2006/06/30

الشتات العراقي الي اين؟ دراسة اجتماعية وتاريخية للهجرة العراقية (2 من 2)

مقال من جزئين نشر في القدس العربي بتاريخ 22-07-2005

المعارضة العائدة حظيت بنصيب الاسد.. وبعض افرادها اخذوا اجازات طويلة من شركاتهم الاوروبية
احتلال العراق ادي لموجة هجرة جديدة.. ولاجئون يعيشون علي الهامش ويحلمون بالسفر لاوروبا
مضاوي الرشيدہ
لؤلوة الرشيدہہ
التجربة في البلد المضيف: اقامة ام ترانزيت؟
ان استعداد الدول المضيفة لقبول المهاجرين يؤثر علي تجربة المقيمين الجدد او المهاجرين. ومع ذلك لا توجد في بريطانيا سياسة واضحة او شفافة تجاه المهاجرين او اللاجئين. فالاجراءات التي يتعرض لها العراقيون الراغبون بتغيير وضعهم الاقامة في بريطانيا من مقيمين مؤقتين لدائمين (ويطبق هذا علي الطلاب، السياح، ورجال الاعمال الراغبين بالاقامة في بريطانيا، بعد انتهاء تأشيرة الزيارة) معقدة وتأخذ وقتا طويلا. وفي الوقت الذي يجد فيه الفرد الذي يملك عقد توظيف مع مؤسسات سهولة في الحصول علي رخصة عمل (يقوم بتقديمها صاحب العمل)، ويحصل بموجبه علي تصريح عمل يعطيه الحق بالبقاء لمدة عام صالح للتجديد، ومقارنة مع هذا، فطلبات اللجوء غالبا ما تتبع اجراءات صعبة ومعقدة.
وفي الاردن، اتبعت الحكومة في التسعينات من القرن الماضي سياسة غامضة للتصدي لموجات الهجرة العراقية، في الوقت الذي اكدت فيه علي دورها الانساني في استقبالهم. ويبدو ان الموقف الخاص يعتمد علي العلاقات السياسية غير المستقرة مع النظام العراقي، وادي هذا الي وجود غير مستقر، يخلو من التأكيدات، وحتي ادي لسياسات تمييز ضد العراقيين الذين وصلوا الي الاردن. ويقدر عدد العراقيين الذين حصلوا علي اذن للاقامة صالح للتجديد الي 20 الف عراقي، وهو الاذن الذي اعطي بناء علي المصادر المالية التي اودعت في الاردن، الا ان غالبية العراقيين يقعون ضمن الفئة التي يطلق عليها (sans papiers) الذي يعني: المقيمون غير الشرعيين، الذين يواصلون الاقامة في الاردن حتي بعد انتهاء اقامتهم الشرعية، وفي العادة يمنح اي قادم للاردن من العراق اقامة لمدة ستة اشهر، ولا يسمح لحامل التأشيرة العمل في الاردن، واي شخص يتجاوز المدة القانونية لاقامته تفرض عليه غرامة مالية.
المملكة الاردنية الهاشمية لا تخضع للقوانين الدولية المتعلقة باللاجئين (ميثاق جنيف، 1951، وبرتوكولاته الصادرة عام 1967)، ومع ذلك فالمفوضية الدولية العليا لشؤون اللاجئين سمح لها في التسعينات بالعمل في الاردن، وبناء علي شرط وهو ان يتم توطين اللاجئين في بلد ثالث، وخلال ستة اشهر من تسجيلهم. وبحسب مصادر المفوضية، فالاردن تبني سياسة اكثر انفتاحا، مع انها محدودة زمنيا، تجاه العراقيين وطالبي اللجوء. ورسميا، يرفض الاردن اقامة دائمة للاجئين العراقيين، ولكنه اصبح المحطة الفعلية، ترانزيت عبور للاجئين. ولا تزال مناظير عمل العراقيين في الاردن غير واضحة خلال العقد الماضي. فالقادمون الاوائل، خاصة الانتلجنسيا واعضاء الطبقة الحرفية تم استيعابهم جزئيا في الاقتصاد المحلي والمؤسسات الاقتصادية الاردنية الجديدة، وفي الجامعات الخاصة ومراكز الفنون والثقافة التي كانت تعاني من نقص واضح في الخبرات في بداية التسعينات من القرن الماضي. ووجدوا اعمالا كفنانين وادباء وصحافيين واساتذة، واسهموا في انشاء حياة ثقافية فاعلة في فترة الازدهار الاقتصادي التي لم تعمر طويلا. وجاءت بعد ذلك مرحلة من اشباع، وفي منتصف التسعينات من القرن الماضي، فقد انحصر العراقيون في قطاع شبه الحرفيين والمهن غير الحرفية في الاقتصاد الهامشي. واصبحوا مصدرا لدعم قطاع العمل اليومي، الرخيص والهامشي الذي كان ينتعش في البلاد. وظهر الباعة المتجولون العراقيون في شوارع عمان او ما صار يعرف بـ السوق العراقي ، وهي المنطقة التي كان يعمل فيها (الباعة المزايدون علي بضاعتهم) الذين يتاجرون بالمواد المهربة والرخيصة من العراق، مثل الارز، والتمر والفواكه والمواد الالكترونية، وكان لتعويم العملة العراقية دور هام في اعطاء العقود التجارية التي كانت تعقد في السوق قيمة جديدة، وهناك نشاطات تجارية مشابهة ظهرت في مدن اردنية اخري مثل اربد. واذا اخذنا بالاعتبار ان نسبة البطالة في الاردن في فترة التسعينات من القرن الماضي وصلت الي 30 بالمئة، فمنظور حصول العراقيين علي فرصة عمل كان محدودا.
مواقف وردود الفعل الاردنية تجاه العراقيين تراوحت بين التسامح والكراهية. وادت الخلافات الثقافية والطائفية بين العراقيين والاردنيين لصعوبة في الاندماج. فغالبية الاردنيين مسلمون سنة، في المقابل، فان معظم المهاجرين العراقيين هم من الشيعة العرب الذين حملوا معهم تقاليدهم وثقافتهم الدينية. في المقابل، اختار المسيحيون العراقيون السكن في احياء المسيحيين الاردنيين في عمان، حيث اعتمدوا علي الصلات وشبكة العلاقات مع المسيحيين الاردنيين، مما سمح لهم بدخول المدارس والمراكز الصحية والجمعيات الخيرية التي تديرها الكنيسة. ولا يزال الوجود العراقي في الاردن اشكاليا، ولكن وجود مفوضية الاغاثة، والسفارات الاجنبية لعبت دور الجاذب في فترة التسعينات من القرن الماضي. ونظرا لعدم وجود سفراء او ممثلين اجانب في العراق اثناء هذه الفترة، اجبر العراقيون الراغبون بالسفر للخارج للتوجه نحو الاردن من اجل الحصول علي التأشيرات، خاصة للدول الغربية.
مواقف المجتمعات في لندن وعمان من المهاجرين اثرت علي الطريقة التي تكيف فيها العراقيون داخل هذه المجتمعات. في لندن، ومنذ الثمانينات من القرن الماضي، اصبح العراقيون وسطاء للمصالح التجارية الخليجية/ العربية والاقتصاد البريطاني الواسع. فقد قام العراقيون في لندن بايجاد موطيء قدم لهم في الاقتصاد من خلال شركات العقارات، وتجارة الاستيراد والتصدير، وكعاملين في شركات السياحة والسفر، وفي ادارة خدمات العقارات، والترجمة والخدمات المصرفية، ودور النشر، وغاليري الفنون، ودور النشر والاعلام العربية، والتي ازدهرت في لندن في السبعينات في فترة الازدهار النفطي، في الوقت الذي بحثت فيه النخبة المتعلمة عن فرص عمل في قطاع الاقتصاد الواسع البريطاني، وانخرطت في نشاطات تجارية، فيما قدم الاخرون خبراتهم التجارية للقطاع التجاري العربي الناشيء في لندن، خاصة في الاحياء التي تعيش فيها اقليات عربية والتي بدأت تظهر بشكل واضح في سبعينات القرن الماضي.
مع ان التخصصات الاقتصادية لها وجوه ايجابية اقتصادية، حيث سرعت من عمليات التكيف الاقتصادي في البلد المضيف، الا انها قادت لحوادث تمييز عنصري، خاصة في الفترة التي تلت حرب الخليج عام 1990، حيث بدأت مواقف العرب والبريطانيين تتغير تجاه المهاجرين العراقيين. وتعرض كل من الطلاب والمهاجرين العراقيين الي التحرش. كما ان عددا من الباحثيين العراقيين المعروفين والذين تدربوا في الجامعات البريطانية العريقة تعرضوا للضغط من قبل الحكومة البريطانية اثناء حرب الخليج. وفي نفس الوقت، شك اصحاب الاعمال في دول الخليج خاصة في السعودية والكويت في ولاء الموظفين العراقيين وتخلصوا منهم بشكل تدريجي. مما اثر علي العراقيين من رجال الاعمال الذين يديرون اعمال المؤسسات المالية الخليجية في لندن، والصحافيين العاملين في مؤسسات اعلامية خليجية، والعمال غير الحرفيين الذين كانوا يعملون في خدمة السياح القادمين من دول الخليج للندن. وسري داخل قطاع المهاجرين العراقيين حس من الظلم والاحباط، وشعروا انهم اصبحوا عرضة لتمييز مزدوج، واحد في داخل بلادهم والاخر من المجتمع المضيف، والقطاع العربي داخل هذا المجتمع المضيف.
المساهمة العراقية لقطاع الاعمال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المحلي في لندن، يبرز من خلال ظهور التجارة الاثنية المتوسطة والصغيرة (بشكل رئيسي غرب لندن)، والموجهة اساسا لخدمة الاقليات العربية في العاصمة، وبشكل ثانوي لخدمة ابناء المجتمع المضيف. ولا ينافسهم الا المصريون والفلسطينيون واللبنانيون، فقد قام العراقيون اكثر من غيرهم بالاسهام بخلق حياة ثقافية وفنية حية في العاصمة البريطانية. وادت مهاراتهم ورأسمالهم البشري الذي اقترن بالمال الخليجي، لتحويل لندن لشبكة عربية عابرة للحدود، ولا تقارن باي من العواصم الاوروبية.
وقد تم هذا بدون وضع اي ضغوط علي المصادر المحلية، وانعكاسات هذا الوضع علي خدمات الدولة المضيفة مثل الصحة والتعليم والاسكان والرفاه كان في ادني الحدود. وفي الوقت الذي يحصل فيه اللاجيء الحاصل علي لجوء عدد كبير من الفوائد والمساعدات من الحكومة البريطانية ونظام الرفاه والخدمات الاجتماعية، الا ان الجمعيات التي تخدم المهاجرين والموجودة كلها حشدت من اجل الاستجابة لاحتياجات اللاجئين العراقيين، من مثل جمعية الجالية البريطانية في غرب لندن، ومؤسسة الامام الخوئي في شمال لندن، اللتان تقدمان خدمات معلوماتية، وتدريبا وفرص عمل لاعضاء المجتمع العراقي ونصائح حول العمل في بريطانيا، وتقوم بالاعتماد علي المتطوعين لمساعدة اللاجئين. وكلا الجمعيتين تقومان بجمع التبرعات والاموال من الاثرياء العراقيين. وترافق هذا مع العلاقات الاثنية والطائفية القوية والتي تخفف من حدة الاعتماد علي مصادر الدولة المضيفة، لانها تقوم بتوفير الدعم المباشر والهام للاجئين.
وفي الوقت الذي قمنا فيه بتوثيق الطبقة العراقية الحرفية والتي تتمتع بمهارات عالية، فان الصورة لن تكتمل بدون ان نضيف اليها التجربة المهمة لجزء هام من القطاع العراقي، خاصة الذين جاؤوا في المرحلة الاخيرة، في نهاية حقبة التسعينات من القرن الماضي، فجهود هؤلاء للانخراط في النشاطات الاقتصادية كانت عرضة للعديد من القيود. كما ان خبراتهم وتعليمهم الذي تلقوه في عراق الثمانينات وعراق الحصار، ليست كافية او متقدمة بما فيه الكفاية لكي تسمح لهم بالعمل في بريطانيا. وحتي اصحاب الشهادات العالية منهم، كتاب، ومحامون وفنانون غالبا ما تكون لديهم خبرات او مهارات ليست بالضرورة قابلة للتكييف في المجتمع المضيف. كما ان خبراتهم الانكليزية محدودة، ويحتاجون لوقت طويل قبل ان يستطيعوا الحصول علي فرصة عمل جيدة في بريطانيا. وفي غالبية الحالات، فان تجربة الافراد تؤخر الحراك الاجتماعي ـ الاقتصادي ويقترن هذا الوضع مع الشعور بالاحباط والقلق والتوتر في العلاقات الزوجية والشعور العام بالاحباط والغبن.
ويبدو ان التجربة الاردنية مختلفة، فعدد قليل من رجال الاعمال العراقيين، بعضهم كانت له ارتباطات مع النظام في بغداد، استطاعوا تحويل عمان الي بديل ومركز لنشاطاتهم التجارية والمالية وذلك من اجل التحايل علي الحصار الدولي. ولكن غالبية المهاجرين العراقيين ومسافري الترانزيت غالبا ما يوجودون علي هامش الاقتصاد والمجتمع الاردني. ولان وجودهم غير رسمي فهم محرومون من الحصول علي الخدمات الحكومية، خاصة التعليم والصحة.

السياسة في الدياسبورا

الاقتصاد السياسي لعراقيي الدياسبوا هو عبارة عن وضع يشير للتداخل بين السرديات الموضوعية وسرديات التهجير من جهة وبين الوضع الاقتصادي الصعب، والكفاح السياسي واللوازم الجيو ـ استراتيجية. بعد حرب الخليج (1990ـ 1991)، دخل العراقيون في الخارج لمجال النشاط السياسي، حيث تشجعوا من الدعم الخارجي، بشكل رئيسي من امريكا وبريطانيا وايران وبعض الدول العربية السعودية والكويت والاردن . وساعدت الاتصالات الدولية، خاصة الانترنت والمواقف الدولية من النظام العراقي علي ظهور المعارضة في الخارج علي الرغم من تشظيها الجغرافي وتشتتها. وفي الوقت الذي لم تتعرض فيه الغالبية العظمي من العراقيين في الخارج للتسييس، فان الناشطين في المنفي اعادوا احياء المعارضة في الخارج التي اختفت بسبب عقود من الاضطهاد في الداخل والمواقف الدولية اللامبالية منها. ولا يعتبر النشاط السياسي انعكاسا لطبيعة خاصة في الهجرة العراقية فقط، وحيوات وتورايخ الممثلين فيها، ولكنه بعد عام 1991 اصبح فرصة لتعزيز الاعمال السياسية والاقتصادية المربحة. والمعارضة العراقية ليست استثناء كما هو واضح من الاتهامات الكثيرة عن الفساد واساءة الاستخدام المالي للدعم الاجنبي والتي طفت علي السطح في التسعينات من القرن الماضي بين المعارضة العراقية في المنفي.. فقد اعطي الدعم المالي الكبير الذي قدمته الادارات الامريكية المتعاقبة جماعات المعارضة لتشكيل احزاب سياسية كما اعطتها الفرصة لتشجيع انشقاق المسؤولين العسكريين والمدنيين الكبار في نظام صدام. وفي عام 1998 صادق الكونغرس الامريكي علي قانون تحرير العراق والذي كان يهدف للاطاحة بصدام حسين من خلال الدعم المالي واللوجيستي للمعارضة في المنفي.
وفي بعض الاحيان بلغت جماعات المعارضة العراقية 100 حزب واكثر من اربعين مطبوعة. وكان مركز المعارضة العراقية، لندن، بلا شك، حيث انشأت فيها الاحزاب السياسية مقرات فيها، ولكن واشنطن تحولت لمركز تمويل مالي مهم. وخلال عقد التسعينات من القرن الماضي، عقدت الاحزاب السياسية اجتماعات دورية في لندن، حيث ضمنت تغطية اعلامية وصحافية واسعة. وكان اخر هذه اللقاءات الاجتماع الذي عقد في كانون الاول (ديسمبر) 2002، والذي شهد منافسة حامية بين السياسيين العراقيين في المنفي والشخصيات التي نصبت نفسها ممثلة للعراق في مرحلة ما بعد صدام حسين. وعلي خلاف المواقع الاخري التي عاشت فيها المعارضة، مثلا، دمشق، وعمان وبيروت وطهران، حيث كانت حريتها مقيدة من قبل الحكومات المضيفة كما ان الامن لم يكن مضمونا بالكامل، فلندن ينظر اليها علي انها ارض محايدة ، بعيدة عن يد النظام العراقي. وبالنسبة لشيعة العراق، فقد حاولوا التحرر من تبعيتهم لايران عبر بناء جذور لهم في اوروبا وامريكا في التسعينات من القرن الماضي، واستطاعوا الحصول علي سمعة جيدة واحترام اكبر من حكومات الغرب التي كانت معادية لهم.
ومن خلال معاهد البحث، ومقرات الاحزاب، والمعارض الفنية، ومراكز المساعدة الاجتماعية والاغاثة، ونوادي اللاجئين والمساجد، وجد عدد قليل من المنفيين عملا كقادة للمعارضة، وناشطين في مجال حقوق الانسان، وارباب دعاية عن الهويات الدينية والاثنية، ومخططين وراسمي استراتيجيات حول القضايا الاجتماعية والسياسية في بلدهم العراق والتي تم نشرها حول العالم وفي المدن التي يتواجد فيها العراقيون بكثافة. وفي بعض المرات، احتفت هذه النشاطات بالهويات المحددة المتجذرة في الولاءات الدينية والاثنية، وفي مرات اخري تم الترويج لهوية عراقية واحدة. كما ان النتاجات السياسية والفكرية قامت بتشكيل الهوية المحددة، وفي الوقت نفسه نشرت وعيا بالاصل الجغرافي الواحد داخل هذه الدياسبورا المتفرقة والمنقسمة. وقد ادت هذه الاشكال للتأثير علي الطريقة التي تم فيها النظر لمرحلة ما بعد صدام حسين. فـ الهوية السياسية التي عرفت واعيد تعريفها خلال التسعينات بين المنفيين السياسيين والمهاجرين، حصلت علي دفعة داخل العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. وتحديدا، فان تشكل ثلاث هويات سياسية، واحدة شيعية، واخري سنية، وثالثة كردية، كانت نتاجا لسياسة المنفي وكنتاج لضيق مجال تأثير النظام البعثي السابق منذ حرب الخليج (1990 ـ1991).

الاطاحة بصدام حسين ومستقبل موجات الهجرة

الوضع الغامض الذي يلف انتقال العراق من مرحلة الديكتاتورية الي مرحلة التعددية السياسية والاستقرار يجعل من الصعوبة بمكان التكهن باتجاه الهجرة العراقية او تطور وضع المهاجرين في الخارج. وفي الاردن وبريطانيا، يلاحظ انه لم تجر هجرة جماعية من العراق بعد الاطاحة بنظام صدام حسين في نيسان (ابريل) 2003. وبعد عام من الاحتلال لم ترجع غالبية المنفيين العراقيين ولم تبد اي مظاهر استعداد للعودة. فالعنف الحالي في البلاد، والاهم من ذلك، هو حقيقة قيام المهاجرين ببناء حياة لهم خارج البلاد، يشرح هذا الموقف بين المهاجرين. ومع ذلك، فبعض المهاجرين يزور العراق في رحلات قصيرة، بهدف احياء وتنشيط الشبكة العائلية التي تأثرت بشكل كبير بسبب الغياب الطويل. فالخوف من تعرض حياتهم للخطر، وبطء عملية اعادة اعمار البنية التحتية للاقتصاد العراقي الذي يعاني من معدلات عالية من البطالة والبنية التحتية المتهالكة، تعمل ضد العودة الجماعية للعراق.
في الاردن، هناك عدد كبير من طالبي اللجوء المسجلين في المفوضية الدولية للاجئين في عمان والذين رفضوا العودة في ظل الاوضاع الحالية، من الفوضي السياسية، والاوضاع الاقتصادية غير الواضحة وفوق هذا غياب الامن وفي غالب الحالات الترحيل الاجباري لبلد المنشأ يعني انهيار الحلم للانتقال الي بلد ثالث، من المفضل الغرب يضمن فيها الانتعاش الاقتصادي. وربما لو قامت مفوضيات اللاجئين باللجوء في المستقبل للحوافز المالية، لجذب اللاجئين للعودة الي بلادهم.
تغيير النظام ادي لتوليد موجة هجرة جديدة، ذات طبيعة سياسية، وتشمل هذه الموجة واحدة من الانواع التالية:
ـ اعضاء في المجتمع المسيحي العراقي، التي كانت اعداده في تناقص خلال العقود الماضية بسبب الهجرة من البلاد. ويعتقد ان الخوف من سيطرة الاسلاميين علي السلطة كانت وراء رحيلهم. واكثر من هذا، فالعلامات البارزة لعمليات اسلمة الفضاء العام والتي بدت من خلال تأثير وقوة العلماء السنة والشيعة في الحقل السياسي، بما في ذلك الهجمات المتفرقة علي المحلات التي تبيع الخمور والاشرطة الموسيقية والفيديو، وفرض الحجاب علي غير المسلمات في بعض المناطق (البصرة)، اشعلت فكرة الرحيل بين المسيحيين العراقيين. واكد الاب الدومينكاني، يوسف طعمة في مقابلة جرت في بغداد: نحن مسيحيو العراق، لدينا عقدة كبيرة بسبب وضعنا كاقلية، ومن الصعوبة بمكان الهروب من الرهاب الواضح داخل الاقليات عامة، كرجل دين، احاول كفاح هذه العقدة. واقول لاتباع الكنيسة ان عليهم الا يفسروا الاعتداءات المعزولة ضد اعضاء المجتمع علي انها سياسة معادية ضد المسيحيين عامة، مكاننا في العراق بحقوق متساوية مع اخواننا المسلمين .
ـ اعضاء النخبة من النظام السابق: كان تغيير النظام مفاجئا وشاملا، ادي للتشوش والفوضي بعد دخول القوات الامريكية العاصمة بغداد. فالاردن وسورية كانتا المهرب الطبيعي للنخبة البعثية، مثل اعضاء الحزب، وضباط الاستخبارات والمسؤولين الكبار في قطاع الخدمة المدنية الذين كانوا علي صلة بالنخبة السياسية والاقتصادية في البلدين الجارين.
كما ان الثروة التي جمعها اعضاء هذه النخبة والتي حملت بالحقائب حيث اجتازوا الحدود لعبت دورا في تسهيل دخولهم لهذين البلدين. في عمان، فان هذا التدفق غير المسبوق من العراقيين الاغنياء ادي الي ارتفاع حاد في اسعار العقارات، حيث بدأ هؤلاء بشراء البيوت او تأجيرها. كما قدمت دول الخليج مثل قطر والبحرين والامارات ملاجئ امنة لاعضاء النظام السابق (خاصة الوزراء والدبلوماسيين السابقين). وتعرضت الاردن وسورية لضغوط امريكية خلال عام 2003 وذلك لمنع المسؤولين السابقين من دخول اراضيهما او تسليم الذين وصلوا، خاصة اعضاء عائلة صدام حسين وعشيرته.
ـ في المرحلة الثانية من الخروج العراقي، ضمت اعضاء الطبقة الوسطي في الحزب، واعضاء في سلك القطاع المدني الذين اجبروا علي انهاء اوضاعهم السرية في ظل النظام السابق، وكذلك بداية تصفية الحسابات والاغتيالات ضد رموز النظام السابق والتي بدأت منذ نيسان (ابريل) 2003. بالاضافة لسياسة ما يعرف باجتثاث البعث وحل الجيش العراقي السابق من قبل القوات الامريكية في ايار (مايو) 2003، والذي لم يترك امام الكثير من العراقيين اي خيار سوي الرحيل عن البلاد. كما منع الوف من التكنوقراط العراقيين من العمل في المؤسسات العامة حيث فقدوا وظائفهم وحرموا من مصادر العيش. واختاروا الهجرة لبلدان مثل اليمن وليبيا، حيث هناك حاجة كبيرة للخبرات والحرفيين المؤهلين.
ومع انهاء ادارة النظام السابق وسياسته تقريبا، ظهرت فجوة بين العائدين المعززين بالقوة وبين الذين عاشوا في ظل النظام الديكتاتوري والشظف الاقتصادي خلال سنوات الحصار الدولي، وقد بدت بشكل واضح في مرحلة ما بعد صدام حسين. وطالب الذين بقوا في ظل النظام بدور هام حيث قالوا انهم دفعوا ثمنا باهظا ولهذا يستحقون دورا كبيرا في اعادة الاعمار للبلاد والنظام السياسي. وهذا التفريق مرتبط الان بالتوتر الشديد علي المستويات السياسية والاجتماعية. ولكن المنفيين الذين كانوا ناشطين في الاحزاب المعارضة، سواء في لندن او واشنطن او طهران اخذوا حصة الاسد من التمثيل السياسي والنظام الاداري الذي انشيء برعاية سلطات الاحتلال. ويجب الاشارة ان رئيس الوزراء الانتقالي والرئيس كانوا من المنفيين في الحكومة المؤقتة عام 2004. كما وجد العائدون من المنفي وظائف في الجيوب الواسعة التي انشأها الامريكيون والبريطانيون في مجال الادارة والعسكرية. فقد عملوا كمستشارين مساعدين او مترجمين لسلطة التحالف المؤقتة وخليفتها السفارة الامريكية في العراق.
وقد تم استهداف بعض العائدين من قبل المقاتلين المعارضين للاحتلال الامريكي حيث اعتبروا خونة. وهناك البعض من العائدين ممن اكتشفوا مبكرا خداع اربابهم الاجانب.
اما الموظفون من اصحاب الرواتب العالية فقد اخذوا اجازات طويلة من شركاتهم وسافروا للعراق بحثا عن فرص جديدة بدون ان يقطعوا علاقاتهم مع ارباب العمل السابقين. وفي الكثير من الحالات، فالجنسية المزدوجة اعتبرت كضمان ضد الوضع غير الواضح في العراق بعد الاحتلال.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية