2008/09/22

السعودية: فقاعات معارضة الدولة الريعية

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 22-09-2008

أثار رأي الشيخ صالح اللحيدان بشأن الفضائيات وافلامها الماجنة ضجة اعلامية في الصحافة السعودية المحلية ونظيرتها الغربية. اعتبرها البعض وقفة جريئة في وجه الاعلام السعودي المروج لمثل هذه الافلام وخاصة الممولة من قبل شخصيات سعودية معروفة. اما البعض الآخر أدانها بقوة وقسوة واعتبرها حملة قد تروج للقتل والارهاب ضد اصحاب هذه القنوات والعاملين فيها.

لا بد لنا ان نفند هذا الرأي من منظور آخر ونحلله بعيدا عن الابتهاج او الادانة. لقد اصدر الشيخ رأيا تلقفته وسائل الاعلام دون ان تنظر الى خلفيته وأبعاده خاصة وانه انطلق من مسؤول مهم في الدولة السعودية والتي تعتبر نفسها حارسا للفضيلة والاخلاق وبنت شرعيتها منذ سنواتها الاولى على هذه الاسطورة.

عندما تطورت هذه الدولة من مرحلة الاحتلال والمد العسكري الى مرحلة الدولة الريعية بفضل عائدات النفط تحولت معها المعارضة الى نوع خاص يمثل رأي اللحيدان رمزا له.

لا يعترض اللحيدان على مسار الدولة وتصرفها بالمال العام ولا تطورها ولا هيمنتها على مرافق الحياة ولا تنكيلها بالمعتقلين السياسيين ولا على علاقاتها الخارجية المشبوهة ولا تبذيرها للثروة النفطية وفشلها في ضمان الامن الوطني او الانساني، بل يتجه وبصورة مباشرة الى شخصيات آثرت المد الاعلامي وانتهجت مسار الفضائيات المروجة لافلام وافكار تتعارض مع اساطير الدولة المختصة بترويج الفضيلة والعفة وهو بذلك يلعب الدور المطلوب منه كحارس للفضيلة.

وهو دور قلصته الدولة وحددت اطاره الضيق بعد ان اخرجته من اللعبة الكبيرة المتعلقة بمصير الدولة وسياستها الاقتصادية والدفاعية والقضائية. فتواه لا تحرج الدولة لانها ليست موجهة لهذه المسلمات والتي هي بالدرجة الاولى محتكرة من قبل حفنة صغيرة من الموظفين والتكنوقراط الذين يفعلون سياسة الامراء المسؤولين. من يفتي في هذه الامور يعلم جيدا انه سيفقد منصبه وسيحارب من قبل المسؤولين خاصة ان تعرض بالنقد لمرافق الدولة وسياستها العامة. يبقى اذن الحيز الضيق المسموح اختراقه وهو حيز الفضائيات والاعلام. وهو بذلك يضمن انكار المنكر فيكسب اجرا في الآخرة اما في الدنيا هذه فهو يلقى المديح وتزداد شعبيته في مرحلة تضافرت عوامل عدة على تقليصها والحد من قدرتها على الهام الكثير من المتطلعين للمواجهة والنقد وقول كلمة اعتراض. ينطلق الرأي الناقد للفضائيات الماجنة من خلفية ضيقة لا تستطيع ان تتجاوز الحدود المسموح بها.

وتكون ضحيتها دوما شخصيات تدور في فلك الامراء المعروفين ولكنها لا تتبوأ المنصب الاول ولا تكون مسؤولة عن القرار المهم. بل هي تصب في مصلحة الصف الاول من اصحاب القرار وتحد من شعبية الصف الثاني او الثالث. يبقى الصف الاول معصوما خارجا عن دائرة النقد والتجريح والفتاوى رغم ان بيده القرار والقدرة على الحد من انتشار فضائيات الرقص واللهو والتسلية الخارجة عن اطار الذوق والثقافة.

يتجه صوت اعلى مسؤول في القضاء الى ادانة اصحاب الفضائيات ولا يلتفت الى القضاء ذاته والذي اصدر احكاما بحق الكثيرين الذين تجرأوا على نقد المسار العام للدولة او حتى تطلعوا الى عملية اصلاح لا تزال حتى هذه اللحظة تختنق تحت سيطرة السلطة السياسية ولا يزال هؤلاء في السجون دون اصدار احكام بحقهم.

الرأي الذي صدر بشأن الفضائيات هو رأي محدود ينطلق من طبيعة المعارضة في الدولة الريعية وهي معارضة تكتفي بنقد عام وشامل لاخلاقيات البشر وتنأى بنفسها عن الامور المصيرية المتعلقة بتطوير مؤسسات الدولة والمشاركة في صنع القرار وتوزيع الثروة وتصحيح مسيرة التنمية. كل هذه الامور خارجة عن نطاق الرأي والجرأة وتبقى سلوكيات البشر الشغل الشاغل. اما سلوكيات المسؤول الاول فهي خارج نطاق القضاء السعودي والقائمين عليه. في مقالات سابقة بينا خطر الاعلام الممول سعوديا على المجتمعات العربية لكننا حددنا ايضا مسؤولية المال السعودي واصحابه ولم نستغرب ان تصدر فتوى في حق مموليه، لكننا نستغرب هنا اقتصار الفتوى على العموميات وعدم قدرتها على تسمية الاشياء باسمائها مباشرة.

وهذا يعكس تقلص صلاحيات صاحب الفتوى وعدم قدرته على تغيير مسار تطور فضائيات اللهو. لقد اخذت الحكومة السعودية على عاتقها محاربة الاعلام الذي لا يمجد سياستها وشاركت في صياغة وثائق تحد من حرية الاعلام على المستوى العربي لكن الحرية التي اعترض عليها الشيخ لا تقع ضمن الحريات التي تشكل خطرا على الدولة. والفضائيات المدانة كقنوات الرقص قد اصبحت ملاذا لشرائح اجتماعية تتجمد امام ايقاعاته هربا من واقع مزر وفرص محدودة لتنمية الذات او للعمل الجاد الذي يعود على اصحابه بالدخل والكرامة. انبهار المشاهد السعودي والعربي ببرامج الترفيه والتسلية هو انعكاس لعصر انحطاط وليس حرية وتقدما ورقيا. لقد عرف العالم العربي الموسيقى والطرب منذ قرون ولكنه اليوم يقف امام المجون المعولم فاقدا للذوق والقدرة على التصدي بل هو مستهلك نهم اما لقصص الاولين وانجازاتهم التاريخية عن طريق الدراما القديمة او قصص البرامج التلفزيونية التي تنقله الى عالم آخر ربما يتطلع اليه في المستقبل. والبعض الآخر يغوص في شاشات ملونة تفرج ازمته النفسية والاجتماعية وحتى الجنسية. فبين الماضي المجيد والمستقبل المجهول يقبع الحاضر المر بكافة مشاكله وفراغه وازماته. ظاهرة الفضائيات وبرامجها ظاهرة اجتماعية صعبة ومتشعبة الابعاد لن تحل ازمتها فقاعة معارضة في دولة ريعية يستهلك امراؤها بعض دخلهم في الترويج لقنواتهم وبث موادها التخديرية على امة كاملة من محيطها الى خليجها. ولن تنتهي هذه الظاهرة بعملية قتل او تفجير لاصحابها لانها ظاهرة تعكس سنوات من التهميش والفراغ والاستهلاك وتقلص مجالات الترفيه والعمل الجماعي والشعور بالانتماء للحاضر والقدرة على السيطرة عليه وتغيير مساره. مشاهدو الفضائيات في السعودية وبقية العالم العربي يعلقون عضويتهم في مجتمعهم الحالي ويهربون الى عوالم افتراضية ويتسمرون امام شاشات متحركة بعد ان اصابتهم حالة سكون طويلة الامد. لقد تقلص دورهم في مجتمعهم الى مشاهدين وليس مشاركين في صناعة القرار او حتى تحديد مصيرهم الشخصي ومسارات حياتهم اليومية. هروب المجتمع العربي الى عالم الفضائيات خاصة في شهر رمضان دليل قاطع على ان لا حدود للهروب من الواقع والتملص من القدرة والرغبة في تغييره او السيطرة عليه. فقاعات معارضة الفضائيات وفتاويها لن تنتشل جيلا كبيرا آثر الفرجة والاستهلاك على العمل.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية