2006/06/30
الاصوات الاعلامية السعودية في لندن وجهل المصطلحات
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 18-07-2005
كانت تفجيرات لندن محط انظار، اذ انها صدمت الكثيرين ممن يعيشون ويتعايشون في العاصمة البريطانية وخاصة الجالية العربية والمسلمة بعضهم جاءها طوعا راغبا في عيش افضل، وبعضهم استقر بها بعد ان اغلقت عليه ابواب الحرية والكرامة. تعتبر لندن من اكثر العواصم الاوروبية التي تحتضن جالية عربية كبيرة. فبينما باريس تتميز بكثرة المهاجرين من شمال افريقيا نجد لندن احتضنت العرب بكافة لهجاتهم. جاءها اليمني والصومالي منذ اكثر من قرن واستقرا في شرقها، وعند ميناء نهر التيمز. ثم جاءها الفلسطيني في منتصف القرن الماضي هاربا من غربة في وطنه، ثم جاءها اللبناني بعد ان مزقت الحرب الاهلية كيان دولته الهش. اما العراقي كان في باديء الامر اما ملكا مخلوعا او اقلية ربطت مصيرها بمستعمر رحل وتركها وحيدة، او اخري فضلت الهجرة علي البقاء في بلد لا يعترف بخصوصيتها. بعدها جاء الشيعي والشيوعي ومن ثم السني الي ما هنالك من جزئيات. والمصري كان اما عاملا او تاجرا او مبدعا في العلم كالطب وغيره من العلوم. اما السعودي فقد التحق بالمسيرة في السبعينيات.
بعضهم جاء بحثا عن استثمار عقاري او فرصة ذهبية في سوق لندن التجاري، او سياحة قصيرة يقضيها بعيدا عن بلده. وفي التسعينات قدمت مجموعة جديدة نزحت بسبب الضغط السياسي وطلبا للحرية التي تمكنهم من العمل السياسي بعيدا عن رقابة النظام وسوط اجهزته. انضم هؤلاء والذين لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الي مجموعة كبيرة كانت قد اتخذت من لندن مقرا لها الا وهي الاصوات الاعلامية السعودية التي كانت وما تزال حتي هذه الساعة ترابط علي ثغور العاصمة البريطانية.
بعد اقل من ساعات معدودة علي تفجيرات لندن خرجت هذه الاصوات علي الشاشات التلفزيونية العربية تعزف سيمفونيتها المعروفة والتي اتقنتها من خلال الممارسة واعادة البث. ظهر صوت قد استقر في لندن مؤخرا بعد ان لفظته الصحافة المحلية في البلد ليحلل احداث المتفجرات، وقبل اي مناقشة او دليل ردد هذا الصوت بعض التعابير والمصطلحات التي خرجت بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) مباشرة واستعمل كلمة لندستان واصفا لندن بأنها اصحبت مأوي للارهابيين والمحرضين وذكر محدثنا ان النظام السعودي قد حذر الحكومة البريطانية من خطر هؤلاء الذين يبثون سمومهم في كل زاوية وكل مسجد واستشهد معلقنا هذا بمسجد فينزبري بارك وما حصل فيه وذكر اسماء بعض الدعاة وتطرق لموضوع المعارضة السعودية خالطا الحابل بالنابل متجاوزا لكل الدلائل والتي لم يظهر فيها اي شيء بعد اقل من ساعتين علي تفجيرات لندن.
اما الصحافة المكتوبة فقد كانت قد استقرت في لندن منذ الثمانينات فهي اقدم من الاصوات المسموعة ولكنها تردد ايضا نظرية لندستان وتستشهد بها كما يستشهد العالم بنصوصه الشرعية.
لنقف لحظة تأمل عند هذا المصطلح لندستان ونواكب تطوره وولادته وكيف دخل الي ابجديات وسائل الاعلام المرابطة في لندن.
ولد هذا المصطلح بعد احداث ايلول (سبتمبر) فكان علي وزن افغانستان. تداوله الكثير ليس في بريطانيا بل في فرنسا والتي كانت مستاءة من بريطانيا وطريقة تعاملها مع ما اسمته بالارهابيين القادمين من الجزائر بعد ان شهدت هذه الدول اعمال العنف والتي اودت بحياة المئات من الابرياء. عندما لجأ الكثير من الجزائريين والذين فروا من بلادهم او من فرنسا وجدوا في بريطانيا ملاذا وان لم يكن ملاذا انسانيا وحضاريا تتطلبه معاهدات دولية تنظم حق اللاجئين الا ان لندن وخاصة منطقة شمال كنزنغتون وبعض الاحياء الشرقية كانت افضل بكثير من مصير قد يواجههم في مناطق احزمة الفقر التي تعانق باريس وغيرها من المدن الفرنسية حيث يتواجد الكثير من ابناء الجالية القادمة من شمال افريقيا. ولسبب في نفس يعقوب غضت بريطانيا النظر ولم ترحلهم الي بلادهم. منذ تلك اللحظة يردد محللو الارهاب في فرنسا نظرية لندستان والتي يتبناها اليوم بعض المعلقين السعوديين الرسميين. اصبح مصطلح لندستان يتصدر الصفحات الاولي في الجرائد الفرنسية كصحيفة اللوموند والتي جاء مراسلها يبحث عن الارهاب في المساجد والمدارس الاسلامية والمراكز الاجتماعية للمهاجرين المسلمين حسب قوله. لم يفهم الفرنسيون لماذا احتضنت بريطانيا لاجئي الجزائر كما لم يفهم البريطانيون وغيرهم لماذا احتضنت فرنسا الخميني في اواخر السبعينات والتي منها انطلقت طائرة العدة الي طهران. والصحافة الفرنسية ليست وحدها من روج هذا المصطلح بل ان اكاديمي فرنسي معروف في الاوساط العلمية المختصة بأمور الاسلاميين قد تبني هذا المصطلح ودافع عنه بل هو ايضا ردده كما ردده الممثل السعودي علي احدي الفضائيات العربية بعد فترة قصيرة جدا من تفجيرات لندن.
من خلال هذه المداخلات الاعلامية كنا نشتم رائحة كريهة ومحاولات تصطاد في الماء العكر. قبل ان تخمد نيران التفجيرات كانت التعليقات الاعلامية السعودية توجه اصابع الاتهام دون اي حساب لما تجره مثل هذه التصريحات علي الجالية العربية المقيمة في العاصمة البريطانية.
في هذا المجال نقول ان لندن ليست لندستان مهما حاولت الاصوات السعودية وقبلها الفرنسية ان تلصق هذه التهمة بمدينة بعيدة كل البعد عن لندستان ومدلولها. تعرف هذه الاصوات جيدا اين هي لندستان الحقيقية والتي هرب منها احد هذه الاصوات.
مهما كان موقفنا من السياسة البريطانية من قضايا الحرب والمسلمين ومهما جمعنا من ادلة تاريخية وحججا قانونية نتسلح بها في رفضنا للواقع الحالي المتمثل بوقوف بريطانيا كدولة الي جانب الولايات المتحدة وتبني سياساتها الا اننا نفرق بين لندن المدينة واهلها ولندن السياسة والمؤامرة.
لندن المدينة الوحيدة في اوروبا ذات العمدة الذي وقف الي جانب قضايانا ودافع عنها ليس لانه استلم اتاوات من انظمة اصبحت اليوم في ذاكرة التاريخ كما اتهموه. بل لأنه مؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها. لندن المدينة الوحيدة التي لا تنبذ الفقير الي خلف اسوارها كما تفعل فرنسا مثلا، بل نراه يعيش في مساكن خاصة في قلب العاصمة يختلط علي ارصفتها مع الغني والمقتدر. لندن ايها المنادون بلقب لندستان العاصمة الوحيدة في اوروبا التي تسمح لطلاب جامعاتها المسلمين بغرفة صغيرة يقيمون فيها صلاة الجمعة، ويحتفلون بأعيادهم ويعرضون تراثهم ومأكولاتهم علي الطلاب الاخرين، يبنون جسوراً من الملح والخبز مع الجاليات الاخري بطريقة تختلف تماما عن النظرة الاستعلائية والعنصرية التي ميزت العلاقة بين ممثلي النظام السعودي في لندن وأبناء الجالية المسلمة البنغلادشية والباكستانية وغيرهم اذ ان لكل واحد منهم قصة يحكيها ولا تظهر هذه القصص علي الملأ الاّ بعد ان تضطرب المعادلة المعروفة: المال مقابل الولاء والمستعملة في الداخل والخارج معا.
لندن ليست لندستان اذ انها لا تفرض هويتها علي الجميع لأن ليس لها هوية واحدة بل هي موزاييك مختلف الالوان والاشكال كلما ازدادت الوانه زاد ثراؤه وعمقه. لندن لا تطلب من سكانها استبدال براقعهم ببراقع اخري بل تتغاضي عنهم فهي تنظر ولا تري، تنصت للهجمات متعددة ولكنها لا تسمع ولا تنتقد.
اثبتت احداث لندن كما اثبتت تفجيرات اخري ان العنف السياسي اليوم يتأرجح بين العولمة والخصخصة. فرغم ان الخطاب الجهادي الذي تروجه الجهات المختصة علي الانترنت هو خطاب معولم يشترك في انتاجه شخصيات واقلام لا تعرف هويتها بل هي موجودة في كل مكان، نجد ان هذا الخطاب قد تتبناه مجموعات شبابية محلية جدا، التحقيقات الاولية لاجهزة الامن البريطانية اشارت الي انتحاريين بريطانيين من اصول اسيوية يقيمون في منطقة يوركشير الشمالية وليس قادمين عربا خضعوا لعمليات غسل دماغ علي ايدي مايسمي بالمحرضين علي العنف وخاصة الدعاة العرب.
خطاب القاعدة المعولم يلقي تجاوبا من قبل شباب فرقته الحدود وجمعته الهموم وربما لا يقر النظام السعودي بأن قوائمه الثلاث التي صدرت حتي هذه اللحظة ما هي الا تقليدا لقوائم الولايات المتحدة التي اعتمدت علي ورق اللعب. هذه القوائم ربما لا تعكس الواقع القائم علي الارض بل هي تعكس مدي تأزم الحلول الامنية في حل معضلة القاعدة. حتي الان اظهرت القاعدة ان قوتها تكمن في كونها لا قاعدة لها لا في افغانستان ولا في لندستان ولا حتي في بريدستان أو زلفيستان لا يزال منطق الخلية الارهابية وتفكيكها هو المسيطر علي الاصوات الاعلامية خاصة بعـــد اكتشاف خلية هامبورغ الالمانية بعد فوات الاوان وفي وقت متأخر جدا.
اعمال العنف والتفجيرات اثبتت ايضا مقولات واهية خاصة تلك التي ربطت بين العنف والقائمين عليه من جهة وبين الفقر والبطالة من جهة اخري. كذلك اثبتت اعمال العنف فشل مقولات اعتمدت علي منطق الغريب الذي يأتي ويغسل الادمغة في العراق او كشمير او لندن او حتي الرياض وجدة. رددت اصوات الترورولجست اي المختصين بالارهاب او الذين يطرحون انفسهم علي انهم مختصون بتحليلات الارهاب مقولة العنف وفكرة الذي يأتي من الخارج فان حصل التفجير في الرياض هو من عمل اجانب او فكرهم القادم من هذا البلد المجاور او ذاك وان حصل في لندن فهو ايضا من عمل غرباء قادمين من متاهات الارض الواسعة وان حصل في بغداد او الموصل فهو ايضا من عمل اجانب اتوا من مكان معين خارج حدود الوطن.
هؤلاء الخبراء ينسون او يتناسون ان لكل فكر معولم جهادي او شيوعي او بعثي او اسلامي او غيره محركا محليا يمتص هذا الفكر ويهضمه بطريقته الخاصة ومن ثم يلونه بطابعه المحلي وينشره باسلوبه المميز. وقد يتلاءم النتاج المحلي مع مصدره المعولم وقد يختلف عنه اذ ان البيئة المحلية لها بصماتها الخاصة، العنف الذي تشهده عواصم كثيرة اليوم هو عنف محلي يتجاوب مع فكر لا قاعدة له ولا خلية تحتضنه يسافر هذا الفكر دون ان يعبر حدودا معروفة ليس له جواز سفر او هوية محددة بل هو نتاج فرضته علاقات دولية كرست هيمنة مجموعة معينة علي حساب اكثرية كبيرة تشعر ان حقوقها مهضومة او ارضهـــا محتلة.
اختلفت القاعدة عن غيرها من التيارات العالمية كالتيارات الاممية الشيوعية مثلا في كونها فرضت علي المجتمعات المسلمة مبدأ خصخصة الجهاد اذ اصبح فرضا شخصيا يقوم به الشباب كل علي ثغر دون امام او امير اذ ان الزمن قد تجاوز هؤلاء منذ وقت طويل. هذه الخصخصة كانت مستحيلة لولا عصر العولمة والاتصالات. هذه الحقائق قد فاتت اصوات النظام السعودي المرابطة علي ثغور لندن. ليتهم يكتفون بثقافتهم المحلية ويتجاوزون مصطلحات اخترعها الغير لاسباب خاصة بهم كمصطلح لندستان الفرنسي.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي