2008/09/29

صناعة الحدث في السعودية

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 29-09-2008

يجب التفريق بين الحدث والخبر. الاول ينتج عن عملية تصممها وسائل اعلامية واجتماعية والثاني معلومة عابرة ما ان تظهر نجدها تختفي وتتلاشى دون ان تسجل صدا او تداعيات. ما يهمنا هنا هو عملية صناعة الحدث ورسم صورته بطريقة تجعله يأخذ ابعادا تتجاوز حدوده الجغرافية واهميته السياسية او الاجتماعية. يعتمد الحدث على لائحة طويلة من الاخبار حيث يختار بعضها ليسلط الضوء عليها بطريقة تجعلها تتحول من خبر عابر الى قضية هامة تتناقلها جهات اعلامية بطريقة تجعلها القضية المحورية والمشكلة الجوهرية.

لقد آثرت قوى اجتماعية وسياسية واعلامية في السعودية ان تجعل الدين وفتاوى العلماء هو الحدث الاول والاخير وكأنها بذلك تصرف النظر عن الحدث السياسي وتجرد المجتمع وأطيافه المختلفة والمتناحرة من فرصة الاطلاع على احداث اخرى تكون بنفس الاهمية ان لم تكن اهميتها اكثر الحاحا من متاهات الفتاوى وتداعياتها. لقد آثرت الآلة الاعلامية السعودية المدعومة سياسيا ان تصنع من هذه الفتاوى حدثا يجعل المتابع للشأن السعودي يعتقد ان هناك ازمة دينية واحدة تهدد مصير البلاد والاشخاص وتنذر بعواقب وخيمة وكأن ازمة الدين معزولة عن اطارها السياسي وابعادها الاجتماعية وخاصة الظواهر التي افرزتها ونمتها وربتها تحت جناحها. آثرت السلطة السياسية ان تحجب ذاتها وتسكت اخبارها التي تدار من خلف الكواليس وتقمع تحركاتها حتى لا تصبح حدثا بل تظل مختبئة تحت ستار وحجاب ثقيل.

وما يظهر منها لا يتعدى خبر 'استقبل وودع وهنأ ووزع' هذا بالاضافة الى اخبار الصرف على لجان تؤسس هيئات وتدرس الاوضاع دون ان يطلع المواطن على حدث التنفيذ ويمحص انجازاته واهدافه ونتائجه بشفافية وجرأة تجعله محطة تحتاج الى وقفة تأمل واعادة نظر. لقد فشل الانفتاح الاعلامي المزعوم في صناعة حدث يتجاوز صب الاهتمام على امور خارجة عن مواضيع فتاوى لعق الزوجة لمخاط الزوج وتزويج الاطفال وشرعية الفأر المسمى ميكي ماوس وخروج المرأة من دارها والتداوي ببول الابل والرقي والسحر والشعوذة.

وكلها مواضيع ليست بالجديدة فمجلد فتاوى علماء بلاد الحرمين قد فصلها وأطال في تفصيلها حيث تستحوذ مثل هذه الفتاوى على اكثر من نصف المجلد مسترسلة على اكثر من 400 صفحة. نعم لقد انشغل علماء بلاد الحرمين كغيرهم من علماء المسلمين في تفصيل هذه الامور واستطردوا في جزئياتها وجعلوها مركزية ومحورية في نشاطهم الفقهي لا نعترض ان كان احدهم قد جعل من دماء النساء موضوعا لاطروحة دكتوراه في احدى الجامعات او المعاهد العلمية ولكننا نتساءل عن مغزى جعلها حدثا تلوكه الألسن على شاشات التلفاز وصفحات الاعلام المرئي والمسموع والمقروء. انها سياسة صناعة الحدث التي آثرت ان تحسم القضية وتقلص اهتمام المجتمع في امور قديمة سكب عليها من الحبر والجدل والسجال ما سكب خلال قرون من التمحيص والتفكير الذي لم ينهض بأمة ولم ينر ظلمة ولم يصلح مجتمعا.

يهدف الاعلام المسلط على فتاوى قديمة جديدة بوسائل حديثة ان يقنع مستهلكيه في الداخل السعودي ومحيطه العربي والعالم بأجمعه ان المشكلة التي تواجهها السعودية اليوم هي مشكلة دينية تتمثل في نمط كاريكاتوري للدين وحراسه. لقد اختزلت الآلة الصانعة للحدث الاسلام بتاريخه وحضارته وفقهه وشريعته وأعلامه السابقين وحولته الى كاريكاتور تجتره وسائل الاعلام المحلية والعالمية وخاصة تلك التي تعتمد على الإثارة والانتهازية لتكسب جمهورا مولعا بمثل هذه الاخبار وجزئياتها فتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد. هي اولا تحصر القضية السعودية بقضايا الدين وثانيا تصرف الاهتمام عن التعاطي مع الشأن السعودي وخاصة السياسي منه وترسم هذه الآلة صورة مضحكة مبكية وتلون تفاصيلها بقصص قد تجاوزها الكثير من المهتمين بالشأن العام وأزمته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي يمثل الدين جزءا منها وليس كلها.

ان كان الهدف التعجيل باشعال نار فتنة دينية وسحب البساط من تحت اقدام الذين تخصصوا في دراسته وتفصيله فقد نجحت الآلة الاعلامية السعودية ليس بهذا فقط، بل أنها شريكة حميمة للقيادة السياسية والتي هدفت خلال الاعوام السابقة الى تغييب كل من تطرق للشأن السياسي واصلاحه. لا تلتقط هذه الآلة خبر الاعتقالات السياسية ولا تدني مستوى الشفافية وارتفاع الفساد والذي فصلته مؤسسة الشفافية العالمية ولا تقارير منظمات حقوقية عن انتهاكات حقوق الانسان والمرأة والاقليات والسجن بدون محاكمة. كان آخر هذه التقارير ما اصدرته مؤسسة الشفافية عن تردي مرتبة المملكة والتي اصبحت الاكثر فسادا في منطقة الخليج بينما ارتفعت درجة غيرها من دول الجوار ولا تهتم هذه الآلة الاعلامية بتقرير هيومان رايتس وتش الأخير عن الطائفة الاسماعيلية في نجران وكونها تمثل مواطنين من الدرجة الثانية وتفصيلها لحادثة عام 2000 عندما تحركت هذه المجموعة مطالبة بحقوقها وايقاف الاستيطان الهادف الى تغيير تركيبتها وتعدادها في منطقتها.

كل هذه المعلومات تظل أخباراً وليست حدثاً يستوجب وقفة تأمل أو تمحيص. وبالاضافة إلى التهافت على صناعة حدث جوهري مادته الدسمة مستلهمة من مجلدات قديمة نجد ان الاعلام المسيس يشارك بجدية في تبلور نظرات محدودة لشأن المنطقة العربية وبؤرها الملتهبة ويعرض نظرة معممة لهذا الشأن. فالصراع العربي الاسرائيلي لم يعد صراعاً سياسياً على أرض مسلوبة بل هو أيضاً مشكلة إرهاب وإسلام وما يجري في العراق لم يعد عملية سلب لمقدرات وطن بل هو صراع ديني بين متطرفين وآخرين حضاريين والمشكلة مع ايران ليست مشكلة سياسية ومسألة نفوذ وفراغ عربي قاتل بل هي مشكلة سنة وشيعة. ومشكلة العالم العربي مع العالم لم تعد مشكلة موقع استراتيجي وموارد نفطية وهيمنة استعمارية جديدة بل هي مشكلة تطرف اسلامي وتخلف ديني.

لقد نجحت عملية صناعة الحدث السعودية في تفريغ السياسة من مضمونها وانتزعت التفكير بالأمور الجوهرية من عقول المفكرين والمستهلكين وخدرتهم بجرعات كبيرة استطاعت ان تقنع الكثير منهم بان معضلة القرن الواحد والعشرين في الوطن العربي هي معضلة تبدأ بالدين وتنتهي اليه. لقد قلصت هذه العملية قدرة الانسان على استحضار عوامل أخرى قد تكون أكثر اقناعاً في تفسير ما آلت إليه المنطقة من استقطاب وتشرذم. تطلب السعودية اليوم من خلال آلة صناعة الحدث من الجميع أن يلتزموا بدينهم ليس بمفهومه الحضاري بل بمفهومه الضيق والذي ساهمت أموالهم في توسيعه حتى اصبح فضفاضاً غير قادر على التعاطي مع معضلات الحياة العصرية وتشعب متطلباتها وزلات السياسة والقائمين عليها.

المشكلة في العالم العربي ليست مشكلة جياع وآخرين مصابين بالتخمة وليست مشكلة شعوب مهمشة مقموعة أو أقليات مسلوبة من ابسط حقوقها أو نساء عاطلات أو أطفال يتسكعون في الشوارع أو شباب لا يلقيا عملاً بل هي مشكلة دين أولاً وأخيراً. لقد نزل هذا الدين من السماء ولكنه تطور وتفاعل مع أطر سياسية بالية أهم سماتها الاستئثار بالسلطة والقمع والفساد ونمى وترعرع في حضن هذه السلطة والتي نزعت عنه رسالته العالمية وقدرته على ضبط أمور البشر الدنيوية بل انها جردته من قدرته على التصدي للظلم والغطرسة فأصبح اليوم موضوعاً تلوكه الألسن من الشرق الى الغرب وان بقي له دور يلعبه فهو تخدير الشعوب وخنوعها وركوعها امام جبروت السلطة نعم هذا هو ديننا اليوم ـ سلسلة طويلة من فتاوى قديمة متجددة بعضها يشنها حرباً على السحر والشعوذة وبعضها يحلل نظرة قبل الزواج على جهاز الحاسوب وبعضها يفصل المخاط والصديد وكلها تدور في محور واحد ـ اقناعنا ان مشكلتنا اليوم هي مشكلة دينية وليس سياسية بالدرجة الأولى. هذا هو ديننا كما تصنعه آلة صناعة الحدث السعودية وبه سنقتحم القرن الواحد والعشرين ونغزو العالم بانتاجنا الفكري والديني.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية