2008/12/22

السعودية: اسطورة صراع الاجنحة وتعطيل الاصلاح

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 22-12-2008

ارتبط تعطيل الاصلاح ومسيرته في السعودية بأسطورة كبيرة مفادها ان النخبة الحاكمة تتكون من اصلاحيين تقدميين سبقوا عصرهم ومجتمعهم وآخرين ما زالوا يتبعون اساليب تقليدية في ممارسة الحكم فهؤلاء لا يعرفون الا مبدأين. مبدأ القمع المباشر ومبدأ شراء الضمائر والاستقطاب.
سيطرت هذه الازدواجية المزعومة على عقول وتفكير الكثيرين في الداخل السعودي من فئات مختلفة الاتجاهات الفكرية كالتيار المعروف بتيار الاصلاح الدستوري وغيرهم من الذين رفعوا شعارات الاصلاح خاصة بعد مرحلة العنف الذي ضرب السعودية منذ عام 2003 بالاضافة الى تيارات اسلامية هي ايضا حملت هم الاصلاح ولكنها انفرطت او آثرت الهدنة غير المعلنة ولكنها الممارسة حاليا من قبل المحسوبين على هذا التيار. وتشبث المراقبون في الخارج باسطورة الازدواجية السعودية من اجل تأصيل خطاب تبريري يتلمس الاعذار لتعثر الاصلاح السياسي الجذري والذي يقوم اولا على تفكيك بنية الحكم المطلق ومن ثم بناء هيكلية مؤسساتية من اجل ترسيخ بديل لممارسة الاستفراد بالسلطة. الانفصام المزعوم تجاه قضية الاصلاح المنتظر والمتوقع كان نتيجة عملية اعلامية باهظة التكاليف. شارك فيها الكثير من اصحاب التوجه الاصلاحي المزعوم بالاضافة الى طيف كبير من الناشطين والكتاب المعروفين الذين احتاجوا الى غطاء النخبة الحاكمة من اجل ضمانة امنهم الشخصي وموارد رزقهم. ولكن لم ينفعهم هذا الموقف اذ انهم وجدوا انفسهم وجها لوجه امام نظام وان تعددت رؤوسه الا ان مهمته الهامة الاولية تثبيت سلطة المجموعة ككل واستمرارية تفردها بالسلطة وتوزيع الادوار حسب منظومة خاصة بها لها منطقها الداخلي والذي تحسمه هي دون ان تأبه بالرعية التي تحكمها.
تعلق دعاة الاصلاح الداخلي بمنظومة الازدواجية الحاكمة ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في تسخيرها لصالح قضيتهم اذ انهم اعتقدوا وآمنوا بقدرتهم على استغلال فجوة في صراع الاجنحة المزعوم من اجل تحقيق ولو جزء بسيط من مشروعهم الاصلاحي. وبعد اكثر من خمسة اعوام على ما روج له على انه 'ربيع الرياض' نجد هذا الربيع الذي ارتبط بسلسلة من البيانات والحراك الفكري قد مر كمرور غيمة صيف في بلاد حارة ولم يتحول الى رياح خماسين تقتلع اطار الممارسات القمعية والاستفراد بالسلطة. وها هو عام 2008 قد قارب على الانتهاء دون ان يحصد الاصلاح ثمرة ناضجة وما حصد سوى قمع مستمر وسجن انفرادي واستمرارية خطاب التنمية الاقتصادية كبديل للاصلاح السياسي الذي ساعدته الطفرة النفطية التي هبت فجأة ومن ثم بدأت تخمد تحت وطأة اسعار نفط متهاوية وارتفاع كبير لسلع أخرى. وان سلمنا جدلا باسطورة الازدواجية السعودية فاننا نقر علنا بان الاصلاح قد تعطل بسبب غلبة التيار التقليدي على ذلك الاصلاحي. لكننا نرفض تعطيل التحليل والمراقبة وتفعيل احلام اليقظة والأوهام التي تنسجها اجنحة السلطة من اجل اما كسب الرأي العالمي واستجداء احترامه او من اجل امتصاص التذمر الاجتماعي الداخلي وتجنيده في حرب داخلية تدور رحاها بين الاخ واخيه وابن عمه. لا يمكن ان نحنط الاصلاح الحقيقي كي يصبح مومياء فاقدة للحياة رغم تكامل الجسد والزخرفة. اذا نظرنا الى الاصلاحات الجذرية التي حصلت في بلدان العالم وكونت نقلة نوعية في تاريخ الامم نجدها لم تعتمد على نخبة حاكمة تحكم قبضتها على مرافق الحياة السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية او صراع اجنحة وهمي او حقيقي وانما اعتمدت على فئة استطاعت ان تتخيل صورة اخرى لواقعها. القدرة على بلورة مخيلة متكاملة تنتج نظرة شاملة للسياسة والمجتمع هي وحدها الكفيلة ببث روح جديدة ينخرط في تنفسها الكثير من البشر. وتكون الفئة المتخيلة قادرة على تخطي انقسامات مجتمعها العضوية والفكرية والطائفية والقبلية وحتى الاقتصادية. مع الاسف لم تنتج السعودية هذه الفئة بعد وان كانت هناك بعض الاصوات التي تنطبق عليها هذه المواصفات الا انها تظل إما صامتة اليوم او مسجونة او مهاجرة. يصعب على هذه الفئة ان تبرز وتتبلور في ظل قمع شامل يحرم العمل السياسي ويعاقب ممارسيه بالاعتقال التعسفي والتهميش وتقليص الحرية الشخصية. كذلك تنحسر فرص ظهور هذه الفئة عندما تكون السلطة معتمدة على مبدأ فرق تسد حيث تؤجج الانقسامات الاجتماعية من خلال ممارسة سياسة تعزز التنافس بين المجموعات على حساب تبلور عصبية اجتماعية وثقافية فوق العصبيات الفئوية. حتى هذه اللحظة لم تتبلور في السعودية حركة اجتماعية شاملة تتبنى الاصلاح بمفهومه الشامل وليس بمفهومه المقطع والمجزأ. تحسين وضع السجناء وزيادة عدد امتار الزنزانات ورفع شعار حقوق الانسان والمساواة بين المرأة والرجل وتطهير المناهج التعليمية من خطاب رفض الآخر الى ما هنالك من شعارات رفعها الكثير من دعاة الاصلاح كلها عملية تجزيئية تفتيتية لمشروع كبير وكلها لن تترسخ وتصبح ممارسة يومية الا اذا وصلنا الى اللوحة الكبيرة ورسمنا عليها خطوطا عريضة تتبناها شرائح كبيرة من المجتمع وليس فقط اقلية فكرية تتحاور فيما بينها ثم ما تلبث ان تنفض عن المشروع اما نتيجة استقطابها او مللها او قمعها او حتى تهميشها.
ان لم يحمل هذه اللوحة طيف مهم عدديا متنوع الانتماءات الفكرية والقبلية والاجتماعية والطائفية سيظل ثوب الاصلاح متفككا متجزئاً تمزقه الاختلافات الايديولوجية وتتقاذفه الانتماءات الصغيرة على حساب مشروع اكبر بكثير من قضية الاعتقالات والمساواة ومحاربة الفساد وتبذير المال العام. التغير التاريخي الحقيقي المرجو والمتأخر او المعطل هو نتيجة حتمية لوصول المجتمع الى مرحلة تبني الاصلاح الشامل وليس المفتت. ربما يقول قائل ان علينا في هذه المرحلة ان نقبل بالجزء رغم صغره ونطمح الى عملية تراكمية تؤدي في النهاية الى اللوحة الشاملة. لكننا نعلم علم اليقين ان هذا الجزء اصبح الهم الشامل المرجو على حساب اللوحة المتكاملة. ومن مصلحة السلطة المستبدة المستأثرة بمرافق البلاد والعباد ان ننشغل بالجزء بل هي من يتبنى الجزء ويروج له على انه انجاز شامل في مسيرة طويلة وهي ايضا من يخصص الامكانيات الطائلة لالهاء دعاة الاصلاح بالجزء وطالما ظل هؤلاء منشغلين بالجزء غير قادرين على تصور اللوحة الكاملة لطالما ظلت السلطة متماسكة قادرة على الامساك بزمام الامور الكبيرة. لن يضيرها قصة معتقل ولا تعذيب سجين تتفرد به في زنزانة حيث انها تعلم ان الحراك الاجتماعي خلف قضية منعدم على الاقل في المحيط الداخلي ولن يؤثر على سلوكها قضية اختلاس للمال العام ولا قضية رشوة او ما شابهها. وان فتحت التحقيقات فسيطوى ملفها بسرعة وان سقطت بعض الرؤوس فستكون رؤوسا صغيرة تستبدلها السلطة باخرى لها قدرة على استغلال الفجوات من اجل مصالح شخصية وكأننا امام لعبة شطرنج محسومة النتيجة رغم كثرة اللاعبين والمقتنصين للفرص.
يجب ان لا ننسى ان اكثر الانظمة القمعية والاستبدادية لا تقوم الا على مشاركة المقموع وانخراطه في عملية قمعه المبرمجة. ولنا في التاريخ عبرة عظيمة من عصر عبودية البشر الى عصر الانظمة الشمولية. خذ مثلا عملية استعباد الاف البشر ونقلهم من افريقيا الى بقاع العالم البعيدة وهي عملية شارك بها وضمن استمراريتها الكثير من الايدي المحلية في افريقيا وغيرها ناهيك عن قدرة الانظمة العربية ومنها النظام السعودي في تجنيد المجموعات البشرية المختلفة في مجتمعاتها من اجل ترسيخ الاستبداد والاقصاء. والسعودية لا تختلف في سنتها عن غيرها اذ ان لها مجموعات خاصة منتقاة من مناطق معينة ارتبط اسمها بالعمل الاستخباراتي والنشاط الاقتصادي والانتاج الفكري وحتى الديني حيث ترتبط هذه المهام المتنوعة بأفراد ينتمون الى جهات معروفة وتصبح حكرا عليهم فتضمن السلطة بذلك ارتباطهم بها وبمشروعها حيث يصعب عليهم بعد ذلك التملص من ممارسات السلطة والتمرد عليها.
تدخل السلطة المطلقة في المجتمع لحظة ولادتها وتنتقي شرائح معينة من اجل خدمتها وتقوم بتوزيع الادوار حسب خطة مدروسة مستغلة بذلك تعددية المجتمع التي تساهم في تثبيتها وليس تجاوزها. عندها تصبح المنافسة سيدة الموقف على حساب العمل الجماعي فليس من مصلحة المجموعات عندها ان تنخرط في عمل يتجاوز الانقسامات ويضمن العمل الجماعي المشترك. لم يستطع مشروع الاصلاح كما طرح من قبل مجموعة صغيرة جدا ان يعري ممارسات السلطة الهادفة الى تفكيك المجتمع وتعميق انقسامه ليس الفكري فقط بل حتى الاجتماعي والفئوي وفضح ممارساتها التي تستغل هذه الانقسامات فترفع مجموعة ومن ثم تتجاوزها الى مجموعة اخرى وتفرز من خلال ذلك حالة تشنج اجتماعية ومرحلة انتظار ازلية علّ هذا او ذاك يفوز بالجائزة الكبرى والغنيمة المنتظرة. لنبتعد عن اساطير صراع الاجنحة علنا بذلك نفسر الاصلاح المعطل وترويج مشاريع الاصلاحات الجزئية على حساب لوحة شاملة تنقلنا الى مرحلة تاريخية جديدة نرسم فيها ملامح المستقبل بعيدا عن جزئيات هي نتيجة حتمية لتصورنا وتخيلنا لاطار عام نرسمه نحن وليس من يطمح الى بهرجة اعلامية تنتشله من انتقادات خارجية.
 كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية