2006/06/30
النظام السعودي وعقدة الانكليز
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 06-07-2005
كانت زيارة بلير رئيس وزراء بريطانيا الي الرياض يوم السبت 2 تموز (يوليو) زيارة خاطفة، في خلال ساعتين تم لقاء حميم هدفه المعلن حث السعودية علي دعم السلطة الفلسطينية وتجنيد النظام لمشاريع السلام المطروحة واعادة الثقة بعلاقات قديمة تم تجاوزها منذ اكثر من نصف قرن. لا يزال بلير وبقية الدول الغربية تري في النظام السعودي السد المنيع والصرح العتيد الذي يقف بوجه من يهدد أمن هذه الدول ويضمن انتعاش اقتصادها وديمومة الطفرة الاقتصادية خاصة في بريطانيا.
وتتكرر الضغوط علي النظام السعودي من اجل زيادة انتاج النفط علي امل خفض الاسعار والتي ان ارتفعت اكثر واكثر ستؤدي الي اضطراب ملحوظ في الاسواق الاوروبية والتي تعتمد اعتمادا كليا علي نفط المنطقة العربية. فبعد طلبات بوش من مزرعة كروفورد تأتي طلبات دوانينغ ستريت والتي ان لم تكن بنفس الحجم والابهة الا انها بلا شك ستلقي الاستجابة المناسبة من مبدأ غالي والطلب رخيص . الكل يعلم ان لبريطانيا مكانة مميزة في الذاكرة التاريخية للنظام السعودي. هذا النظام يدين لبريطانيا بفضل كبيرقد يتجاوز الدين السعودي للعائلة الحاكمة الكويتية تلك العائلة التي آوت العائلة السعودية في محنتها عند مطلع القرن العشرين.
رغم تقلص الهيمنة البريطانية وتآكل تأثيرها في بلد كالسعودية الا ان بريطانيا العظمي كرست دور النظام السعودي في دور المحمية هذا الدور الذي ما زال النظام السعودي ينطلق من مبدئه ويتصرف بمنطقه. عندما خلقت بريطانيا النظام السعودي الحالي خلقته من مبدأ المحمية وليس المستعمرة. وهناك فرق شاسع بين المبدأ الاول والمبدأ الثاني. فبينما كانت المنطقة العربية تتساقط سريعا في يد المحتل الخارجي تحت هجمة استعمارية مباشرة كما حدث في فلسطين وسورية والعراق وغيره كانت المنطقة المسماة حاليا بالسعودية تتميز عن المناطق الاخري. فضل الانكليز منطق المحمية منذ عام 1915 في تعاملهم مع قيادات هذه المنطقة اذ انه لم يرد حينها اي مصلحة اقتصادية في منطقة قاحلة وصحراء كبيرة. كان همهم حينها حماية وجودهم علي شواطيء الخليج واقتصادهم وتجارتهم علي شواطئه. لذلك بقيت السعودية كمحمية وليس كمستعمرة بمعني الاستعمار المباشر. حرمت بريطانيا النظام السعودي الحديث العهد من حقه في سياسة خارجية مستقلة اذ انها تكفلت بتصريف علاقاته مع الخارج وحمايته. في المقابل كان علي النظام ان يكبح جماح قبائله وينهاها عن غزوات تعرض الامن البحري الانكليزي لاي خطر في الخليج العربي. وكان ما كان وتعاون هذا النظام السعودي وفقا لهذه المعادلة ولم يخل بها ابدا خلال النصف الاول من القرن العشرين. وها هو اليوم يكرر التزامه بالامن ليس فقط البريطاني بل بأمن كل الدول الغربية بشقيه اي الامن القومي والامن الاقتصادي. تطور النظام السعودي بهذا الشكل تحت مبدأ المحمية بقي ملازما لعقلية النظام حتي وقتنا الحالي. لا يستطيع النظام السعودي ان يتصور وجودا له الا من خلال كونه محمية تحتاج الي عنصر خارجي يضمن بقاءه. هذا المنطق كان نتاجا بريطانيا بحتا صمم وخطط له في لندن وبقي النظام السعودي غير قادر علي ان يتخيل وجوده دون هذا المنطق.
وعندما تقلص نفوذ بريطانيا في منطقة الجزيرة العربية ليس لان شعبها ثار او رفض هذه الصيغة اي صيغة المحمية بل لان بريطانيا تقلصت كقوة عالمية خلال الحرب العالمية الثانية بعد ان انهكتها هذه الحرب فجاءت الولايات المتحدة ودخلت المنطقة دون ان تغير بشكل جوهري الاطار العام. ظلت السعودية محمية هذه المرة للولايات المتحدة بدلا من بريطانيا، ضمنت الولايات المتحدة امن المحمية مقابل النفط تماما كما كانت بريطانيا تضمن امن النظام السعودي البدائي مقابل كبح جماح القبائل في الداخل وتهديدهم لامن بريطانيا علي شواطيء الخليج.
يطلب بلير اليوم من السعودية عدة اشياء منها نفط بأسعار مقبولة ومنها صدقات للدول الفقيرة ومنها صدقات للقيادة الفلسطينية التي يحددها هو اي بلير ومنها عقود اسلحة تنعش شركات كثيرة. لائحة المطالب طويلة ولكن ما ستطلبه منه الحكومة السعودية؟ النظام السعودي من اول الانظمة العربية التي تعاملت مع الانكليز منذ فترة طويلة ولا بد لهذه الانظمة، وخاصة السعودي منها، انها مدركـــة وفاهمة تماما لمناورات الانكليز فهي تذكر وعودا متناقضة وخداعا فضحه تطور الاحداث في المنطقة وتذكر مناورات ونفاقا له تاريخ حافل في هذا الجزء من العالم. النظام السعودي يعرف تماما كيف سقطت ورقة الشريف حسين في الحجاز وارتفعت ورقة ابن سعود في نجد. يعرف النظام السعودي تماما كيف رسمت حدوده مع دول الجوار من الكويت الي قطر الي الامارات مرورا بعمان واليمن ناهيك عن الاردن والعراق.
يعرف النظـام السعودي الثقل المعنوي لبريطانيا رغم انها اليوم ليست صانعة للقرار بنفس القوة التي كانت متوفرة لها في بداية القرن العشرين. تعلم النظام السعودي ابجديات العلاقات الخارجية من معلمه الاول: بريطانيا. بقي هذا النظام كالطالب المنبهر بمعلمه الذي فتح عينيه علي العالم ودرسه دروسا هامة في فن المراوغة و الحنكة السياسية أي اللف والدوران تحت شعار مهذب اسمه الدبلوماسية والعلاقات الدولية.
ظلت الدروس الاولي زمن الضعف والمنفي وزمن التشرذم من اقوي الدروس تأثيرا علي النظام السعودي. لقد شرب هذا النظام من نبع له تاريخ حافل في اقتناص الفرص وحبك المؤامرات واهم من هذا كله فهم النظام السعودي ان ليس له كيان مستقل الا اذا حافظ علي علاقة المحمية وعقلية المحتاج للحماية الخارجية، نجحت بريطانيا في توطيد وتمكين الطالب من استيعاب هذا الدرس. ورغم ان بريطانيا اليوم لا تتمتع بنفس الامتيازات والصلاحيات السابقة والتي ورثتها للولايات المتحدة الا انها تظل المعلم الاول والمربي السابق ايام الطفولة السياسية، فرغم غياب الشخصية المهمة التي مثلها عبد الله فيلبي في صياغة سياسة السعودية الا ان الدروس قد استوعبت بشكل ثابت ومتين. تعلمت السعودية من فيلبي كيف يخون المرء قومه اذ ان فيلبي قد خرج عن طاعة ولي امره في سنواته الاخيرة ويمكن تصنيفه كفئة ضالة او من خوارج العصر اذا استعملنا بعض المصطلحات الدارجة. جاء فيلبي الي ابن سعود كممثل لحكومته ولكنه بعدها استطاع ان يخرج علي هذه الحكومة. تمثل خروجه هذا في تجاوز شركات النفط البريطانية واللجوء الي شركات امريكية كان يلتقي بها سرا في احد نوادي شارع ستراند في لندن وعندما وعدته هذه الشركات حصة كبري تفوق تلك التي عرضتها الشركات البريطانية نقض العهد وزف تفاصيل عقد النفط الي ولي أمره الجديد في الرياض. هذا مثال واحد علي طبيعة العلاقة وماهية الدروس التي تعلمها النظام السعودي من خلال تعاطيه مع الانكليز خلال مراحل متتالية من القرن العشرين.
خبرة النظام السعودي وتعاطيه مع بريطانيا قائمة علي تناقضات عديدة من جهة هناك عقدة النقص التي يعاني منها الطالب تجاه معلمه الاول. وكذلك هناك علاقة الدائن والمدان وهي علاقة معروفة علي انها مبنية علي تشنج وارتباك. بالاضافة الي الشعور بالذنب تجاه المعلم الاول خاصة عندما يتمرد الطالب ويطلب العلم من معلم آخر تماما كما حصل عندما اتجه النظام السعودي الي الولايات المتحدة طالبا الحماية والتكنولوجيا والمعرفة بكافة اشكالها. هناك ايضا ازدواجية الحب والكره المجتمعين. وربما هما وجهان لعملة واحدة في هذه الحالة بالذات. الاهم من هذا كله هو عدم ثقة النظام السعودي ببريطانيا ونواياها. اليوم لا يخيف هذا النظام شيء مثل تواجد معارضة سعودية في لندن. يبقي هذا التواجد من الامور التي تخطف النوم من عيني النظام. فهو يحاول دوما الضغط علي بريطانيا لترحيل هذه المعارضة او علي الاقل تقييدها في سجن كسجن بالمارش او غيره.
تبقي نظرة النظام السعودي لبريطانيا قائمة علي تجربته السابقة مع هذه الدولة والتي كانت عظمي يوما ما. لا احد يعرف نفاق بريطانيا ووعودها المتناقضة مثل النظام السعودي وربما الشعب الفلسطيني ايضا. ويعتقد هذا النظام ان ليس لاي شخص قدرة علي مواجهة وعود بريطانيا والتصدي لمؤامراتها اذ ان هذه القناعة مبنية بالدرجة الاولي علي عدم قدرته هو في اكتساب استقلالية تجاه حامي المحمية في السابق. فيتهم النظام السعودي من خلال ابواقه المعروفة كل من وجد في لندن بالتآمر والعمالة للانكليز لانه ينظر للأمور من منظار عمالته السابقة وتآمره مع بريطانيا هو نفسه لذلك لا يستطيع هذا النظام تصور اي نوع من المقاومة او حتي القدرة علي عدم التعاون مع الحكومة البريطانية حتي لو وجد المرء علي ارضها وخضع لقوانينها والتزم بشروطها.
يجب علي النظام السعودي ان لا يعمم تجربته الشخصية وعلاقته الحميمة مع بريطانيا العظمي علي الجميع اذ ان هذه العلاقة خاصة جدا وربما تكون هي وحدها المقصودة عندما يردد هذا النظام في اعلامه مقولة خصوصية البلد. ان كانت هناك خصوصية مزعومة فهي بالفعل قائمة علي قدرة النظام علي استيعاب دروس بريطانيا في النفاق والمراوغة واللعب علي عدة حبال وليس حبلين فقط. البهلوانية السياسية تحت غطاء حضاري يسمي اليوم دبلوماسية هي من اهم الدروس التي استوعبها النظام السعودي ولكن يبقي هناك الكثير والكثير من ابناء الجزيرة الذين ابوا في الماضي وما زالوا يأبون ويرفضون العمالة بكافة اشكالها. نعم ربما هناك ثمن باهظ يدفعه هؤلاء ولكن الحياة موقف والسياسة علي الطريقة البريطانية مؤامرة و نفاق ومصالح مشتركة لا بأس بها طالما انها لا تهدر مستقبل امة كاملة وتزج بها في خانة المحمية لمدة ستتجاوز القرن الكامل. لن يستطيع النظام السعودي الخروج من قالب المحمية الا اذا تلقن دروسا جديدة من معلم آخر ربما يعي معني السيادة الحقيقية للأمة وليس لفئة حاكمة.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

