2006/06/30

الشتات العراقي الي أين؟ دراسة اجتماعية وتاريخية للهجرة العراقية (1 من 2)

مقال من جزئين نشر في القدس العربي بتاريخ 21-07-2005

في العقد الاخير من القرن العشرين بدأ العراقيون بتمييز أنفسهم عن بقية المهاجرين العرب عبر خطاب جديد
يميل سياق الهجرة الي اعادة انتاج الانقسامات العرقية وخلق تمايزات بين المهاجرين الأوائل والقادمين الجدد
مضاوي الرشيد
لؤلوة الرشيد
منذ اول شاحنة تصدير للنفط العراقي في الثلاثينات من القرن الماضي، قدر للعراق ان يدخل مرحلة حداثة مشابهة لما حدث في دول الخليج الجارة المنتجة والمصدرة للنفط، حيث ادي تأجير حقول النفط الي نمو اقتصادي متسارع. في الواقع، كانت فترة السبعينات من القرن الماضي قد ادت لازدهار التجارة وزيادة معدلات التصنيع لخلق الحاجة لليد العاملة الاجنبية والتي ساهمت في فترة الازدهار التي لم تعمر طويلا، وكذلك النمو الاقتصادي، والنمو العام والتحديث.
ومثل ما حدث في دول الخليج، اعتمد العراق علي العمالة الاجنبية من الدول العربية، خاصة مصر، واللبنانيين والفلسطينيين الذين عملوا في القطاعات الزراعية والنفطية المتمددة من الاقتصاد. وبنفس الوقت فقد هرب عدد كبير من سكان البلاد بسبب الموجات المتعددة من القلاقل الداخلية والنزاعات العسكرية مع دول الجوار.
لفحص الهجرة العراقية/ اللجوء العراقي في لندن والاردن، فقد اقترحنا القاء ضوء علي هذا الوضع الذي يحمل في طياته تناقضا ظاهريا، والذي لصعوبة في تحليل اشكال الهجرة او المنفي العراقي منذ تسعينات القرن الماضي ان كانت طوعية او جبرية. فالمشاكل التي رافقت النمو الاقتصادي، والتكوين الاجتماعي العراقي في طبقاته المتعددة، الاثنية والدينية، جعل من الصعوبة دمج هذه الجماعات اثناء عمليات بناء الدولة الوطنية .
وعليه فان موضعة الروايات الموضوعية للهجرة داخل اطار تاريخي وبنيوي يعطينا الفرصة للفت الانتباه الي الهجرة العراقية المعقدة في اكثر من موقع. وقد جمعت هذه الروايات روايات الهجرة في ثلاث مواقع، العراق ولندن والاردن، في لحظات تاريخية مختلفة.
وقد فحصنا الهجرة بداية في البيت العراق، والمحطة الاخيرة لندن حيث العراقيون منذ عقود ، وعمان، التي تعتبر معبر ترانزيت برز اخيرا حيث ظهر العراقيون لاول مرة في تسعينات القرن الماضي.
وقمنا بفحص عوامل الجذب والطرد، وموقف الدول المضيفة، واثار التكيف الهجرة. اضافة الي، فان التحرك بين البيت الوطن والدولة المضيفة، فمدخلنا يظلل عوامل الجذب والطرد، التي لا يمكن فهمها كميدان خاص، تؤثر علي خيارات المهاجرين، وتكيفهم واندماجهم. وتظهر الهجرة العراقية ان الثروة الاقتصادية وحدها لا تعتبر عاملا للحد من الهجرة. فالاستقرار السياسي يعتبر عاملا حيويا، فالثروة الاقتصادية، متزاوجة مع الاضطهاد السياسي، والتمييز وعدم المساواة للوصول الي مصادر الثروة، تحفز عمليات الهجرة.

المنفي العراقي: منظور عام

خلال القرن العشرين، اظهر العراق نوعا من التناقض الظاهري، فالنفط ولد الثروة وفرص العمل للسكان المحليين ، الا ان هذا ترافق مع موجات من الهجرة الناجمة لولادة المنفي العراقي في الشرق الاوسط، واوروبا وشمال امريكا واستراليا. فالتنوع الاثني والديني للدولة، مع القلقلة السياسية، ادي لهروب قطاعات جوهرية من السكان خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين.
ومع هذا، فتقدير حجم المنفي العراقي الدياسبورا يظل اشكاليا في الوضع الحالي، ولا توجد ارقام حقيقية داخل العراق عن حجم الهجرة. وبحسب مصدر، فعدد المهاجرين العراقيين يصل الي اربعة ملايين يعيشون في الخارج، مما يعني نسبة 1 من 6 لكل عراقي. ويقتضي الوصول الي رقم حقيقي لحجم الدياسبورا العراقية، جمع ومزج الاحصاءات الوطنية في اكثر من 75 دولة، وهي مهمة لا يمكن لهذه الدراسة القيام بها. وخلال التسعينات من القرن الماضي، غالبا ما اشير لوجود 300 الف عراقي في بريطانيا، وما بين 200 ـ 350 الف عراقي في الاردن.
اما الارقام الدولية، ففي الغالب ما توثق ارقام اللاجئين وطالبي اللجوء الذين يشكلون نوعا واحدا من اشكال الهجرة. وبحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة، فقد زادت اعداد طالبي اللجوء السياسي العراقيين بشكل كبير في اثناء حرب الخليج الاولي (1990 ـ 1991)، ووصلت رقما غير مسبوق 52301 طلب لجوء في عام 1998، في فروع المفوضية في تركيا، والمانيا وهولندا التي تلقت خمسة الاف طلب.
في عام 2001 كان المهاجرون ضمن الفئة الثالثة عالميا بعد اؤلئك المهاجرين من افغانستان وبوروندي. ومن الجدير بالملاحظة ان الكم الاكبر من المهاجرين كانوا متواجدين في ايران التي استقبلت 200 الف مهاجر.
فخلال الفترة الملكية التي انتهت عام 1958 فالمهاجرون جاؤوا من الاقليات الدينية الارمن والاشوريين واليهود او الجماعات العرقية الاكراد والتركمان . فانشاء الملكية في العراق من خلال الانتداب البريطاني عام 1921 ادي لرحيل عدد كبير من ابناء الجماعات غير المسلمة وغير العرب الذين انضموا الي الاقليات الموجودة (اصلا) في الولايات المتحدة واستراليا واوروبا، وذلك عندما اصبح الوجه العربي للدولة التي انشئت حديثا اكثر بروزا، وخشيت الجماعات الدينية والعرقية من التمييز ومن الاضطهاد.
وهاجر البعض بحثا عن فرصة اقتصادية، وبدأت تتعزز الجيوب العراقية في لندن والسويد وباريس وديترويت وشيكاغو وكاليفورنيا وسيدني، فرع من هذه الفئة كان اليهود العراقيين، الذين بدأوا بالمغادرة بعد انشاء اسرائيل عام 1948. وبرزت الاقليات اليهودية العراقية في نيويورك ولندن واسرائيل، وهاجر حوالي 130 الف يهودي الي اسرائيل فيما تواصلت الهجرة اليهودية التي اقام معظم افرادها في بغداد حتي السبعينات من القرن الماضي. مع الاطاحة بالملكية عام 1958 ، تواصلت الهجرة الاثنية والدينية التي اضيفت لها هجرة جديدة لها صلة بالغالبية العربية في المجتمع العراقي، وخلال هذه الفترة يمكن الاشارة الي اكثر من موجة هجرة. وضمت هذه الموجات اعضاء في النخبة والعائلات المدنية، واعضاء في الجماعة التي حكمت سابقا والتي غادرت البلاد وانشأت جيوبا في المملكة المتحدة، خاصة لندن، وبعض افراد هذه الجماعة اوجدوا لهم موطئ قدم في لبنان وسورية ومصر والاردن ودول الخليج.
في الوقت الذي قامت فيه الجمهورية التي انشئت حديثا بحملة ملاحقة شديدة للمعارضين والمنشقين، دفع اعضاء الانتليجنسيا والطبقات الحرفية للهروب خارج العراق، الي الدول العربية المجاورة واوروبا. وادي الصراع علي السلطة بين ثلاث جماعات هي الشيوعيين والبعثيين والضباط الاحرار لنفي الكوادر السياسية.
ومع تعزيز البعث سلطته عام 1968، اجبر كل المتنافسين معه علي السلطة علي الرحيل خارج البلاد، وتبعتهم قطاعات كبيرة من الانتليجنسيا العراقية ورجال الدين الشيعة.
جاءت موجة اخري للهجرة لتترافق مع الحرب العراقية ـ الايرانية (1980ـ 1988)، حيث تم الشك بولاء الشيعة العراقيين من قبل النظام البعثي، الذي ظل يقوم بترحيل التجار ورجال الدين الشيعة بناء علي ان اجدادهم ايرانيون، واتهموا بالولاء المزدوج في ذلك الوقت عندما كان العراق في حرب مع جارته الايرانية، البلد ذي الغالبية الشيعية. ولاحقا، تحرك عدد منهم الي اوروبا طلبا للجوء، فيما هاجر البعض الاخر طوعا بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية، بسبب ضغوط الحرب والتجنيد الاجباري.
غزو صدام حسين للعراق حفز موجة هجرة اخري في عام 1990، فانهيار الاقتصاد العراقي في ظل الحظر الدولي والذي قام تدريجيا بتدمير البنية التحتية للعراق وادي لتدهور المصادر الوطنية، دفع لهجرة جماعية شملت كل قطاعات المجتمع العراقي. وانضم المهاجرون اللاحقون الي الدياسبورا العراقية في العالم العربي، حيث كان الجار الاردن اول محطة للهجرة، ووجد بعض المهاجرين طريقهم نحو اوروبا وامريكا الشمالية.
اليوم، تعكس الهجرة العراقية التنوع الاجتماعي والاثني والديني للعراق نفسه، واذا اخذنا بعين الاعتبار السياق التاريخي وان الهجرة حصلت خلال القرن الماضي، فالدياسبورا العراقية لا يمكن تحديدها بناء علي معيار او نوع معين، خاصة الهجرة الطوعية مقابل الهجرة القسرية، او الهجرة السياسية مقابل الهجرة الاقتصادية. فالمهاجرون العراقيون الحقيقيون يتداخلون مع العراقيين المتضررين والذين يبحثون عن فرص اقتصادية. والعراقيون في المنفي لا يمثلون جمهورا لا يمكن تفريقه. ولكن، وعلي خلاف بقية الدياسبوا فالانقسام داخل مجتمعات المهاجرين يبالغ فيها بسبب الطبقة والاثنية والدين، وهي الانقسامات السائدة في العراق نفسه. ويميل سياق الهجرة الي اعادة انتاج هذه الانقسامات وخلق تميزات جديدة بين المهاجرين الاوائل والقادمين الجدد.
فالهجرة الاولي في نهاية الخمسينات من القرن الماضي كانت في غالبها من النخبة الغنية، وهذه تضم ابناء العائلة المالكة، دبلوماسيون، وسياسيون وجنرالات عسكريون.
بعضهم هرب من العراق بمصادر مالية حقيقية ، مما ساعدهم علي التكيف في المجتمعات التي هاجروا اليها، وقاموا بانشاء شبكات تجارية مزدهرة بين لندن وبيروت ونيويورك. وفي الستينات من القرن الماضي تبعهم حرفيون مهرة من ابناء الطبقة المتوسطة، يضمون كتابا وفنانين وناشطين سياسيين، صحافيين ومحامين وعلماء. وعاني بعض هؤلاء من هبوط في حراكهم الاجتماعي ـ الاقتصادي لان الخبرات التي كانت لديهم لم تكن قابلة للنقل. ومع مرور الزمن كان بمقدور العديد منهم الحصول علي مهارات جديدة بسبب التدريب، والانخراط في نشاطات تجارية كبيرة او صغيرة. في الثمانينات من القرن الماضي، هرب ابناء الحواضر من العراق، وحاولوا البحث عن موطئ قدم لهم في اقتصاديات المدن الاوروبية وشمال امريكا واستراليا.
وبالاضافة للخلافات الاقتصادية المتجذرة في النظام الطبقي العراقي، فقد انقسمت الدياسبورا بناء علي الخطوط الاثنية والطائفية. فالاقليات العراقية، مثل الاكراد والتركمان، قامت بانشاء جيوب طائفية لها في الخارج بناء علي الاصل العرقي المشترك، اللغة والثقافة. ومع ان غالبية الاكراد في كردستان العراقية هم من السنة، هنا اقلية شيعية منهم تسمي الفيلية ، وهم الذين كانوا يقطنون في الغالب احياء ابناء الطبقة ذات الدخل المتدني حول بغداد وغيرها من المدن. وقامت هذه الاقليات ببناء جسور مع الاقليات الاخري المشاركة لها والتي تعيش في دول الشرق الاوسط الاخري، فهي تتشارك بعناصر من ثقافتها الاثنية مع جماعاتها الاخري في الشرق الاوسط علي حساب صلاتها مع القطاع العريض من ابناء الدياسبورا العراقية.
هناك انقسام اخر يتمحور حول الدين والهوية الطائفية، ففي داخل الدياسبورا المسيحية العراقية، هناك الاشوريون والكلدانيون والارمن الذين يختلفون عن بعضهم البعض بسبب الانتماء لكنائس مختلفة، مما يعكس الانتماءات الدينية في داخل المجتمعات المسيحية العراقية نفسها. وهذه الخلافات غالبا ما يعاد انتاجها في المناطق التي تعيش فيها جاليات عراقية كبيرة. وفي داخل الدياسبورا العراقية العربية، يتم اعادة انتاج الخلافات الطائفية بين السنة والشيعة، حيث يحاول الشيعة الانعزال من خلال الانتماء الي الاماكن الشيعية التي تعيش فيها الغالبية واماكن العبادة والاحزاب السياسية الطائفية في الدياسبورا.
في الوقت الذي يبدو فيه وجود تداخل داخل الانقسام العرقي والديني العراقي، الا انه في الغالب داخل قطاعات النخبة العلمانية الحرفية المتعلمة، سنة وشيعة واكرادا وعربا. وفي الغالب يتم تجاوز الهوية الدينية والاثنية لاعضاء هذه النخبة في بحثها عن التعاون المهني والتجمع في اطار الدياسبورا.

هجرة طوعية ام قسرية؟

الاسباب التي دعت للرحيل عن البلاد غالبا ما تكون مزيجة قبل عام 1990. وبناء علي حيوات وتواريخ الهجرات التي جمعت في بداية التسعينات من القرن الماضي، في لندن وعمان، نعتبر السرديات الموضوعية التي ركبت في داخل الدول المضيفة. وسياق هذا التركيب مهم، لانها تظهر منطق المهاجر للرحيل بعد الحادثة. ويصف غالبية العراقيين سبب هجرتهم علي انه سياسي اكثر من كونه مدفوعا بعوامل اقتصادية، مثل الفقر وشظف العيش في الوطن. وتتراوح الاهداف السياسية من الاضطهاد، السجن، التمييز، التي جربها بشكل مباشر الفرد وليس عدم الرضي من الجو السياسي، حيث حرية التعبير، والتجنيد الاجباري، والقيود السياسية والاجتماعية هي الواقع.
ومن بين المهاجرين العرب العراقيين الذين استقروا في لندن قبل عام 1990، فخطاب الهجرة السياسية يبدو انه السائد كموقف عقلاني يقف وراء قرار الرحيل عن العراق. ومن بين الاقليات الاثنية الاكراد والدينية الاشوريون ، فان السرديات الشخصية تظلل مصير الاقليات في العراق والتي تتضمن الابادة في حالة الاكراد او التمييز العام من قبل النظام العربي في بغداد، هذه هي اسباب الهجرة بعيدا عن كون الفرد كان شخصيا قد تعرض للتمييز علي شكل السجن او التعذيب او الحرمان من فرص العمل.
بعيدا عن هذا السرد الموضوعي والذي هو لمدي بعيد محاولة لفهم خيار الرحيل وتشكيل هوية في الخارج، الي تحليل اكثر دقة لعملية الهجرة المتعلقة بفرد بعينه، فاننا نقف امام كم واسع من الاسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشخصية، والتي تلعب دورا طاردا. وفي الوقت الذي تظهر فيه حالات العراقيين الذين قوبلوا في لندن بانهم اندفعوا نحو الهجرة بسبب الاضطهاد المباشر، والتعذيب والسجن، فان البعض الاخر، جاء الي لندن كمصطافين او طلاب او رجال اعمال وقرروا البقاء بعد اكمالهم التعليم او العمل في البلد المضيف.
دخل العراقيون لندن بتأشيرات سياحية او اقامات طلاب، وبعد ذلك اصبجوا مهاجرين فعليين. وكانت التغييرات السياسية في البلاد (العراق) مثل الحرب العراقية ـ الايرانية في الثمانينات من القرن الماضي، والاجتياح العراقي للكويت في عام 1990، عوامل مهمة في قرار البقاء ولو مؤقتا في الخارج، فيما قرر البعض الاخر عدم العودة مطلقا الي بلادهم بعد ان اصبحوا جزءا من المعارضة السياسية في الخارج واثناء الدراسة في الجامعات البريطانية، مما جعلهم يخافون من الاعتقال عند عودتهم للبلد.
سبب اخر للبقاء في لندن كان اقتصادي الطابع، فمع حصولهم علي التعليم العالي في البلد المضيف، انضم بعض المهندسين والاطباء والحرفيين للعمل في وظائف ذات دخل مرتفع في الاقتصاد البريطاني الواسع. وهذه المجموعة جزء من عملية هجرة الادمغة، والتي تعني انجذاب النخبة المتعلمة نحو الوظائف ذات الدخل العالي في مناخ سياسي آمن علي خلاف المناخ السياسي في البلد الاصلي. ومن الجدير بملاحظته انه في كل انواع الهجرة، فان الخطاب السائد عند اللاجئين السياسيين هو محاولة عقلنة الاقامة في مرحلة ما بعد الهجرة.
ومن اجل شرح هذا، نريد العودة الي التناقض العراقي نفسه، وهو وجود الثروة النفطية او التطلع نحو الخارج. ومنذ حصوله علي السلطة منذ عام 1968 كان النظام السابق يروج للخطاب القومي، الذي اصبح جزءا من العراقيين في الداخل والخارج بعد عقود من تعرضهم اليه.
وهذا الخطاب يستند علي التاريخ العراقي، الماضي المجيد والثروة لتشكيل صورة عن بلد يملك كل المقومات للعب دور سياسي واقتصادي قائد في المنطقة العربية، اي ما يشبه بروسيا العربية . وكان الموقف الرسمي من الهجرة معاديا، حيث تم وضع القيود المالية والقانونية علي اي مهاجر محتمل، خاصة من اصحاب الكفاءات العالية. وخلال الحرب العراقية ـ الايرانية، قامت السلطات العراقية بوضع حظر عام علي السفر للخارج، الا ان الحكومة في بداية التسعينات من القرن الماضي وافقت مجبرة علي السماح بالهجرة من اجل التخفيف من الوضع الاقتصادي في الوقت الذي وضعت فيه ضرائب كبيرة علي المهاجرين.
حتي العراقيون الذين يعارضون النظام المسؤول عن نشر هذه السرديات الباذخة، ينظرون لانفسهم عبر مجهر هذا الخطاب القومي، الذي تأثرت مصداقيته من خلال الحقيقة المرة التي سادت في العشرين عاما الماضية، ومع ذلك يجدون صعوبة في فهم الوضع في العراق، الذي يخضع الان لاضطهاد سياسي منتج محليا واقتصاد ضعيف. ومند التسعينات من القرن الماضي بدأ العراقيون بتمييز انفسهم عن بقية المهاجرين العرب، خاصة المصريين في انكلترا، عبر تشكيل خطاب ميزهم عن المهاجرين الاخرين الذين هاجروا بسبب الفقر وغياب الفرص في بلادهم. والاضطراب السياسي الذي يعيشه العراق، خاصة في الثلاثين عاما الماضية مع المناخ السياسي يغذي السرد الموضوعي الذي يقف وراء الاسباب السياسية للهجرة. فالعراقيون في الدياسبورا يخلقون تعريفا للذات ومجتمع المهاجرين الذي يختلف عن بقية مجتمعات المهاجرين. وبحسب مكية فان هذا الخطاب الدياسبوري يعزز حس الضحية ، حيث تحاول كل جماعة دينية او اثنية الظهور بمظهر من تعرض اكثر للاضطهاد، مما سيؤثر علي منظور التعايش في المستقبل.
حالة عراقيي لندن، تلفت الانتباه الي المحدد الاقتصادي ونواقصه في دراسة مجريات الهجرة العراقية قبل عام 1990. فالافتراض القائل ان المهاجرين دفعوا للهجرة بفعل الفقر في بلادهم ومنظور الثروة في البلد المضيف يبدو غير قابل للتعميم او التطبيق علي كل المهاجرين العراقيين في لندن. فمجتمع المهاجرين العراقيين في لندن لا يمكن ان يوصف بكونه حالة من الهجرة الطوعية، مدفوعة لتحسين المنظور الاقتصادي او وصفها بالهجرة القسرية، بل جاءت نتيجة ازمة مباشرة اثرت علي الاشخاص. وفي الوقت الذي تم فيه النظر الي سرديات شخصية لما بعد الهجرة التي تقترن مع التواريخ الشخصية، والبنية السياقية الواسعة للافراد والبلد الام، فان تعقيدات الهجرة العراقية تبدو اكثر وضوحا. وفي الوقت الذي يخدم فيه تحديد معيار الهجرة طوعية/ قسرية الاغراض الادارية والسياسية والسياسات (الاستراتيجيات)، وحتي عملية بناء الهوية الذاتية، هذا التحديد لا يقوم وبشكل كامل بتفسير عملية الاستقرار المعقدة للعراقيين في لندن قبل عام 1990.
ومع ان هذا هو الوضع بالنسبة للمهاجرين الذين استقروا في لندن قبل عام 1990، فان صورة مختلفة تظهر فيما يتعلق بالعقد الماضي في كل من لندن وعمان. ومع انه يبقي من غير الممكن تحديد حجم الهجرة التي تمت فيما بعد عام 1990 كنتيجة للحصار الاقتصادي الذي فرض علي البلاد، الا ان الهجرة العراقية في العقد الاخير يمكن ان توصف بانها غير طوعية او قسريـــة، وجاءت نتيجة للتخلف العام الذي عاشته كل قطاعات المجتمع العراقي، وترافق هذا مع الاضطهاد السياسي، وعليه فان التاريخ الشخصي للمهاجر غالبا ما يستعيد حس التشرد. والهجرة عادة ما توصف من خلال الحديث عن غياب الفرص الاخري. اي كخيار لا مفر عنه.
بعد اجتياح الكويت، والهزيمة العسكرية في حرب الخليج، واجهاض انتفاضتين، والحظر الدولي اللاحق، اصبحت عمان المحطة الاجبارية للترانزيت العراقي والهاربين من الحصار المفروض علي بلادهم. فقد ادي التراجع الخطير في الاقتصاد، والحظر علي الرحلات الجوية المدنية، تعويم العملة، ونقص المواد الغذائية، ونظام الحصص والخدمات الصحية والتعليمية غير الملائمة الي خلق وضع غير مسبوق.
وفوق كل هذا، فانهيار دولة الرفاه التي اصبح خيرها مقصورا علي الموالين لها ادت الي شظف، ظهر علي كل قطاعات المجتمع العراقي، باستثناء الحاشية المرتبطة بالنظام والتي تضم البيروقراط والعسكر والجماعات التجارية التي انتفعت من الدولة ومن الحصار المفروض علي العراق من قبل المجتمع الدولي، ومما عقد الامور هي لعبة فرق تسد التي انتهجتها الجماعة الحاكمة.

ديكتاتورية/ قهر الحاجة

في التسعينات من القرن الماضي، غادرت مجموعة قليلة العراق بسبب ضغوط ســـــياسية مباشرة، في الوقت الذي هربت فيه الغالبية من ديكتـــاتورية الحاجة ، اي الفقر والتراجع الاقتصادي الذي عاشوه في العقد الاخير. وهذا ما لخصه بشكل واضح عراقيان من بغداد وكربلاء، تمت مقابلتهما:
كان العراق بلدا راقيا ، كان عندنا النفط والماء والارض الخصبة، وفوق كل هذا الرأسمال البشري الذي لم يكن موجودا في اي بلد عربي، وكان العالم يحسدنا علي مستوي حياتنا، واليوم نزلنا الي درجة الفقر والتخلف، وابناؤنا في الشوارع، ليل نهار يبحثون عن لقمة العيش .
ويتذكر عراقي آخر قائلا:
جاءت ايام لم يكن لدي عائلتي اي شيء لتأكله، وعشنا علي التمور اثناء القصف الامريكي في عام 1991، لم نجرب من قبل تعاسة مثل هذه، وقبل هجوم بوش علينا (في اشارة الي حرب الخليج عام 1991) عشنا كالملوك، واكلنا مثل الملوك، وحتي في اثناء الحرب العراقية ـ الايرانية، عشنا حياة شبه طبيعية، الجبهة كانت بعيدة عنا، والعالم الخارجي مد يد العون لنا .
ديكتاتورية/ قهر الحاجة ادت لولادة اشكال جديدة من الهجرة، وفي العراق اليوم تعتمد الكثير من العائلات علي المساعدات المالية التي يرسلها الاقارب من الخارج. وعملية اختيار المرشح المناسب للهجرة والتمويل اللازم للتحضير من اجل الهجرة يقتضي قرارا جماعيا، لا يشمل فقط العائلة الضيقة بل العائلة الممتدة التي تعيش داخل وخارج العراق. وتتحمل العائلة الممــــتدة مسؤولية التحضير للهجرة علي امل الانتفاع من التحــــويلات المالية، بناء علي النظام التقليدي المعروف بالحوالة. وبدون هذه التحويلات المالية، فالعديد من العائلات العراقية تجد صعوبة في الوفاء بالاحتياجات المعيشية الاساسية. فالدخل المتدني، والتضخم الكبير يعني ان مواصلة الحياة في البلاد تصبح صعبة. وقد اعترفت الحكومة العراقية بأهمية التحويلات المالية هذه وقامت في التسعينات بانشاء دائرة للمغتربين في وزارة الخارجية، من اجل التحكم وضبط عمليات التحويلات المالية، وعلي امل ان يتم استخدام بعض الاموال في الاستثمار في الاقتصاد العراقي.
ملمح اخر لديكتاتورية الحاجة، هو التغير في جنس المهاجرين، ففي الهجرات السابقة كانت المرأة ترافق الرجل. وفي التسعينات، فالنساء الوحيدات، المطلقات او الارامل ظاهرات في لندن وعمان. وفي عام 1998 فان نسبة 45 بالمئة من المهاجرين الذين تلقوا مساعدات كانوا من النساء وعاشت نسبة 16 بالمئة في بيوت تديرها نساء. وفرص العمل كانت محدودة امام النساء، وهناك اقلية صغيرة من بين المهاجرات من بين اللاتي انخرطن في الدعارة او الاعمال اليدوية. والاحباط بين العراقيين في الاردن عبر عنها احد اللاجئين:
في الماضي كان الاردنيون يعملون عندنا، ولاكثر من عشرين عاما يستفيدون من تعاستنا، واليوم نقوم باعمال يدوية متوفرة مثل العمال المصريين، وبدوننا فالاردن لا يساوي شيئا، انه بلد غير مهم، قمنا، نحن العراقيين بتمويل طريقهم السريع وميناء العقبة .
وفي ظل الاوضاع الاقتصادية السيئة في العراق والاردن فان الحصول علي وضع لاجيء سياسي او علي ارضية انسانية في اوروبا، خاصة بريطانيا، يعتبر حلما. وادلة علي هذا هو وضع العراقيين في معسكر الصليب الاحمر الفرنسي الراكد، القريب من يوروتانل قرب كاليه الفرنسية. فالصلات العائلية موجودة مع المهاجرين العراقيين في بريطانيا، اضافة لمعرفة اللغة الانكليزية، والانطباع عن بريطانيا كبلد اقتصاده متطور وذو نظام رفاه اجتماعي جيد. اضافة للاشاعات التي انتشرت عن قصص النجاح العراقي لبعض المهاجرين العراقين كانت من عوامل الجذب.
وفي الوقت الذي اعتبر فيه الاردن كمحطة ترانزيت، ولا يمكن ان يكون محطة اقامة دائمة، فالفرص الاقتصادية المحدودة المتوفرة في الاردن، اضافة لقربه من العراق جعله اقل جذبا، كما ان الخوف من قيام عملاء النظام بعمليات ملاحقة في الاردن، ظل قويا بين المهاجرين.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية