2008/01/21

الرقص العربي الامريكي علي اشلاء فلسطين

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 21-01-2008

لم نأبه بحلقات الرقص الامريكية العربية التي رافقت زيارة الرئيس الامريكي جورج بوش الي منطقة الخليج بعد وقفة تضامن مع الدولة الاسرائيلية حيث كرس الرئيس ايمانه العميق بأمن هذه الدولة لولا ان الزيارة رافقتها مجزرة اسرائيلية بحق الفلسطينيين في غزة ادت الي مقتل التسعة عشر والذين لم تتبعثر اشلاؤهم الا بمباركة الولايات المتحدة ورئيسها.

خرجت آلة القتل الاسرائيلية لتبث سمومها وهي مطمئنة ان لا رأي عالميا ولا رئيس دولة عظمي ولا مجلس امن سيشجب او يستنكر ولا قرارات دولية ستعاقب المجرم، بل ستطوي تفاصيل الجريمة وتوضع في ارشيف المجازر الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني. وبينما نحن امام هذه المجازر نلتفت الي حلقات الوصل والغرام بين رئيس تعتبر ايامه معدودة في ادارة دولته وحكام آثروا الرقص علي الصمود والاحتفال علي المواقف الجريئة. من العاصمة السعودية حمل بوش السيف ولوح به يمينا ويسارا. عانق وقبل ووعد وتوعد بمزيد من القنابل والعقود العسكرية لاعادة توازن القوي في الخليج عسي ولعل تصبح السعودية يوما ما بوليس الخليج تماما كما كان شاه ايران قبل عام 1979.

استبشر القوم بوعود بوش القادمة عساه يروض الكونغرس الامريكي فيسمح بتصدير آلة قتل جديدة لا تصوب يوما ما سهامها علي دولة اسرائيل وانما علي دولة ايران. آثر حكام الرياض امام العرضة النجدية ان يسترجعوا بعضا من السيادة فردد وزير الخارجية شعارات الدبلوماسية والحلول السلمية مع ايران تماما كما تفعل القيادة السعودية تجاه اسرائيل ولكن هناك فروقات كبيرة فايران لم تذبح بقنابلها شعبا عربيا وتهجر الآلاف وتحاصر جموعا بشرية. عندما يستوي الخطر الايراني المزعوم مع الخطر الاسرائيلي الواقع علي الارض لا بد لنا ان نتحرر ونحرر عقولنا من خطابات رسمية وشعارات وهمية لا تصلح الا للاستهلاك في محطات عالمية فضائية تابعة لهذا الامير او ذاك.

وقد ينتقدنا البعض لاننا نكتب عن فلسطين هذه المرة وليس انجازات الاصلاح السعودي واننا قد اكتفينا مزايدة علي عروبة النظام القائم. سيكون ردنا اننا لا نتعلم العروبة في خلية حزبية ولم نقرأها علي صفحات جريدة القدس العربي ولم نستلهمها من مجلدات ميشيل عفلق او خطابات جمال عبد الناصر. لم تكن فلسطين يوما ما قضية نتبناها للاستهلالك المحلي ارضاء لتيارات قومية او اسلامية تهدد امن النظام. ولم ندرس صفحاتها ونؤلف فيها تمجيدا لاحصاءات الدعم السعودي وصور حكام يسجدون ويدعون خالقهم ان ينعم عليهم بصلاة في القدس. نظرتنا لفلسطين ومجازر الدولة الصهيونية فيها وتخاذل حكام الرياض ازاءها ورقصاتهم مع القوة العظمي التي رفضت ان تتخذ موقفا محايدا تجاهها في المحافل العالمية انما تنبثق من تجربة عايشناها. لقد تكونت هذه النظرة والموقف من خلال مشاهدة جندي صهيوني يغتسل في شوارع بيروت الغربية وآخر يتمشي برفقة كتيبة علي سفوح جبال لبنان وثالث يراقب مجازر ترتكبها ايد معروفة في مخيمات مسيجة ومحاصرة. عرفنا اسرائيل من خلال قنابل غبية تفجر مساكن شعبية وقري هشة البناء. كذلك عرفنا الدولة الاسرائيلية من خلال كتابها وغطرسة اكاديمييها وتحليلاتهم الاسطورية لصراع قديم غرس في منطقة لم تكن مهيأة لمثل هذه المصيبة، بل كانت مصيبتها في عوائل احتكرت السياسة وتصارعت فيما بينها كل منها يطمح ان يقود العرب كقطيع صامت. فشل الجميع في مشروعات الهيمنة وخرج العرب من المأساة بدون ملك او خلافة، بل ما بقي لهم سوي مقاطعات بالية تقطع خطوطها اسر وشعوب لها امتداد عميق وترابط حميم بين اطيافها المختلفة والمتنوعة. هكذا نمت فلسطين في قلوب البعيدين عنها وهكذا يتبني المرء المواقف وليس من خلال بهرجة الرقصات وتساقط الجثث الضخام علي عقد تسلح او مفاعل نووي. ان كان هذا الشعور يدعي عروبة او قومجية فليكن. انه الشعور الذي لا يشنق يوم عيد او يحل في لحظة احتلال او يجتث يوم كتابة دستور.

من الصعب اجتثاث الشعور او اقتناصه لحظة ضعف فهو ليس قابلا للمساومة او البيع في سوق المزاد او الأسهم.

ان رقصت الرياض او لم ترقص وان زغردت المنامة او لم تزغرد يظل الشعور ملتهبا امام شهداء غزة. هذا الشعور لا ينطفئ بقنابل ذكية او صواريخ باتريوت الموعودة ولن يميعه حلف السنة امام ايران الشيعية ولن تبدده مقالات صحافية تنتقد سياسة ضيف ثقيل أثقل المنطقة بمغامرات حربية فاشلة يجتر كلماتها صحافيو النظام. ليعلم هؤلاء ان السيادة لا تسترجعها كلمات النقد لسياسة بوش العتيدة وانما تسترجعها منظومة امنية مشتركة كذلك لا تسترجع السيادة بتعدد مصادر الاسلحة والعقود المبرمة مع هذا المصدر او ذاك. لقد فقدت الرياض السيادة عندما سلمت امنها للقوة العظمي وفي حال مواجهة امريكية ايرانية لن تجد الرياض مفرا لان اجواءها وارضها واموالها ستكون بئرا يمول المواجهة وستدفع الرياض ثمن فقدان السيادة وتداعيات مواجهة قد تجرها اليها السياسة الامريكية والتي تحاول جاهدة ان تقنعها ان الخطر يأتي من ايران وليس الدولة التي بعثرت قنابلها اجسادا كثيرة علي ضفاف البحر الابيض المتوسط. تعرف القيادة السعودية ان اسرائيل لا تستهدفها ولم تشكل السعودية يوما ما خطرا علي امن الدولة العبرية، بل بالعكس تجد اسرائيل في السعودية فرصة للتطبيع والذي بدأ بشكل او بآخر وكل ما تريده اسرائيل هو الوصول الي السوق السعودية لتبيع اسلحة ومعدات وتكنولوجيا وتجلب استثمارات افرزتها الطفرة النفطية الثانية. لقد امن النظام السعودي شر اسرائيل ولن يقوم علي اتخاذ اي موقف يغير هذا الواقع.

وستظل صحافته المكتوبة والالكترونية تجتر مقالات لكتاب اسرائيليين تسوق علي انها حوار حضارات وتبادل فكري وتقارب من اجل عملية السلام والتي وعد جورج بوش اسرائيل بها في عيدها الستين. هناك انظمة عربية خرجت من المواجهة بموجب معاهدات وقعتها مع اسرائيل وتحملت تبعياتها ولكن بقي النظام السعودي متبوئا منزلة بين المنزلتين يرقص علي حبل شعارات العروبة وصقورها من جهة وحبل السلام وحقوق الفلسطينيين من جهة اخري. هذا الرقص لم يفعل الشعار ولم يعيد للفلسطينيين حقوقا. ومهما حاولت القيادة السعودية وصحافتها الابتعاد عن السياسة الامريكية ستظل هذه القيادة رهينة القرار في واشنطن لسبب بسيط ينطلق من كون النظام محميا من قبل الخارج وليس الداخل ومهما تنوعت مصادر الحماية تبقي الحقيقة قائمة يتذوق مرارتها الكثير من الذين لم يخنق الشعور في صدورهم.

 كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية