2008/12/15

أمن الخليج واطلاق الرصاص على الفيل

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 15-12-2008

كتب جورج اورويل مقاله الشهير تحت عنوان 'اطلاق الرصاص على الفيل' في ثلاثينات القرن المنصرم، عندما كانت بريطانيا تلعب دور شرطي البحار بدون منازع لكنها بدأت منهكة وضعيفة تحت ضغط الحرب العالمية الأولى مما مهد إلى بداية النهاية للاستعمار البريطاني والذي وصل مرحلته الأخيرة وانتهى بعد الحرب الثانية.
تحكي المقالة قصة شرطي بريطاني انهكه الاستعمار وبدأ متردداً في لعب دور المستعمر الطاغية واضطر هذا الشرطي ان يقتل فيلاً دخل إلى قرية مولمين في بورما الجنوبية حيث كان يزاول عمله وبعد أن داس هذا الفيل على مساكن ومتاجر أهل المنطقة وتسبب في موت أحد القرويين استنجد هؤلاء بالشرطي الانكليزي من أجل قتل الفيل وانهاء نزهته الدموية في أحيائهم وهب الشرطي لنجدة هؤلاء متسلحاً ببندقية صغيرة وبعد عناء طويل وبحث عن الوحش المدمر استطاع الشرطي أن يجده ساكناً هادئاً لا يحرك عضواً من أعضائه وربما قد كان الفيل ينعم باستراحة قصيرة بعد هيجان أرعب أهل القرية وأودى بحياة أحدهم.
وقف الشرطي وجهاً لوجه أمام الفيل ومن خلفه مئات من القرويين يصرخون مشجعيه على قتل الفيل والتخلص منه ومن ثم الحصول على جلده ولحمه وأنيابه. هذا الشرطي المسؤول عن الأمن وقمع القرويين أصبح في هذه اللحظة بطلهم وطاغيتهم يحاولون دفعه لقتل الفيل ولكنه يتردد ويتلعثم وربما انه سئم دور الشرطي المرتبط بالاستعمار الخارجي ولم يكن يريد قتل الفيل خاصة وأنه بدا منهكاً ومتعباً بعد غزوه القرية. لقد فقد الشرطي حريته وقدرته على الاختيار إذ ان الجمهور المشاهد يتطلب منه ان يمارس دور الطاغية القوي وليس الضعيف المنهك في آخر حلقة من حلقات الاستعمار البريطاني. وبفقدان حريته اضطر الشرطي أن يحكم قبضته على بندقيته ويطلق ثلاث رصاصات بإتجاه الفيل ويرديه قتيلاً وسط جمهور يصفق ويبتهج زاد عدده عن ألفين شخص. يعلم الشرطي أنه مكروه من قبل الشعب الذي استعمره.. ولا يطيق طغيانه وغطرسته لكنه لحظة قتل الفيل أصبح بطلاً في نظره. لقد أجبره القرويون على عملية قتل لم يكن يرغب فيها ولكن صياحهم وعيونهم كانت تدفعه باتجاه جريمة قتل لم يخترها هو.. والمغزى من قصة جورج أورويل هي كيف ان الطاغية الشرطي يفقد حريته عندما يتحول الانسان إلى مستبد مثله. تفقد شخصية الشرطي صاحب البندقية قدرته كانسان على الاختيار وأهم من ذلك نجده يدمر انسانيته وحريته هو قبل أن يقضي على انسانية الآخرين. هذه القصة المؤثرة كانت إنذاراً بنهاية عصر الامبراطورية التي هزمها أهلها أولاً قبل أن تهزم من قبل اولئك الذين سيطرت عليهم واستعبدتهم خلال سنوات طويلة.
عندما ادرك جيل بريطاني جديد فقدان حريته وتدمير خياراته تحت مظلة السياسة الاستعمارية كان ذلك بداية تقلص النفوذ البريطاني وتلاشيه في مناطق كثيرة من العالم ومنها بورما حيث تقع تفاصيل حادثة الفيل هذه.
تتصدر الولايات المتحدة اليوم من خلال وزير دفاعها روبرت غيتس مؤتمر حوار المنامة حول أمن الخليج حيث يجتمع أعضاء الكونغرس الأمريكي وممثلون عن الناتو 'حلف الأطلسي' وبعض الدول الأوروبية وكل منها يطمح أن يلعب دور شرطي الخليج لمواجهة مخاطر حقيقية أو وهمية يعرف الجميع أن خلال الثلاثين عاما السابقة تتصدر الولايات المتحدة مهمة حماية الدول الخليجية عن طريق اتفاقيات أمنية وقواعد عسكرية ومساعدات باهظة التكاليف تدفع فاتورتها الدول الخليجية والتي تمثل أكثر الدول صرفاً على القطاع العسكري في العالم. ورغم هذا الصرف المتزايد لا تزال الدول الخليجية تعتمد اعتماداً كلياً على المعدات العسكرية المستوردة والشرطي الأمريكي الموجود في كل الدول الخليجية كمراقب ومدرب ومحارب بل حتى كمستعمر متغطرس تماماً كما كان حال شرطي بورما البريطاني. عندما تلعب الولايات المتحدة دور شرطي الخليج خاصة في مرحلة أفول النفوذ الأمريكي العالمي بعد حرب أفغانستان والعراق نجدها تستحضر دور طاغية قرية مولمين البورمية. تعلم الولايات المتحدة علم اليقين أنها تقع بين فكي كماشة في الخليج ذاته. من جهة هي صديقة حميمة لأنظمة عطلت شعوبها ولم تكسب استمراريتها إلا من خلال اعتمادها الكلي على الحماية الخارجية ومن جهة أخرى تستطيع أن تقرأ في عيون شعوب المنطقة رسائل اشمئزاز وتذمر تختلف تماماً عن رسائل الحب والهيام الصادرة من أنظمة المنطقة ومن لف حولها من كتاب واقتصاديين ومثقفين ورجال أعمال. لقد وقعت الولايات المتحدة في فخ عميق عندما نصبت نفسها شرطياً مستغلة الفراغ الأمني الذي ولده الانسحاب البريطاني من المنطقة في أوائل السبعينات وعدم قدرة الدول الخليجية على ضمان أمنها القومي دون مساعدة خارجية حتى أصبح هذا الأمن مناطاً بعساكر الولايات المتحدة والذي يعتبرها الكثير من شعوب المنطقة مرتزقة يدفعون تكاليفها من عائدات النفط ولكنهم يغفلون تداعيات هذا الاعتماد الكلي على شرطي خارجي. أما الشرطي نفسه الذي وقع في قبضة جمهور يتوقع منه عرض العضلات واظهار الحزم والقوة تجاه أعداء وهميين وليس فيلاً هائجاً قد فقد قدرته على الاختيار ودمر حريته بيديه هو وليس بيدي من تغطرس في بلادهم. نأمل من روبرت غيتس أن يقرأ قصة جورج أورويل علّه بذلك يستوعب عبرها ومن أهم هذه العبر أن العضلات العسكرية ليست دوماً الحل الأول والأخير لأزمات المنطقة الخليجية والعربية. وكثير من هذه الأزمات هي من صنع الشرطي نفسه الذي أجج الصراع بين العراق وايران في الثمانينات ومن ثم جرّ المنطقة بأسرها إلى مواجهات دموية باهظة الكلفة لا تزال بعض الدول الخليجية تدفع فاتورتها وخاصة السعودية. لقد تمرس الشرطي الأمريكي في تأجيج الصراع على منطقة الخليج دون أن يكون وجوده قادراً على قتل الفيل والتخلص من هيجانه تماماً كما فعل الشرطي البريطاني في بورما. وليس من مصلحة الشرطي الأمريكي التخلص من الفيل نهائيا لانه بذلك يكون قد ساهم في رحيله هو وانهاء دوره في المنطقة. وان كان فيل بورما مزاجياً متقلب الأهواء إلا ان فيل الخليج له استراتيجية طويلة المدى قائمة على منطق القوة وليس الانفعال والغوغائية. ويساعده في ذلك انعدام القوة على الشاطئ العربي رغم الامكانيات الاقتصادية والاعتماد الكلي على المرتزقة المستوردة. وقبل أن يفقد الشرطي الخارجي حريته ويدمر قراره عليه أن يستعجل ويحسم أمره قبل أن يحسمه له أبناء جلدته وينفضوا عن سياسة الغطرسة التي مورست في الخليج منذ عصر التمدد الأمريكي به والذي لم يأت عن طريق العساكر بل عن طريق النفط أولاً وها هو النفط الذي سال لعاب الشرطي الأمريكي أمامه قد وصل إلى مرحلة الهبوط والكساد خاصة بعد الأزمة الاقتصادية الحالية وانعدام الطلب على النفط ومشتقاته. ربما لا يتطرق المجتمعون في مؤتمر حوار المنامة إلى هذه النقطة خاصة وان كانوا يعرفون الامن تعريفا عسكريا او امنيا بحتا ولكننا نعتقد أن الأمن الاقتصادي أهم من ذلك حيث لا تزال المنطقة الخليجية تعتمد اعتماداً كلياً على سلعة يخضغ سعرها لقانون العرض والطلب رغم محاولات خليجية للخروج من النطاق الضيق للنفط تماماً كما هو حال دبي وتجربتها. لقد كانت وما زالت منطقة الخليج بحيرة تجارية تعتمد على شقها العربي من جهة وشقها الايراني والآسيوي من جهة أخرى ومحاولات بث الكراهية والتشنج تجاه الجانب الآخر لن تجدي نفعاً خاصة وان كان الاتصال التاريخي والحضاري والاجتماعي أقوى من محاولات تهييج فيلة بأيد خارجية. ان استمرت الولايات المتحدة بغطرستها وخطاب المواجهة تجاه الجانب الايراني وجرّ منطقة الخليج العربية إلى صراعات أزلية سيكون مصيرها كمصير الشرطي البريطاني الفاقد لحريته وتقرير مصيره. ان الغطرسة لا تفرز سوى غطرسة مقابلة على الجانب الآخر وقد حان لحكام الخليج أن يستدركوا خطر الاعتماد على شرطي خارجي يستميت في سبيل قتل الفيل ولو على حساب مصالحهم القومية.. قد تكون الاستماتة هذه نتيجة فقدان الحرية من قبل الشرطي المستأجر لكنهم مدعوون لأن لا يفقدوا حريتهم هم وينجرون خلف قوة عظمى انهكتها الحروب السابقة والتي لم تستطع أن تقاومها أو تنتصر فيها لأنها متغطرسة وفاقدة حريتها بل هي نفسها من دمر هذه الحرية لدرجة أنها تضطر لاستعمال القوة حيث توجد مخارج أخرى للأزمات العالمية.
على حكام الخليج أن يعوا الأزمة المرتبطة باعتمادهم على أمن خارجي خاصة أن هذا الأمن مرتبط بطاغية قد فقد حريته منذ زمن بعيد. وقبل أن تطلق الرصاصة الأولى على فيل الخليج لا بد من فتح باب الحوار لتستعيد المنطقة تعدديتها وثقافتها وتاريخها واقتصادها الذي لم يتطور إلا بفعل الاتصال بالجار القريب على الضفة المقابلة من الخليج العربي.

كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية