتهم الأيديولوجية السابقة، ويشدّدون على ولائهم للدولة، وامتثالهم لمتطلبات الوحدة الوطنية.
مركز الحوار الوطني مؤسسة تديرها الدولة، نشأ تحت تأثير ضغوط محلية ودولية بهدف تبديد التوتر، وتعديل المفاهيم، وانخراط المجتمع في الحوار مع القيادة، وتقديم الولاء. ولذلك، لم تكن اللقاءات مبادرة مستقلة إلى حد بعيد، أي ناشئة وتديرها منظمات المجتمع المدني المستقلة، بالرغم من أن الحكومات وأطقم العاملين القائمين على تنظيم تلك الفعالية سعوا من أجل زرع ذلك الانطباع في المخيال العام، أي بكون اللقاءات منابر حرة لتداول وجهات النظر والتشاور. ووهبت الحماسة المبكّرة المحيطة باللقاءات الأولى طريقاً لعدم المبالاة والفتور، الأمر الذي حفّز أحد الصحافيين للتعليق على لغة جسد المشاركة في جلسات جدّة، حيث كان يبدو بعضهم وكأنه يشعر بمتعة القيلولة (نوم الظهيرة) في فترة ما بعد ظهر ساخن في فندق خمس نجوم. لقد تبدّدت الحيوية المحيطة بهذه المبادرة الجديدة على وقع الروتنة والإطّرادية(5).
رحب كثير من السعوديين بالمبادرة في بادئ الأمر، كونها منحت المثقّفين والخبراء من مختلف التوجّهات فرصة لناحية تقديم أفكار، ونتائج بحث، وأملاً بالتأثير في السياسات العامة، ولكن توصّل كثير منهم الى أن هذا الحوار لن ينجب تغييراً سياسياً جديّاً(6). وببساطة، لم يكن الإصلاح السياسي مدرجاً على الأجندة، كما أفصحت الحوادث اللاحقة، والتي تمّت مناقشتها في هذا الفصل. ويبقى التغيير السياسي الجدّي مجرد مراوغة. وقد أثبتت الحكومة بأنها مقاومة لكل نداءات التغيير الدستوري الذي يفضي إلى مجلس شورى منتخب، للحلول في مكان مجلس الشورى المعيّن. وكانت الغاية وراء كل لقاء هي الولاء للقيادة والإجماع على أجندتها الإصلاحية. فقد هيمنت الموضوعات الاجتماعية، والأمنية، والدينية، والاقتصادية، على اللقاءات الحوارية، دون وجود أفق لأجندة إصلاح سياسي جدّي يمكن أن تسلك طريقها إلى صدارة قائمة الموضوعات المعدّة للنقاش. وبتعبير أشد صرامة، فإن الحوار الوطني خطوة نحو تحديث الحكم التسلّطي، دونما أثر فعلي جاد على سير الإصلاح السياسي الذي يجري في السعودية. إنه يجسّد مقاربة راعوية وأبوية قوية إزاء المجتمع السعودي وشخصياته الفكرية والاحترافية العامة، التي كان من المقرر أن تتعلم ألف باء المناظرة بدلاً من تمرير أجندتها الإصلاحية إلى الحكومة.
وبدلاً من التقييم النقدي لمؤهلات الحوار الوطني، فإن الصحافة الرسمية السعودية أضاءت على ثقافة الحوار، التي أكّدت على رواية الدولة حول الأوضاع البدائية والمتخلّفة للمجتمع السعودي فحسب. وصفّق كثيرون للدولة كونها تربي مواطنيها على طريقة مناقشة الموضوعات العامة ضمن القيود المحدّدة للحوار الوطني الذي ترعاه الحكومة. ودعت الدولة السعودية مواطنيها للإفصاح عن توصيمهم للعنف في الشارع، مع توكيد أن النقاش لن يلمح مطلقاً إلى الدور المباشر للدولة ومؤسساتها الدينية في خلق ظروف مناسبة لبروز الإرهاب الجهادي، على المستويين العالمي والمحلي. ليس من بين المشاركين في المناقشات من تجرأ على ربط العنف بالسياق السياسي الأوسع، أو لتدابير السياسة الخارجية السابقة، من قبيل التورّط في الجهاد الأفغاني في الثمانينيات من القرن الماضي، حين أشبعت الحكومة رغبة الإسلامويين بالخضوع لأجندتهم، وزيادة وتيرة رعاية التعليم الديني والجمعيات الخيرية الإسلامية لجهة تعضيد أوراق اعتمادها الإسلامية. على الضد من ذلك كله، قام المشاركون بفحص المجتمع، ونزوعاته في المحافظة وعدم تسامحه إزاء مبدأ الاختلاف، ما يعتقد الجميع بأنها ساهمت في الأزمة الإرهابية في البلاد. ودعي المثقّفون وعلماء الدين للانخراط في عملية نقد ذاتي وأداء فرض الولاء للقيادة.
مهما يكن، يلزم الالتفات إلى أن لقاءات الحوار الوطني فتحت نافذة للإطلال منها على تشخيص المشكلات. وفي واقع الأمر، أن السعوديين الذين جاؤوا من مختلف المكوّنات الاجتماعية والخلفيات الفكرية لمناقشة الموضوعات الهامة التي كانت مصنّفة باعتبارها محّرمات (تابوات)، أو مجرد المناقشة خلف الأبواب المغلقة، يعتبر إنجازاً في حد ذاته، خصوصاً في بلد تمثّل سياسة الإملاء من أعلى إلى أدنى العلامة الفارقة للحكم فيه لعقود عديدة. ولكن هل تلك اللقاءات ستولّد تأثيرات مباشرة على السياسة، فهذا ما ينبغي رؤيته. ولحد الآن، فإن إصلاحات الحكومة في المجالات الاجتماعية والدينية والتعليمية أدمجت جوانب من توصيات اللقاءات الحوارية. في حقل التعليم الديني، قد يعثر المرء على آثار للأفكار التوافقية التي جرت مناقشتها خلال جلسات الحوار. على سبيل المثال، أعلنت الحكومة عن نيّتها إصلاح مناهج التعليم الديني في المدارس، وفصلت خطباء معروفين بأفكارهم (المتطرفة). كما أعلنت أن ألفي (2000) إمام مسجد خالفوا المحظورات المفروضة على الدعوة ضد التعصّب قد تم إيقافهم عن العمل، وأن 1500 تم إرسالهم لإعادة التأهيل التعليمي (سفارة المملكة العربية السعودية 2004). كذلك أعلنت عن برامج لتحديث التعليم بصورة عامة، وتحسين مهارات اللغات الأجنبية، في سياق الاستجابة لتحسين المستوى التعليمي للشباب وزيادة قدرتهم التنافسية في سوق العمل المفتوح. ولكن لا تزال الحكومة تمانع بصورة رسمية إفساح المجال أمام المرأة، بالرغم من أنها تمنحهن بصورة تدرّجية مساحة محدودة في المناسبات العامة وفي الصحافة. وتظهر الصحافيات في المناسبات العامة الرسمية وتعدّ تقارير عنها لمصلحة قنوات فضائية أسّست حديثاً، مثل قناة (الإخبارية). كما شاركت نساء الأعمال في اللقاءات الاقتصادية التي عقدت في جدة، ورافق بعضهن ولي العهد عبد الله (الملك حالياً) في جولات خارجية إلى الولايات المتحدة والصين والهند. وكانت هذه الإجراءات الرمزية موجهّة بصورة مباشرة للرأي العام الدولي، المتحمّس لرؤية الموجة الجديدة من الانفتاح الاجتماعي، وفك اللغز السعودي ورفع الحجاب عن أكثر أسرارها ضموراً. وأفادت القيادة السعودية من هذه الفرصة لتركيب/تشكيل صورة عن بلد يشهد تدريجاً تحديثاً اجتماعياً واقتصادياً، والذي، رغم ذلك لن يبقى مندغماً في تقاليده الإسلامية ووفياً لثقافته الأصيلة. فقد ارتفعت الأصوات النقدية، خصوصاً من أولئك العلماء التقليديين المهمّشين، للاحتجاج على الظهور المتزايد للنساء في الشأن العام، ولكن القيادة، وببساطة، شعرت بالثقة التامة بتجاهل تلك الأصوات.
ولحد الآن، فإن الحكومة تجاهلت نداءات بتأسيس وزارة منفصلة خاصة بالنساء والشؤون الاجتماعية، وقاومت طلب إلغاء قيمومة الأقارب الذكور على النساء، أو حتى السماح لهن بقيادة السيارة. فالمرأة غائبة بصورة كاملة من مشهد الانتخابات البلدية المحلية، سواء ناخبات أم مرشّحات. ويحتل إقصاء النساء السعوديات من الحياة العامة والقيود الصارمة التي يواجهنها في مجالي العمل والحركة درجة متفوّقة في أجندة منظمات حقوق الإنسان الدولية، ولكن دون أن تلفت انتباه القيادة السعودية للآراء النقدية من قبل هذه المنظمات. وتستعمل الحكومة في الغالب ذريعة خصوصية التقليد الإسلامي للسعودية، للنأي عن تطبيق المعاهدات الدولية في مجالي إزالة التمييز ضد المرأة والحريات الدينية.
الانتخابات البلدية 2005
تضافرت الضغوط الدولية نفسها التي حفّزت القيادة السعودية على إطلاق جلسات الحوار الوطني مع مطالبات داخلية بالإصلاح، ما أدى إلى الإعلان عن نية تحديث المجالس البلدية المحلية، والتي ستضطلع بمهمة التعامل مع تقديم الخدمات في ثلاث عشرة منطقة في السعودية. وفي أكتوبر 2003، أعلن مجلس الوزراء عن قرار توسيع مشاركة المواطنين في المجالس البلدية: وسيتم انتخاب نصف أعضائها، فيما تقوم الحكومة بتعيين النصف الآخر. وأدى الإعلان إلى تنظيم انتخابات بلدية في شباط/فبراير 2005.
بدأت المدن الإدارية الرئيسية بتجهيز مراكز تصويت، ودعي الناخبون الذكور المأهلون بالتسجيل واستلام بطاقات التصويت. في الرياض، لم يتجاوز عدد الناخبين المسجّلين 18 بالمئة من المؤّهلين للتصويت، ويمثل العدد 2 بالمئة فقط من إجمالي عدد سكّان المدينة (Menoret 2005: 2). وكان لافتاً تزايد مستوى الاهتمام، المنعكس في النسبة العالية من التسجيل والمشاركة في المنطقة الشرقية، موطن الغالبية من الأقلية الشيعية. في مدينة القطيف الشيعية الصغيرة، تم رصد 46 ألف ناخباً مسجلاً، نصفهم تقريباً من أولئك الذين في العاصمة.
وكان المرشحون في كل المدن تقريباً، رجال أعمال محليين وناشطين واحترافيين، جاؤوا من مختلف التوجهات. ويحمل معظم المرشّحين (60 بالمئة) شهادات جامعية، وبعضهم من ذوي التوجّهات الإسلامية، فيما يعرّف آخرون بميولهم نحو أجندة ليبرالية، أو ببساطة يتوسلون رأسمالهم القبلي. وقد حظي الإسلامويون بتأييدات من شخصيات عامة معروفة أو علماء دين، نوّهوا بتقوى المرشحين والتزامهم بالخير العام. واستهواءً باستراتيجيات حديثة في الحملات الانتخابية، عبر رسائل الجوّال والإنترنت، وكذلك الضيافة التقليدية، ضمن المرشحون الإسلاميون معظم المقاعد في المدن السعودية الكبــيرة مثل الرياض وجدة، والأصغر منها مثل المدينــة المنــورة، وتبوك، والطائف.
عكست نتائج الانتخابات البنية المتغيّرة لسكان المدن، التي تحتضن الآن قسماً كبيراً من الطبقة الوسطى السعودية. وقد نمت الطبقة بصورة ثابتة منذ السبعينيات من القرن الماضي. ومعظم أفرادها موظّفون في القطاع العام، ولكن حصل كثيرٌ منهم مؤخراً على فرص عمل في القطاع الخاص المتنامي. ووعد تحرير الاقتصاد بزيادة أعدادهم وتخفيض الاعتماد على التوظيف في البيروقراطية الحكومية. ولديهم خبرة في الإدارة والتوظيف، ويبدون روحاً تنظيمية عالية. وقد بحث مرشحو الانتخــابات عن المقام الاعتباري أكثر من مجرد تعييــنهم في منصب عام. وبعض هؤلاء على قدر كافٍ من الثــراء الذي يمكّنهم من تحمّل نفقات الحمــلات الانتخــابية الخاصة بهم، والتي تشمل ترفيــه مئات من الناخبين المحتملين، وتقديم الضـيافة قبل موعد الانتخابات.
وعكس نجاح ما يسمى بالإسلاميين المعتدلين في الانتخابات البلدية ضعف ذوو التوجّه الليبرالي، الذين لم تكن لديهم سوى شعبية محدودة وتداخل مع المجتمع السعودي. وأشار المعلّقون على الانتخابات إلى تهميشهم، حيث يفتقرون إلى منابر تواصل مع المجتمع، بخلاف الإسلاميين الذين أفادوا من دعم علماء دين بارزين في مؤسسات التعليم، والمساجد، والجمعيات الخيرية، والحكومة.
كانت الانتخابات ذات أهمية ولكن محدودة، فقد أنجبت حماسة غير مسبوقة وعكست جهوزية المجتمع السعودي للانخراط في الإجراءات الديموقراطية الحديثة، بالرغم من افتقاره لمؤسسات ديموقراطية ومجتمع مدني حيوي. وفي بعض الجوانب، أبرزت الانتخابات زخارف الديموقراطية، دون أن تفرض تحدّياً جدّياً على الحكم التسلطي في السعودية. وتفيد تقارير بأن أعضاء المجالس البلدية المنتخبين لم يلتقوا بعد مرور عدّة شهور من انتخابهم لعضوية المجالس البلدية. وقدّم بعض الأعضاء استقالتهم بعد سنتين من انتخابهم لعضوية المجالس البلدية، نتيجة الإحباط والعجز في التوصّل لقرارات في مجالس تقديم الخدمات.
وبالرغم من جهود الحكومة في إطلاق، وبصورة مواربة، فرصة تاريخية لإدماج المواطنين في تفعيل وإدارة المجالس البلدية المحلية الخاصة بهم، ويبدو أن (المواطنين السعوديين حملوا نظرة مريبة ونافرة إزاء تلك الانتخابات) (Menoret 2005). وذلك عائد إلى حقيقة النظرة إلى البلديات كونها تحوز على سلطة محدودة، إذ أن اهتمامها منصّب بدرجة رئيسية على إيصال الخدمات الأساسية، وليست لديها سلطة التأثير في مخصصات الميزانية أو استصطلاح (تطوير) الأراضي. بعد عامين من الانتخابات، شدّد معلّق سعودي على أن (المجالس البلدية أثبتت بأنها عاجزة.. فأكثر من نصف القرارات لم يتم تطبيقها. ومعظم القرارات الأخرى كانت بدعم من الحكومة المركزية (نيويورك تايمز، 26 أبريل 2007).
رغم ذلك، تبقى الانتخابات خطوة هامة لناحية تحديث الحكومة التسلّطية التي خضعت تحت تأثير ضغوطات دولية ومحلية للقيام بإصلاحات. وكان ينظر إلى السعودية بكونها تحاول اللحاق بالأنظمة التسلطية العربية الأخرى: فقد عكست نشاطية الانتخابات المحلية والوطنية في بعض الدول العربية سنة 2005 أملاً منبثّاً إزاء أجندة إصلاحية واسعة، تبدأ بالتغيير الاقتصادي والاجتماعي، ولكنها قصرت عن تعديل هيكلية الحكم التسلّطي، أو الحد من انتهاكات حقوق الإنسان، أو تقليص الإجراءات الأمنية القهرية للأنظمة. وكانت الانتخابات في السعودية نتيجة قرار من أعلى إلى أسفل تم تطبيقه في مجتمع لا يملك سوى عدد محدود من المؤسسات المستقلة، وقدر ضئيل من حرية الاجتماع. ويبقى المجتمع السعودي ضعيفاً في مقابل الدولة، التي تحظر العمل الجمعي، باستثناء تلك التي تجري تحت إشراف وترخيص الحكومة. وبالنظر إلى فعاليات عامة مثل الصالونات الأدبية، والنوادي الرياضية، وسباقات الجمال، وإلقاء القصائد، وانتخابات الصحافيين والغرف التجارية، فإن الدولة تفرض سيطرتها على إرهاصات المجتمع المدني الكامن والحراك الاجتماعي المستقل.
وعبر نزعة الأبوية والرعاية، تستوعب الحكومة جماعات وتنشئ شكلاً مشابهاً للبرلة. فليس ثمة ما يشبه هذه الاستراتيجيات سوى تأسيس لجنة وطنية لحقوق الإنسان.

([) ورقة قدمت الى ندوة »من أجل الوحدة العربية.. رؤية إلى المستقبل« التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية قبل أيام
(1) يجري أحياناً إسباغ نعت مرواغ على تحديث الحكم التسلطي فيسمى (تطوير)، وهي ظاهرة برزت في كثير من البلدان العربية، عقب فترة الحادي عشر من سبتمبر. يحدّد (Heydemann:2007) أربعة تطورات تعكس، في رأيه، عملية التطور وهي: الاستيلاء على واحتواء المجتمع المدني، إدارة عملية الاعتراض السياسي، حيازة فوائد الإصلاح الاقتصادي، وتنويع الروابط الدولية.
(2) أنظر: http://www.saudiembassy.net, بتاريخ 2 أغسطس 2003
(3) أنظر: Qusti 2007
(4) ظهر كثير من المقالات في الصحافة السعودية حول الحاجة إلى قبول (الآخر) عقب لقاء الحوار الوطني. ونالت صحيفتا (الوطن) و(أراب نيوز) قصب السبق في تعميم مبدأ التسامح عبر صفحات الرأي في الصحيفتين. أنظر: Qusti 2004
(5) شدّد المسؤولون السعوديون على عدم وجود حدود مفروضة على لقاءات الحوار الوطني. أنظر:Qusti 2007.
(6) إن أولئك الذين يدعون صراحة إلى الإصلاح السياسي في المملكة السعودية كانوا يعملــون من خــارج مركز الحوار الوطني. ستتم مناقشة عرائـضهم السابقة لاحقاً في هذا الفصل.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية