2008/05/12

حسن نصر الله: لا تقع في شباك نصبها الغير

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 12-05-2008

مخطط الفتنة الطائفية المتنقل من بلد عربي الي آخر والهادف الي تفكيك المجتمع العربي والأمن الانساني وصل الي بيروت بشكله القبيح وحصد عددا من القتلي والجرحي في ايامه الاولي، وربما يزداد هذا العدد بل من المؤكد انه سيتصاعد اذا لم يتدارك الجانب القوي في معادلات لبنان المعقدة والمتشعبة الامر ويقطع دابر هذه الفتنة قبل فوات الاوان.
والمقصود هنا السيد حسن نصر الله الذي استطاع خلال عقدين ماضيين ان يبني شرعية لم يكتسبها اي زعيم عربي منذ رحيل عبد الناصر في اوائل السبعينيات. بني حسن نصر الله شرعيته علي سلاح حرر الارض اللبنانية ولم تستطع الآلة العسكرية الاسرائيلية ان تدمره بالشكل المطلوب خاصة خلال عدوانها علي لبنان في صيف عام 2006. هتفت المجتمعات العربية من طنجة الي بغداد لحسن نصر الله ما عدا طبعا الانظمة المستقيلة من مسؤولياتها ووجدت فيه مناضلا وقف امام اكبر مؤسسة عسكرية في المنطقة والتي اضطرت ان تراجع حساباتها واستراتيجياتها في حربها مع حزب الله. وبعد فشل هذا المشروع جاء مخطط جر هذا الحزب الي متاهات حرب طائفية تستنزف الجميع وتأكل الاخضر واليابس، فها هي اسرائيل في عيدها الستين تفرح ببندقية اتجهت شمالا واصبحت ساحة حربها أزقة كورنيش المزرعة وبربور ورأس النبع المكتظة بالسكان وغيرها من احياء بيروت السكنية، وارتفعت الاصوات التي اعلنت وبكل وضوح انها حرب شيعية تهدد سنة بيروت وهكذا يريدونها ليعيدوا المشهد العراقي ويستنسخوه في العاصمة اللبنانية حتي يصبح قدر هذه المنطقة الذي رسمه لها الغير، فيقع حزب الله في شباك احكم نسيجها مخطط غاشم وربط حبالها صانعو سياسة الشرق الاوسط الكبير.
لقد اسقط هؤلاء انفسهم جميع الاطروحات السابقة التي جمعت شعوب المنطقة تحت راية اوسع بكثير من مفهوم الطائفة والمذهب وضمتهم في بوتقة اكبر من حدود ضيقة توارثتها شعوب المنطقة منذ زمن بعيد. سقطت القومية العربية وفكرة المواطنة واندحر الخطاب المروج لهما تحت سوط الممارسات التي تذرعت به لتمارس اكبر عملية قمع وتشريد وتعذيب تحت ستارها حتي تلاشي الخطاب وسقطت مثالياته فلم يبق لشعوب المنطقة الا التقوقع خلف هويات ضيقة تندرج تارة تحت مصطلحات الاثنية والمذهبية والطائفية، وافرزت المرحلة قيادات تتشدق تارة بدفاعها عن اهل السنة وتارة بتمثيلها للشيعة وسقطت معها مرويات التعايش السلمي وتخفت الصراعات السياسية ومحاولات اختراق الدولة او التمثيل بها تحت ضباب معارك مذهبية وعرقية وطائفية.
ما حصل في العراق بعد الاحتلال وما زال يحصل فجر المنطقة واعطي المراقب فكرة واضحة عن مصيرها المستقبلي المظلم. لم يبق العراق حالة خاصة تحت الاحتلال وانما اليوم نمطا ستنجر اليه القوي السياسية المتحركة علي الارض في مناطق اخري من العالم العربي ويبدو ان لبنان بتركيبته الاجتماعية وتعدديته الواضحة من الاوائل المخولين للسير علي خطوات العراق اذ ان له تجربة سابقة في الاقتتال والتقوقع خلف الهويات الضيقة، وليس من المستبعد ان تنتقل الشرارة الي ابعد من ذلك فتطال سورية ثم تمتد جنوبا وباتجاه دول النفط حيث تتواجد اقليات اخري تنتمي هوياتها بالاضافة الي الطائفية الي قبائل وكيانات اخري.
وقد استعرت المعركة في اليمن وشماله بتمرد الحوثيين ومواجهاتهم مع الدولة المركزية في صنعاء. امام هذا المشهد الذي يفرخ ويتوالد ويظهر بأشكاله المتعددة يقف النظام العربي الرسمي يردد مصطلحات الحوار وشعارات المبادرات والتسوية والتهدئة والوساطة، وهو جزء لا يتجزأ من المشكلة الحالية.
عمليات الاقصاء والتنكيل بشرائح اجتماعية مختلفة والابعاد عن السلطة السياسية بدأت تعطي ثمارا فاسدة، وها هي افرازات سياسة الاقصاء تدفع المهمش والمحروم الي حمل السلاح تحت راية الدفاع عن طائفته واثنيته وهويته. ويدخل النظام العربي الرسمي كممول للانقسامات عن طريق ما يضخه من اموال طائلة في تدعيم موقف جماعة علي حساب جماعة اخري بل حتي تتهافت جهات اقليمية اخري في السباق الحالي والمعارك المحتدمة التي لا يذهب ضحيتها الا الابرياء الذين انهكهم البحث عن الرزق وتسيير امورهم اليومية وضمان مستقبل ابنائهم. تجري هذه الصراعات في مرحلة تتزامن مع طفرة نفطية تشهدها بعض الدول المصدرة للنفط وتضخ بعضها عائدات نفطها لاشعال هذه الجبهة او تلك حتي لا تمتد نار الفتنة الي حدودها وتبقي بمعزل عنها وتتستر خلف مبادرات وهمية للحوار والمصالحة وهي نفسها القوي التي تصب الزيت علي النار.
يقف حسن نصر الله اليوم علي مفترق طرق: اما ان يقع في الفخ والشباك المنصوبة له واما ان يترفع عنها. ليس خيار الترفع عن الفتنة الطائفية بالصعب عليه، هو يعلم جيدا ان الدولة اللبنانية بجيشها غير قادرة علي تفكيك شبكة اتصالاته (موضع الجدل والشرارة التي فجرت معركة بيروت) بدون التنسيق والحوار معه. وعليه ان يترفع عن استفزازات وليد جنبلاط لأنه معادلة قديمة تجاوزتها المرحلة الحالية، اما ما يسمي بالقيادة السنية اللبنانية التي أفرزتها حوارات الطائف القديمة فهي مفروضة علي بيروت بأموال النفط وشبكة العلاقات الخاصة التي تربطها بالرياض. وربما تكون معركة بيروت المحتدمة اليوم المعركة المصيرية التي تفوق ابعادها حرب اسرائيل علي لبنان عام 2006، ففي المعركة الماضية خرج نصر الله بنصر رمزي رغم كل الدمار الذي وقع علي لبنان وجنوبه وضاحيته، اما معركة بيروت الحالية فلا تنذر الا بشر مستطير ان وقع نصر الله في شباكها ومتاهات ازقتها المكتظة. ستكرس هذه المعركة الفصل الثاني الذي بدأ في العراق وسيكون هذا الفصل دمويا ومرعبا كما هو في بلاد الرافدين. وستستحضر مصطلحات العمالة والخيانة لتغطية ابشع الجرائم الوحشية التي ترتكب بحق الانسان لمجرد كونه ينتمي لهذه الطائفة او تلك، عندها تسقط كل القيادات التي تلوث نشاطها بدماء جثث مجهولة الهوية او هكذا تعرف اليوم. علي حزب أجبر اسرائيل ان تعيد حساباتها العسكرية في المنطقة وتفتح تحقيقات في استراتيجيتها العسكرية السابقة ان لا ينخرط في معركة داخلية تستنزف طاقاته وتزج به في خانة الميليشيا الطائفية.
مشكلة الكعكة اللبنانية الصغيرة في معيار الدول تكمن في عدم تقسيمها بطريقة عادلة تستوعب جميع الشرائح اللبنانية وتضمن لهم العيش المستقر، وعلي اللبنانيين جميعا اعادة صياغة عملية المحاصصة بطريقة تعكس الواقع الديموغرافي الجديد عن طريق الحوار والمفاوضات وليس عن طريق العنف اذ انهم قد دخلوا في متاهاته سابقا وخرجوا بأمن مزيف ومشاريع اقتصادية اخفت الحقيقة المرة علي الارض. وها هم اليوم يقتتلون مجددا علهم يحققون مكاسب لن تدوم اذ ان العراك قد يطول وينهك الجميع. ولن يصمد امام الفتنة الطائفية الجديدة سوي القوي اذ انه ليس بحاجة الي استعراض العضلات في ساحة قذرة ممولة خارجيا وتدار بأيد محلية. ان صمد حسن نصر الله امام الشباك المنصوبة له فسيسجل نصرا جديدا لن تستطيع مؤامرات الخارج ان تنزعه منه وان لم يصمد فسينتهي كما انتهي غيره من الذين انخرطوا في مشاريع القتل الطائفي والعنف الذي يطال الابرياء في منازلهم ويروع الاطفال في ازقتهم. والي ان يتم توزيع الكعكة اللبنانية الصغيرة بطريقة تضمن للجميع المشاركة والمساواة فلا بد للبنادق ان تعود الي مخازنها ويصمت الرصاص.

 كاتبة واكاديمية من الجزيرة العرب

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية