2008/04/05

حمّي حوار الأديان تصل الي السعودية

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 05-04-2008

لا لم ينعقد مؤتمر حوار الاديان في الرياض بعد ولم تحط طائرات حاخامات اسرائيل في مطارها استعدادا لحضور المؤتمر المزعوم، ولم تعرض صحفات من التوراة والانجيل والقرآن علي الحضور للبحث والتمحيص عن التقارب والتباعد بين الاديان ليعرّف الجاهل بالآخر أسرار ديانته وتفاصيلها. ولم يصل الجميع الي القرار الختامي حتي تتهافت عليه وسائل الاعلام مؤكدة انه مهما تعددت الكتب والتفسيرات فإن جميع الطرق تصل الي روما.

كل ما في الامر تصريح ركيك عن الاخطار التي تهدد الانسانية صدر من قبل الملك عبد الله دعا فيه الي حوار أديان يقرب بين الانسانية المهددة واوضح فيه انه استشار علماء المملكة في هذا الامر، وقد ابدي هؤلاء تأييدهم لحوار الاديان المخلّص من محنة الانسانية الحالية.

وبعدها بأيام معدودة نقلت صحيفة يديعوت احرنوت خبرا مفاده ان اسرائيل وعن طريق مكاتب جمعية الصداقة بين اسرائيل والعرب تلقت دعوة لحضور المؤتمر المتوقع في الرياض الا ان اشكالية بسيطة لا تزال عالقة وهي تتعلق بجوازات سفر الحاخامات المعزومين الاسرائيلية اي بالمختصر جزئيات بسيطة يتم التعاطي معها من اجل حل المشكلة المستعصية. ومن ثم انتشر الخبر لدرجة اضطر المفتي السعودي عبد العزيز آل الشيخ ان يصدر بيانا نافيا فيه توجيه هذه الدعوة لحاخامات اسرائيل.

وكالعادة في كل شأن يتعلق بالاتصال مع اسرائيل بشكل مباشر وعلني تتجه السعودية الي سياسة النفي التي تعود عليها المراقب للشأن السعودي وخاصة علاقته مع اسرائيل علنية كانت ام مستترة.

فبين دعوة الملك لحوار الاديان وهو بالطبع سيجمع القساوسة والحاخامات مع علماء الاسلام وخاصة علماء المملكة ونفي المفتي القاطع لمثل هذه الدعوة، تجد السعودية نفسها قد دخلت مرحلة حمي حوار الاديان من بابها العريض. وهي بالطبع لا تريد ان تتخلف عن الحمم المنتشرة في العالم ولو أن إصابتها بهذه الحمي قد جاء متأخرا قليلا لأسباب معروفة اهمها الثقافة الدينية السائدة الا ان السلطة السياسية قد وجدت ان الانخراط في حوار الاديان قد ينتشلها من مآزقها الحالية والتي من اهمها الصراع علي هوية المملكة ذاتها وخاصة الهوية الدينية.

تسعي القيادة السعودية جاهدة اليوم من اجل تغيير صورتها في العالم وخاصة الصورة المرتبطة بالتشدد والتزمت الديني المتهمة فيه من قبل العالم الخارجي وبعض الاطياف الاجتماعية الداخلية.

هناك اتفاق ضمني بين العالم الخارجي والقيادة السعودية بأن مشاكل المملكة برمتها من اقتصادية وسياسية وتربوية واجتماعية تقبع في الخطاب الديني المتزمت والمتشدد الذي تبنته القيادة سابقا، وها هي اليوم تتنصل فيه شيئا فشيئا وما دعوة حوار الاديان هذه الا خطوة اخري تتجه في اتجاه تبرئة المملكة السياسية من خطابها الديني.

تقليص مشاكل المملكة وحصرها في الدين محاولة للهروب من المشكلة الحقيقية ذات الشقين. الشق الاول يتعلق بتجنيد الدين لخدمة المصالح السياسية للقيادة. وبما ان السياسة متغيرة ومتحولة دوما وجدت القيادة نفسها في مأزق عميق حيث هي اليوم مجبرة علي تجاوز الثوابت السابقة بل حتي التنصل منها والتهرب من ماضيها. والشق الثاني يتعلق بكون القيادة الحالية اليوم منخرطة في مذبحة الوهابية التي جاءت بها الي سدة الحكم ودعمتها ورسخت قواعد حكمها معتمدة في ذلك علي نصوصها وتفسيراتها القديمة والحديثة. من يعتقد ان مقالات الليبراليين السعوديين وانتقاداتهم لبعض المؤسسات الدينية كهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر او تسليط الضوء علي بعض فتاوي علماء المملكة المحرجة سيطيح بالصرح العتيد فهو مخطيء. انها القيادة السياسية ورموزها الكثيرة هي التي تشارك اليوم بمذبحة الوهابية، هذه المذبحة مهمتها محدودة اذ انها تستأصل بعض الاطراف والاعضاء ولكنها تبقي علي الجسد كجثة هامدة مكبلة او بالأحري مثخنة بالجراح التي تحاول ان تجفف دماءها. وتحاول القيادة السياسية ان تفصل الكفن المناسب للجثة الهامدة علها بذلك تجد ثقبا مناسبا تنفخ فيه الحياة من جديد حسب الظروف السياسية المستقبلية وخاصة ان استدعت الظروف إحياء الاموات من جديد. يلقن الميت اليوم ابجديات جديدة لم تكن في قاموسه سابقا كالاعتراف بالآخر والقبول به والتعددية والوسطية والآن حوار الاديان وهي محاولة تلقين صعبة تماما كما ان تعلم لغة جديدة يصعب علي الكهل والشيخ نجد بعض المتبنين لمثل هذه المصطلحات الجديدة يتأتئون ويتعثرون في سردهم الملقن منذ وقت قصير فقط. وقد يثور البعض ويعترض علي عملية التلقين فيصدر هذا فتواه ويتجه الي سلاحه القديم سلاح التكفير والاخراج من الاسلام عله بذلك يسترجع جوهر دعوته وروحها التي ازهقتها القيادة السياسية شيئا فشيئا ويكتب آخر مقالا يصلب فيه هذا الامير او ذاك علي خشبة العفة والطهارة والدفاع عن الشرف والهوية التي ضاعت بين القيادة السياسية وثروتها المتراكمة. اما من يحاول اعادة احياء الميت علي الانترنت فسيجد ان باب الرقيب مفتوح لاستيعابه وزجه خلف القضبان.

وتبقي القيادة السياسية محتارة في أمرها فلا هي تستطيع ان تتصالح مع الجثة الهامدة ولا هي تستطيع ان تدفنها الي الابد. انه مأزق القيادة السعودية في القرن العشرين. فالخيار الاول قد حسمته الولايات المتحدة وجعلته خطا احمر اما الخيار الثاني وهو دفن الميت والصلاة عليه قد يجرد هذه القيادة من اهم اسباب وجودها ودعائم حكمها. لذلك لجأت القيادة السعودية الي خيار ثالث ألا وهو تمييع الجثة وتذويبها شيئا فشيئا والإبقاء علي بعض اشلائها المترامية علها بعد ذلك تحتاج الي اعادة ترميمها وهندستها وفقا للأحداث المستقبلية ومتطلباتها القادمة كذلك هي اليوم جاهدة في اعادة تأهيل ما تبقي من اشلاء هذه الجثة وفقا لمعايير جديدة طارئة علها بذلك تضمن ديمومة القيادة وتحسين صورتها خارجيا.

قبل ان تطلق السعودية نداءات حوار الاديان يجب عليها ان تتحاور مع الجثة الصريعة علي ارضها وقبل ان تصل وفود حاخامات اسرائيل الي هذه الارض عليها ان تحسم خيارها مع مؤسستها الدينية وما تفرع عنها من اطراف واشلاء متناثرة. ولكن يبدو ان من السهل علي القيادة السعودية ان تتحاور مع الآخر البعيد علي ان تدخل في حوار صريح وعلني مع دينها نفسه. وان دخلت في مثل هذا الحوار والذي يجب ان يكون علنيا ومتلفزا فهناك يكمن الخطر الذي لا تستطيع هذه القيادة ان تواجهه وتتحمل تبعاته، عندها فقط سيتابع العالم معركة حاسمة بين نظام وايديولوجيته، وسينتظر كيف تتم المواجهة التي قد تفرز جثتين بدل الجثة الواحدة. والي ان يحين موعد المواجهة المفتوحة هذه ستظل السعودية مستوردة لحمّيات قديمة كحمي حوار الاديان وحمّي جديدة قد تفرزها المرحلة القادمة لكنها في الوقت الحاضر غير قادرة علي ان تحسم الخيار وقد وجدت في حالة التخبط المستشرية اليوم حلا مؤقتا علها تكسب بعض الفرص وتعيد تأهيل ذاتها واستعداداتها لمرحلة الحسم النهائية. ولكن التخبط الحالي وسياسة النفي المتبعة ستزيد من حالة الاضطراب فهي تضع المراقب وجها لوجه امام سؤال بسيط. في الموضوعات الحرجة من نصدق الملك ام المفتي ام صحيفة يديعوت احرنوت ؟



كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية