2008/07/14

الديمقراطية السعودية تبدأ من وزارة الصحة

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 14-07-2008

في كل دولة هناك وزارات سيادية كالدفاع والداخلية والخارجية وأخر أقل أهمية تسير أمور المواطنين في شؤون العمل والصحة والتربية الأول معنية بأمن النظام واستمراريته داخليا وخارجيا اما الثانية فهي معنية بتوفير الخدمات وايصالها ال المجتمع. وفي السعودية وغيرها من دول المنطقة العربية نجد ان حصانة الوزارات السيادية متماسكة وغير قابلة للجدل والنقاش.
اما الثانية فهي اليوم تتعرض للنقد والمساءلة الأول لا تزال حكراً عل الأمراء أما الثانية فتوزع عل البيروقراطيين والتكنوقراط المعروفين بولائهم لأنظمتهم وقد وفرت الوزارات الأقل أهمية مجالاً لبعض الأسماء اللامعة التي لا يشكك في ولائها احد لأنها اثبتت خدمتها وتفانيها في الدفاع عن النظام وسياسته. وأصبحت هذه الوزارات الأقل أهمية هدفاً يطمح له الكثير اذ انه يوصل من يمسك في زمامها ال الحلقة الضيقة للحكم ويجعله مقرباً من رجال الدولة والميزانيات الضخمة التي توزع عل الوزارات والتي حت هذه اللحظة لا تخضع للمحاسبة او الشفافية. مؤخراً وصلت السعودية ال الديمقراطية عل طريقتها الضيقة والمحدودة عندما طالب عضو في مجلس الشور المعين من قبل الملك الاطاحة بوزير الصحة وانتقد توفير الخدمات الصحية رغم ميزانية باهظة تجاوزت 42 مليار ريال واستشهد بحالات مزرية للمستشفيات والمرض.
والتحقت السعودية بجارتها الكويتية عندما أطاحت انتقادات البرلمان الكويتي بوزيرة الصحة عل خلفية حريق شب في احد المستشفيات. والتقطت وسائل الاعلام السعودية الرسمية الخبر السعودي وعممته ونشرته وكأنه الحدث الفذ الذي يكرس موقع السعودية عل خارطة ديمقراطيات العالم ويخطو بها خطوات جريئة عل مسار الشفافية والمحاسبة. ولم تشهد السعودية تغييراً وزارياً منذ اعوام وتبقي حت هذه اللحظة الوزارات المهمة حكراً عل وجوه، عمرها في بعض الوزارات قد يتجاوز الخمسين عاما. بعيداً عن البهرجة الاعلامية وخطوات الديمقراطية المزعومة نجد ان الحدث بسسيط ان كانت له دلالات فهي تدور في محور ضيق ينطلق من مبدأ الاصلاح المزعوم المرتبط بعملية تجميل للاستبداد وانعدام المحاسبة الحقيقية والشفافية. هذه السياسة لها أربعة محاور أبدعت القيادة السعودية في تبنيها كبديل للاصلاح الحقيقي المرجو والذي ينقل الدولة من الملكية المطلقة ال ملكية مقننة قد تكون أمل البعض في بناء دولة مؤسسات وليس أمراء. المحور الأول الذي تبنته السعودية هو استقطاب مؤسسات المجتمع المدني عن طريق تفعيله فقط من خلال هيمنة الدولة تماماً كما حدث عندما تبنت الدولة الحوار الوطني لتقطع الطريق عل مؤسسات مستقلة قد تختطف المبادرة من الدولة نفسها وكذلك في مشروع هيئات مستقلة لحقوق الانسان. فأنشأت الدولة مؤسستين الأول حكومية صرفة والأخر تحت هيمنتها. المحور الثاني في عملية تجميل الاستبداد انطلق من تبني المشاركة السياسية المحدودة في انتخابات المجالس البلدية وتشجيع النقد لمؤسسات الدولة الثانوية كالصحة ووزاراتها حيث أعطت الضوء الأخضر للصحافة والكتاب لاستعراض تقصير هذه الوزارة وغيرها كالعمل والتربية دون يتجرأ أحد عل استعراض تجاوزات وتقصير الوزارات السيادية كالدفاع والداخلية والخارجية وزلاتها. المحور الثالث انطلق من استيعاب التيارات الاصلاحية وتفكيكها واغراقها في قضايا الحريات دون ان تتبن الدولة أيا من مطالبها العريضة المرتكزة عل فصل السلطات وانتخابات شاملة تنتج مجلساً وطنياً له صلاحيات في رفع الحصانة عن الوزراء ومحاسبتهم وعزلهم. واكتفت الدولة خلال السنوات الماضية بزيادة عدد أعضاء مجلس الشور المعينين وكأن المشكلة في عددهم وليس في مهامهم وتمثيلهم للمجتمع بكافة شرائحه أما المحور الرابع في عملية التجميل هذه فارتكز عل تفعيل دور السعودية في المحافل الدولية كدولة عصرية منخرطة في القضايا العالمية وما مؤتمر حوار الأديان القادم في اسبانيا الا حلقة أخر تصب في هذا التوجه الهادف ال تلميع صورة المملكة عالمياً دون ان يكون لهذا الحوار بعد داخلي قد يغير الثقافة السائدة والممارسات القديمة. وما انخراط السعودية في مشاريع المحافظة عل البيئة والحد من التلوث التي تأخذ اليوم بعداً عالمياً الا محاولات صغيرة تطمح القيادة السعودية من ورائها ال الوصول ال المجتمع العالمي متجاوزة بذلك مشاكلها الداخلية والتي سلطت المؤسسات الاعلامية العالمية الضوء عليها مؤخراً وبشكل مكثف.
يبق الاصلاح السياسي الحقيقي معلقاً عل أجندة الكثير من الاصلاحيين السعوديين بعضهم يدخل السجن ويخرج وبعضهم يبق دون محاكمة لفترات طويلة. عمليات تجميل الاستبداد لن تسدل الستار علي الممارسات القمعية في الداخل ولن تغير وضع الخدمات الصحية والتربوية ومشاكل البطالة والتضخم وشح المياه وغيرها من الثغرات التي يعاني منها الكثير في دولة أعلنت مؤخراً عن اكبر ميزانية لها في تاريخها. ان نجحت الاطاحة بوزير الصحة او لم تنجح ستبق هذه المشاكل عالقة ومحتاجة ال عملية اسعاف سريعة. هذه العملية تتطلب هزة قوية لممارسات الحكم وثقافته ومن أهم الخطوات تغيير الطاقم القديم الذي لا يزال يعتبر الوزارة إرثاً له ولأبنائه من بعده وترسيخ مبدأ فصل السلطات والمشاركة السياسية الحقيقية. تقف السعودية اليوم عل مفترق طرق إما أن تستمر في مشروع عملية التجميل وهي بذلك تطيل عمر الاستبداد دون ان تستأصل جذوره الراسخة وإما ان تنهض بنفسها من الممارسات القديمة التي اوصلتها ال هذه الحالة المزرية حيث لا يجد المريض سريراً في أحد المستشفيات. بينما تتباه السعودية بفصل التوائم وغيره من العمليات الجراحية البراقة. ولا يجد الشباب وظيفة بينما مشاريع البناء والمدن الاقتصادية تتوالد وتتكاثر دون ان تستوعب العاطلين عن العمل. وتتكاثر الحدائق ونوافير المياه بينما تبق المدن والمواطن يعتمدون عل المياه المنقولة التي يشترونها بأموال باهظة. وتصدر السعودية شبابها ال جامعات الخارج عن طريق بعثات باهظة الكلفة وتستمر جامعات الدولة في موقعها عل آخر لائحات الجامعات لا تخرج شباناً بكفاءات تناسب الحقبة الاقتصادية الحالية. منذ السبعينات لم تكن مشكلة التنمية في السعودية منطلقة من شح الأموال ولكنها كانت مثقلة بعمليات التبذير والسلب والنهب وسوء الادارة ان لم تكن هناك مؤسسات شفافة وادارة نزيهة فستذهب الطفرة الاقتصادية الحالية كما ذهبت الأول ولن يستفيد منها سو حفنة قليلة العدد من الذين تسلقوا سلم الدولة وادارتها وستبق الأكثرية مهمشة تعاني الفقر والبطالة ومحاصرة في مدن تنمو عل هامش المدن الحديثة تستجدي الخدمات في دولة من اكثر الدولة ثراء ليس في المنطقة فحسب بل في العالم.
المشكلة في السعودية ليست مشكلة وزارة صحة أو تعليم أو عمل بل هي مشكلة جوهرية تقبع في اعاقة الاصلاح الحقيقي والاكتفاء بشعارات خلابة تأمل الدولة من خلالها التستر علي معارضتها للاصلاح السياسي وتركيز جهدها عل محاربة كل التيارات الاصلاحية السياسية. تبني شعارات حقوق الانسان والنقد ومخاطبة الرأي العالمي والانفتاح الاجتماعي وحت اصلاح وتجديد الخطاب الديني كلها لن تسدل الستار علي المشكلة الجوهرية.

 كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية